العمق المغربي
أثارت السلسلتان الكوميديتان “محجوبة والتيبارية” على القناة الثانية، و”الثمن” على القناة الأولى، موجة واسعة من الانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تزامنا مع عرضهما في وقت الإفطار خلال رمضان الجاري.
وتصدر العملان نقاشات المتابعين الذين عبروا عن خيبة أملهم من المستوى الفني، معتبرين أن التجربتين تعكسان أزمة متجددة في الكوميديا التلفزيونية المغربية.
ورأى عدد من المشاهدين أن “محجوبة والتيبارية” لم يقدم إضافة تذكر مقارنة بشخصيات سبق تقديمها في مسلسل “جوج وجوه”، إذ اعتمدت –وفق تعبيرهم– على إعادة تدوير نفس الملامح الكوميدية والإيماءات، دون تطوير حقيقي في البناء الدرامي أو تعميق في مسار الشخصيات.
واعتبر هؤلاء أن الكوميديا في العمل مالت إلى المبالغة في تعابير الوجه والحركات الجسدية، مع حوار وصف بالسطحية، بعيدا عن المفارقة الذكية أو النقد الاجتماعي الذي يمنح هذا اللون الفني قيمته.
الانتقادات نفسها طالت سلسلة “الثمن”، التي رأى متابعون أنها تعاني من نص ضعيف وبنية درامية مفككة، ما جعل عددا من المشاهد تبدو مفبركة ومطولة دون مبرر درامي واضح، وهو الأمر الذي كرس ظاهرة تكرار الوجوه نفسها والشخصيات ذاتها، في غياب روح التجديد والمغامرة الفنية، وفق تعبير المنتقدين.
وأشار متابعون، إلى أن الممثلة سحر الصديقي ظهرت في العملين بشخصية تكاد تتطابق في ملامحها، قائمة على الصراخ والمبالغة في الأداء وحركات جسدية نمطية، ورغم أن هذه الشخصية لقيت في بداياتها تفاعلا من فئة من الجمهور، إلا أن معجبيها باتوا يرون أن الممثلة انحصرت مؤخرا في قالب واحد يعتمد على الأداء المرتفع النبرة، ما أفقد الشخصية عنصر المفاجأة وأضعف تأثيرها الكوميدي.
وفي السياق ذاته، عبر الناقد الفني أحمد سيجلماسي في تصريح لموقع “العمق” عن استيائه من المستوى الذي ظهرت به سلسلة “الثمن”، مشيرا إلى أنه تابع بعض الحلقات بدافع الفضول، ولاحظ –بحسب تقديره– ضعفا على مستوى الكتابة والمحتوى وحتى الأداء التمثيلي لدى عدد من المشاركين.
وقال سيجلماسي، إن العمل يأتي امتدادا لأفلام سينمائية سابقة للمخرج رشيد شجيد، من بينها 30 مليون و”جوج هما لي بقاو”، والتي يرى أنها تنتمي إلى نفس التوجه الكوميدي القائم على “التهريج والمبالغة”.
وأضاف سيجلماسي، أن عددا من المواقف الدرامية في “الثمن” بدت مصطنعة ومطولة، مع أداء غير مقنع في مجمله، معتبرا أن سحر الصديقي بدت متكلفة في بعض المشاهد، واستحضر في المقابل أعمالا سابقة للممثلة نفسها، خاصة مع المخرج ياسين فنان، حيث أبانت –وفق تعبيره– عن قدرات تمثيلية لافتة، ما يجعل الفارق واضحا بين تلك التجارب وما يعرض حاليا.
كما أبدى الناقد، أسفه لمشاركة أسماء لها رصيد فني محترم، من بينها نجاة الوافي، في عمل اعتبره ضعيفا من حيث التصور والتنفيذ، مشددا على أن مثل هذه المشاركات قد تؤثر سلبا على الصورة الفنية التي راكمها بعض الممثلين عبر تجارب سابقة ناجحة.
أوضح الناقد الفني أحمد سيجلماسي، أن جوهر الإشكال لا يرتبط بالأداء الفردي بقدر ما يرتبط بفراغ النصوص من أفكار حقيقية ومواقف درامية مقنعة وغياب رؤية إخراجية قادرة على توظيف الطاقات التمثيلية المتوفرة، مشيرا إلى أن العديد من المشاهد تبدو مركبة على عجل، وكأنها أُنجزت بمنطق السرعة لا بمنطق الإبداع والتأني. وأبرز أن غياب العمق في الكتابة ينعكس مباشرة على الأداء وعلى تماسك العمل ككل، فيتحول إلى مجرد لوحات متفرقة تفتقد للترابط والصدقية.
وتابع، أن هذا النوع من الإنتاجات يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى صرف الوقت والميزانيات على أعمال لا تترك أثرا فنيا يذكر، مؤكدا أن المشهد الكوميدي الحالي كشف، في حالات متعددة، عن ضعف في الرؤية وافتقار إلى الحد الأدنى من الشروط الفنية.
واستحضر سيجلماسي، في هذا السياق تجارب سابقة طبعت الذاكرة الجماعية، ووقفت وراءها أسماء وازنة في الكوميديا المغربية، من قبيل الراحلين سعد الله عزيز وخديجة أسد، حيث كان الاشتغال يقوم على نص متين وأداء محسوب يجمع بين الإضحاك والاحترام.
وشدد سيجلماسي، على أن تجاوز ما وصفه بحالة “الركود” يتطلب إرادة فعلية لإعادة الاعتبار للكتابة أولا، ووضع معايير واضحة لاختيار المشاريع الفنية، مع إغلاق الباب أمام من يفتقرون إلى التكوين والموهبة. فالفن، بحسب وصفه، مجال تحكمه قواعد دقيقة ويحتاج إلى كفاءات حقيقية، لا إلى تجارب مرتجلة.