
عبد الفتاح لحجمري
حين يتحوّلُ الإصلاح إلى “مشروع دائم”
كيف تحوّلت المدرسة المغربية من وعدٍ جماعيٍّ بالترقي إلى عبءٍ يوميٍّ يثقل الأسر والمدرّسين والمتعلّمين؟ لماذا يشتدّ الخطاب الإصلاحي كلما تراجعت مؤشرات التعلّم؟ أين تتبدّد الطاقة بين الميثاق والرؤية والقانون الإطار: في النصوص أم في التنفيذ أم في غياب المحاسبة؟ وأيّ تلميذ نُكوّنُ حين نربّي على الامتثال أكثر مما نربّي على السّؤال؟
مدرسةٌ بين الطموح الدستوري والواقع اليومي
الحديث عن المدرسة المغربية ليس ترفًا فكريًا ولا استعادةً لنقاش قديم، لأنه يأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ضغوط حاسمة: ضغط النتائج التي تكشف هشاشة التّعلمات وتضع المنظومة أمام امتحان المصداقية، وضغط التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل المدرسة خط الدفاع الأول ضد اتّساع الفوارق وضياع الفرص، وضغط الزّمن السياسي والإداري الذي يراكم النصوص والبرامج فيما ينتظر الناس أثرًا ملموسًا من داخل القسم.
لنتفق على أن أزمة المدرسة المغربية ليست عرَضًا عابرًا؛ إنها تشكُّل بطيءٌ لاختلالات بنيوية تراكمت عبر عقود، حتى أضحتْ المدرسة فضاءً متوتّرًا بين الطموح الدستوري والواقع اليومي. أذكّر هنا ببعض المسارات: منذ إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين بوصفه تعاقدًا إصلاحيًا واسعًا، ثم صياغة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي للرؤية الاستراتيجية 2015–2030، ثم اعتماد القانون الإطار 51.17، حافظ الخطاب الإصلاحي على قوّته، غير أن مؤشرات الفعالية ظلت دون المأمول؛ فيما سجّلت تقارير المجلس الأعلى للحسابات اختلالات في الحكامة، ورصدت تعثّر تطبيق البرامج، وبيّنت ضُعف الالْتقائية بين السياسات العمومية ذات الصلة؛ كما تفيد معطيات المندوبية السامية للتخطيط استمرار تأثير الفوارق المجالية والاجتماعية في الولوج والنجاح، خصوصًا بين الوسطيْن الحضري والقروي، وبين التّعليمين العمومي والخصوصي، فضلا عن نسب الهدر المدرسي، خاصة في السلك الإعدادي بالعالم القروي. فضلًا عن الضغوط المشار إليها سابقًا، لا بدّ من التنبيه إلى أنّ المدرسة المغربية تعيش تذبذبًا بين لغات تدريس متعددة، وتعتمد مناهج مثقلة، ثم تُطالِب المدرّسين بتكوينٍ أوليٍّ ومستمرٍّ لا يساير تحوّلات المعرفة. لذلك، يتراكم عدد الإصلاحات دون تقييم صارم لأثرها، وتتغيّر المقاربات البيداغوجية دون تثبيت شروط تطبيقها، فينتج عن ذلك تَعبٌ مؤسساتي لدى الفاعلين، ويرتفعُ ارتباك الأسَر، وتتراجع الثقة تدريجيًا.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ومهما يكن ثقل الإشكالات السابقة، فإن المنظومة التعليمية تكشف بدورها عن أعطابٍ أخرى أعمق أثرًا في نتائجها. ذلك أنّ التدبير الترابي للمدرسة، ضمن ورش الجهوية المتقدمة، لم يحقق بعدُ استقلاليةً مؤسساتيةً فعلية، وظلّ رهين اختلالات تُضعف نجاعة القرار المحلي. وقد أبرزت العديد من التقارير محدودية فعالية صرف الاعتمادات، كما سجّلت ثغراتٍ في تتبّع المشاريع والبنيات، ومنها المدارس الجماعاتية بالعالم القروي؛ كما أن العديد من تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي نبّهت إلى فجوة بين التكوين النظري والممارسة الصفّية، ولفتت الانتباه إلى محدودية التكوين المستمر بوصفه آلية تطوير حقيقي للكفايات، بحيث يجد المدرّس نفسه في قلب إصلاحات متسارعة، ويشتغل بأدوات بيداغوجية غير مستقرة، ويتحمّل عبئًا إداريًا متناميًا يزاحم الزمن التّعلّمي. هكذا تعكس المدرسة تناقضات المجتمع، حين يفرض عليها الواقع أن تكون حداثية داخل مجتمع يتفاوض يوميًا مع حداثته، ويلزمها أن تكون عادلة في سياق تتّسع فيه الفوارق، ثم يدفعها إلى تدريس قيم المواطنة بينما تهتزّ الثقة العامة في بعض مسارات التعليم. ويعمّق هذا التوتر انقسامًا داخليًا بين خطاب رسمي واعد وممارسة يومية ترهقها قيود التدبير ومنطق الانتظار؛ فتستهلك المدرسة طاقتها في إدارة الأزمة بدل صناعة الأفق.
