
هسبريس – وائل بورشاشن
في آخر حلقات الحوار مع عضو “هيئة الإنصاف والمصالحة” صلاح الوديع، حيث يكشف تفاصيل سيرته الذاتية الجديدة: “ميموزا: مذكرات ناج من القرن العشرين”، روى لهسبريس تفاصيل مصادفات في الحياة قادته إلى تدريس ابن الجلّاد الذي أشرف على تعذيبه قبل عقود، واللقاء بالقاضي الذي أدانه بعشرين سنة نافذة وهو بعد طالب في بداية التحصيل الجامعي.
وخلال مشاركة الوديع في برنامج “أول الفهم” قال لجريدة هسبريس: “من بين المهن التي امتهنتها بعد مرحلة السجن أستاذ في مؤسسة جامعية حرة. وفي لحظة ما كان الدرس حول الميكانيزمات الأممية للحماية من التعذيب، وكان السياق تقديم المغرب أول تقرير حول جهود وإجراءات الحد من التعذيب، وكان إدريس البصري مازال وزير الداخلية، فأرسل المغرب لجنة، وتفتقت العبقرية بإرسال كبير الجلادين ضمنها، وتسبب ذلك في أزمة دبلوماسية، واعتذار”.
وتابع المتحدث ذاته: “طلب أحد الطلاب اسم الجلاد، وأمام إلحاح الطلبة، وحضور الاسم في الصحافة الدولية والنقاشات، قلت لهم: إنه قدور اليوسفي. ولاحظت غمغمات وهمهمات في القسم، وبعد الحصة جاءني الطلبة وأخبروني بأن ابنه طالب معنا، وذهبت للإدارة وطلبت الملف الإداري للطالب، ووجدت أن الأمر حقيقي، وكانت المفاجأة قوية وجدانيا؛ فكل ذلك التاريخ الرديء يصعد للسطح”، وزاد: “ثم بعد مدة في نهاية السنة كان علي تقديم الامتحان، وفيه اختياران، ومررت بين الطلبة أسألهم إن كان أي طلب توضيح، وكان ابن قدور اليوسفي طالبا كسائر الطلبة، وسألني توضيحا، وتعمدت أن يظهر في سلوكي أن لا قيمة لأنه ابن فلان، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان مسؤول عما يقوم به. آنذاك شعرت بأن القسم كله يسلط الأنظار على ما يقع، وخيّل إلي كأنما القاعة تنفست الصعداء”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وذكر هنا عضو “هيئة الإنصاف والمصالحة” أن هذا مثال لـ”كيف يقضي التسامح على توتر وجداني كبير”، مردفا: “أقول في الكتاب إنه ربما كان هذا شعور المغاربة مع هيئة الإنصاف والمصالحة، في خوضها في مظالم وعنف الماضي، وفتح أفق جديد للبلاد ككل”.
وحول إرهاصات هيئة الإنصاف والمصالحة تحدث صلاح الوديع عن خطاب الملك الحسن الثاني الذي قال بوجوب طي الصفحة، مستحضرا مقاله الذي قال فيه آنذاك إنه “نعم لطي الصفحة، لكن بعد قراءتها”؛ “ولم يكن مشروع العدالة الانتقالية قد بدأ بعد، ولا حتى تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف الذي أسس بعد شهور من وفاة الملك الحسن الثاني”.
وتابع الوديع معددا الظروف التي سمحت ببزوغ مشروع العدالة الانتقالية: “المرور من عهد ملكي إلى عهد ملكي جديد مسألة معنوية كبيرة، أي وصول ملك ليست له مسؤولية في ما وقع. وتجسّد هذا مع الخطاب الملكي في غشت 1999، حين قال إن هناك قرار بأن يسار إلى معالجة ملف ضحايا الاعتقال التعسفي، بإضافته إلى اللجنة المكلفة بالتعويض عن الاختفاءات القسرية، المنبثقة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”.
وواصل المتحدث: “مبادرة الدولة هذه أحدثت حقيقة نقاشا في صفوف الضحايا السابقين للاعتقال التعسفي، ومن المساهمين فيه إدريس بنزكري بعد إجرائه دراسة معمقة في تجارب العدالة الانتقالية. ووضعنا لجنة للتفكير في هذه المواضيع، ونال اجتهاد إدريس بنزكري رضا الجميع، إذ كانت مقاربته مناسبة تماما للمرحلة، فبدأنا تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف، وكان عليه إقبال من مجموعات الضحايا، وانتخبنا الأجهزة، ومن جديد كانت مبادرة للدولة لفتح النقاش”.
وحول الجلسات التي أثرت فيه استحضر ضيف هسبريس جلسة مغلقة تحدث فيها الصحافي والسياسي السابق حميد برادة، وهو يحكي عن أبيه المناضل عبد القادر برادة، الذي “صُفّي في ظروف مؤلمة”، “إلى درجة أننا كنا نوقف جلسة الاستماع مرتين أو ثلاثا لنمسح دموعنا”، ثم علق: “من حق جيلنا والأجيال الحالية معرفة حقيقة ما وقع في تلك المرحلة، وهو شق العنف اللادولتي، أي عنف مجموعات كان لها نشاط خارج سيطرة الدولة، وذهب ضحيتها مقاومون كبار”، في السنوات الثلاث التالية للاستقلال.
ومن الشهادات المؤثرة تذكر الشاهد “لحظة تازمامارت؛ فقد كان مؤلما ما حكاه عبد الله أعكاو (…) إن المعاناة مرفوضة ومدانة، وينبغي أن تكون متجاوزة بشكل نهائي”.
لحظة مصطفى العمراني الذي كان معتقلا في دار بريشة أثرت كذلك في الوديع، خاصة أنها مرتبطة بالفترة “الصعبة جدا” بين 1956 و1959، و”كان وضعه الصحي صعبا، ومعه بنته تثبته، لكنه أصر على الإدلاء بشهادته أمام التاريخ”.
ويشدد المتحدث على أن مثل هذه الشهادات “كانت مؤلمة”، “خاصة وقد تعرفنا عليها بمناسبة العمل على كشف ضحايا الانتهاكات الجسيمة للدولة المغربية، لنكتشف أيضا عنفا مورس من خارج الدولة… وعلينا الاطلاع عليه لنقرأ صفحة الماضي قبل أن نطويها”، ثم تابع: “هذه المرحلة تسائلنا حتى الساعة حول ما حدث، ويوجد واجب أخلاقي وتاريخي على المؤرخين للاهتمام بها وكشف حقيقتها”.
وحول توصيات الإنصاف والمصالحة ذكر صلاح الوديع أن الجهة التي تتابع تنزيلها هي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مضيفا: “الهيئة لم تكن هيئة قضائية، بل تصالحية، ولم تصدر عفوا، ولم توص بعفو، ولم تمنع متضررا من اللجوء إلى القضاء”، واستشهد بما نصت عليه حول كون الإفلات من العقاب موضوعا راهنا لمجتمعنا وكل المجتمعات، وأن كل متصرف بمسؤوليات في السلطة قد يكون معرضا لهذه الممارسة أو تلك المعارضة للقانون؛ “ما يتطلب يقظة المجتمع المدني بشكل موضوعي، وتعريف الأجيال بما حدث عبر مراكز الذاكرة حتى يستمر الحضور المعنوي”، علما أن “تحقيق التقدم الملموس في جميع الملفات، بما فيها ملف حقوق الإنسان، رهين دائما بالتعبئة، واستمرار التفاعل بين المجتمع والدولة”.