هسبريس – محمد حميدي
تحل الذكرى العاشرة لتوقيع معاهدة الشراكة الإستراتيجية المغربية الروسية، التي أطلقت في مارس 2016، خلال زيارة الملك محمد السادس إلى روسيا الاتحادية، في وقت تشهد العلاقات بين الأخيرة والمغرب “تطورات إيجابية على جميع الأصعدة”، رغم “التحديات العالمية”، مثل الحرب في أوكرانيا، وعقوبات الغرب على الاتحاد الروسي، بحسب خبراء مغاربة.
ويقول الخبراء أنفسهم إن ما وصلت إليه هذه العلاقات يأتي كنتيجة لسياسة المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، الرامية إلى تنويع الشركاء، ما أثمر مكاسب سياسية ودبلوماسية واقتصادية عديدة، أهمها الإبقاء على الموقف الحيادي لموسكو، العضو الدائم في مجلس الأمن، إزاء نزاع الصحراء المغربية.
تطور “يُقاوم”
محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، قال إن “هذه الشراكة، التي شكلت نقلة نوعية في العلاقات الثنائية، تركز على تعزيز التعاون في مجالات متعددة، مثل الاقتصاد، الطاقة، الزراعة، الصيد البحري، والأمن”، مبرزا أن الاتصال الهاتفي الأخير بين بوريطة ولافروف “يأتي في هذا السياق، لتأكيد قوة هذه العلاقات والاستعداد لتعمقيها”.
وأضاف بوبوش، في تصريح لهسبريس، أن “العلاقات بين المغرب وروسيا تشهد في 2026 تطوراً إيجابياً رغم التحديات الجيوسياسية العالمية، مثل الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ 4 سنوات، والعقوبات الغربية على موسكو”.
وأردف المتحدث ذاته بأن حجم التبادل التجاري بلغ “أكثر من 2 مليار دولار في 2025، مع نمو بنسبة 30% في النصف الأول من ذلك العام مقارنة بـ2024″، وزاد: “يعتمد المغرب على الواردات الروسية الرئيسية مثل الأسمدة، الفحم، البترول، والمنتجات الزراعية، بينما تصدر روسيا إلى المغرب معدات صناعية ومنتجات طاقوية”؛ كما استحضر تجديد البلدين اتفاقية الصيد البحري لأربع سنوات إضافية في أكتوبر الماضي.
وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي لفت أستاذ العلاقات الدولية إلى “بروز التعاون في قضايا إقليمية، مثل النزاع في الصحراء المغربية، إذ أعادت روسيا التأكيد على دعمها حلا سياسيا تحت إشراف الأمم المتحدة، مع إشارات إلى تحول محتمل نحو دعم خطة الحكم الذاتي المغربية إذا تم الاتفاق عليها من جميع الأطراف”.
وقرأ بوبوش أن “هذا التحول يعكس رغبة موسكو في تعزيز نفوذها في إفريقيا من خلال شراكة أقوى مع المغرب، الذي يُعتبر أحد أهم الشركاء الإفريقيين لروسيا”.
ويرى المصرح لهسبريس أن “المغرب يظل حذراً في موقفه من الحرب في أوكرانيا؛ إذ امتنع عن التصويت ضد روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة في بعض المناسبات، لكنه قدّم دعماً عسكرياً محدوداً لكييف؛ ما يعكس سياسة التوازن بين الشركاء الغربيين والشرقيين”.
هذا التوازن يتصل بتنويع الشراكات الدولية، إذ “سعى المغرب منذ تولي الملك محمد السادس إلى توسيع دائرة علاقاته خارج الشركاء التقليديين، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، نحو روسيا والصين والهند والبرازيل ودول إفريقية كثيرة”.
وقال المتحدث ذاته: “يساهم هذا التنويع في التخفيف من المخاطر الجيوسياسية، كما يتجلى في الاعتماد على روسيا كمورد رئيسي للأسمدة التي تدعم نحو 45% من الوظائف الزراعية في المغرب؛ كما أنه يمنح البلاد نفوذًا إضافيًا في قضايا مثل نزاع الصحراء الغربية، إذ يمكن لروسيا – بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي – أن تتبنى موقفًا محايدًا أو داعمًا”.
آفاق “واسعة”
محمد نشطاوي، الخبير في العلاقات الدولية، أكدّ أن الاتصال الهاتفي الذي جمع وزير الخارجية المغربي بنظيره الروسي، في الذكرى العاشرة لمعاهدة الشراكة الإستراتيجية بين المغرب وروسيا، “كان مناسبة للإشادة بمستوى العلاقات بين البلدين، وكذلك إبداء الارتياح للتطور الذي تشهده هذه العلاقات رغم الصعوبات التي تعترضها في عدة مجالات، مؤكدين على الدفع بالشراكة بين البلدين من أجل آفاق أوسع وأرحب خلال الفترة المقبلة”.
وأضاف رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات أن “هذه الذكرى تحل بعد التوقيع على الاتفاقية خلال الزيارة التي قام بها صاحب الجلالة إلى موسكو في مارس 2016، بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”، مفيداً بأن “الاحتفال اليوم فرصة لتبادل وجهات النظر والعمل على تأكيد ضرورة التشاور والتنسيق بين البلدين بشكل يدعم جهود الأمن والاستقرار على المستوى الدولي”.
وأكيد أن الطرفين، وفق نشطاوي، “أبديا حرصهما على تمتين العلاقات والرقي بها إلى مستوى شراكة إستراتيجية، من خلال التأكيد على أهمية التعاون في كل المجالات”.
ولم ينف الخبير نفسه أن “السياق الدولي مضطرب: الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والتطورات في الشرق الأوسط”، لكن ذلك “لم يمنع البلدين من تأكيد ضرورة الشراكة”.
وأضاف المصرح عينه أن “هذا ساهم في ارتفاع المبادلات التجارية بين البلدين في مجالات مهمة، ولا سيما الصيد البحري وكذلك استيراد المغرب النفط الروسي”، خالصاً إلى أن “المرحلة المقبلة ستشمل توسيع آفاق التعاون والرقي بها، مع مزيد من الانفتاح على قطاعات أخرى”.