نهضة تربوية: تغيير الخيال قبل تغيير الأدوات
يبقى أخطرُ الأعطاب خارجَ نطاق الأرقام، لأنّ أثره يستقرّ في الوجدان. تفقد المدرسةُ قدرتها على الإلهام حين تنقلب إلى جهازٍ إداريٍّ باردٍ يصنع الامتثال أكثر ممّا يزرع التفكير. يخفت صوتُ السؤال، فتتمَّدد آلياتُ الحفظ على حساب الفهم، وتتحوّل الحجرةُ الدراسية إلى فضاءٍ يعيد ما قيل بدل أن يجرّب ما يمكن قوله. وفي الصمت الثقيل بين السبورة والمقعد يتشكّل عزوفٌ خفيّ عن المعرفة، لأن المتعلّم لا يراها قوةً للتحرّر، بقدر ما يختزلها في شرط للنجاة من الامتحان. من هنا، يتسلّل عطبٌ آخر بهدوء حين يتضخّم الزمن الإداري على حساب الزمن التربوي.
ينشغل الأستاذ بالجداول والمنصّات والتقارير، فيضيق الهامش المخصّص للإنصات الفردي. يفضي هذا الانكماش إلى تقليص فعالية المدرسة في تشخيص التعثّر ومرافقته، ويُضعف في الوقت نفسه الشروط التربوية اللازمة لترسيخ علاقة ثقة صادقة مع المتعلّم..
تحتاج المدرسة إلى حرية التجريب وإلى مساحة تتيح لها ابتكار حلول تلائم سياقها الاجتماعي والثقافي. لكلّ حيّ في المدينة أسئلته، ولكل قرية إيقاعها، ولكل مؤسسة نسيجها البشري الخاص؛ فإذا أغفل الإصلاح هذا التنوع صار خطابًا عامًا يعبر فوق التفاصيل ولا يلامسها. لذلك لا يقتصر إصلاح المدرسة على ترميم الجدران؛ فالمدرسة لا تستعيد وظيفتها الأولى إلا عندما تصبح فضاءً لتعلّم الحرية: حرية السؤال، وحرية الاختلاف، وحرية الخطأ؛ عندها تنتقل من مؤسسةٍ تُدير الزمنَ المدرسي إلى فضاءٍ يصنع الزمنَ التاريخي. ليست المدرسة ممرًّا نحو الشهادة، إنها تدريبٌ يوميّ على أن يصير الإنسان أكثر إنسانية، وأقدر على فهم العالم وتغييره.
وعلى هذا النحو، ينجح الإصلاح حين يضع التعلمات الأساس في صميم الأولويات، ويخفّف العبء الإداري عن المدرّس ليتفرغ لجوهر مُهمّته، ويمنح المؤسسة هامشًا فعليًا للمبادرة المسؤولة. وتستعيد المدرسة ثقة المجتمع عندما تبرهن أن المعرفة ليست كلفةً إضافية، بقدر ما هي مسارٌ للارتقاء الإنساني، عندها فقط ينتقل التعليم من منطق التدبير إلى منطق البناء، ومن خطاب الوعود إلى واقع الأثر.
والواقع أن إصلاح التعليم عندنا لم يتشكل، في الغالب، بوصفه مشروع معرفة فقد ظلّ يتحرك بوصفه مشروع إدارة. نتعامل مع المدرسة كما لو أنها مرفق إداري نعيد ترتيب هندسته كل بضع سنوات. ومنذ الاستقلال تعاقبت المخططات واللجان والتقارير، من إصلاحات الستينيات إلى الميثاق الوطني وصولًا إلى القانون الإطار، لكن السّؤال الحاسم بقي معلقًا: أيّ إنسان نريد أن نُكوّن؟ في المغرب لم يكن الخلاف تقنيًا حول المناهج وحدها، كان خلافًا صامتًا حول اللغة والهوية والعدالة الاجتماعية ومكانة المعرفة في سلّم القيم. لذلك طال الإصلاح وتعثر، لأنه انشغل بترميم السقف بينما الأساس يتشقّق. ليست المدرسة كتبًا جديدة ولا أجهزة رقمية ولا حتى تكوينًا مستمرًا للمدرسين، إنها تعاقد أخلاقي بين الدولة والمجتمع حول معنى المستقبل. لذلك، يحتاج الإصلاح الحقيقي إلى ثقة عامة، وإلى إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية بوصفها فضاء للارتقاء الاجتماعي. نحتاج إلى إصلاح يتصالح فيه الطفل مع لغته، والمعلم مع كرامته، والمعرفة مع حريتها. ربما نحتاج ما هو أعمق من الإصلاح: نحتاج نهضة تربوية. الإصلاح يُغيّر الآليات، أما النهضة فتُغيّر الخيال.
الطريق إلى الأفق يبدأ من الثقة
أيُمكن لمدرسةٍ تفقد معناها أن تربح معركة التّعلمات؟ كيف نطلبُ من المتعلّم أن يثق في المعرفة، ونحن نُربكها بين لغاتٍ وزمنٍ إداريٍّ يبتلع الزمن التربوي؟ كيف نردم فجوة الفوارق المجالية والاجتماعية إذا ظلّ الإنصاف شعارًا لا معيارًا في توزيع الموارد والتجهيزات والفُرص؟ أيّ موقع نمنح الأستاذَ: ركيزة للتحول أم منفّذًا مرهقًا لإجراءات لا نهاية لها؟ وأي تلميذ نريد في النهاية: حافظًا ينجو من الامتحان أم عقلًا يسأل ويبدع ويؤسّس؟ ومتى ننتقل من إصلاحٍ يدير الأزمة إلى مدرسةٍ تصنع الأفق؟
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.