المشهد الأول:
وأنا أسير صباحا، في يوم من أيام الله الشتوية الباردة، في شوارع طنجة “العالية”، أرى ـ كما في كل مرة ـ شخصًا ينبش في صندوق القمامة، علَّه يعثر على ما يسدُّ به حاجته من البروتينات التي يتفنن “أولاد الفشوش” في استهلاكها على موائدهم العامرة.
قد يعثر المسكين على بعض بقايا الطعام، وقد يكتفي فقط بشمّ رائحتها، ثم يطلق العنان لمخياله الصغير، فيسبح به في أحلام يرى فيها نفسه مستمتعا بأكل “الكروفيت” و“السلمون” و“المشاوي” بمختلف أنواعها، قبل أن يرتشف كؤوسا من العصائر ويتلذذ بأطيب الفواكه.
المشهد الثاني:
هذه الصورة التي أصبحت، للأسف، مألوفة في بلادنا، التي تتباهى بعض نخبها، ويهلّل لها حملة الطبول والمزامير، بكون أرضية ملاعبها قادرة على استيعاب أمتار من مياه الأمطار الغزيرة دون الحاجة إلى “الكراطة”، وكأن ذلك إنجاز أسطوري، صُرفت عليه الملايين من جيوب المغاربة، بينما يُترك المواطن البسيط يغرق في فقره وبؤسه.
وفي هذه الأثناء، يفاجئنا صراخ أحد المارة، بلباس أكثر رثاثة من الباحث عن “اللقمة”، يحمل على ظهره حقيبة يبدو أن من بين أغراضها مذياعًا أو مكبّر صوت يُحدث ضجيجًا يُسمع من بعيد.
لكن المثير في هذا المشهد، هو صياحه في وجه “زميله”: “إيه،، إيه،، إيّاك ياصاحبي! انتبه، لا تأكل من هذه الأطعمة المسمومة، قد تموت أو تُصاب بمرض خطير. خمسة دراهم بصّارة تكفيك لسدّ جوعك. إيّاك أن تأكل من هذه الزبالة، هذه مخلفات البيوت!” ثم مضى في طريقه.
قلت محدّثًا نفسي: في زمن أخنوش، لم يعد لهذا المواطن الضعيف من ناصحٍ أمين إلا أخوه الضعيف، يحذّره ويحنو عليه.
تعليقي وأنا أمشي راجلاً في هذه الصبحية: أتحسّر لما آلت إليه الأوضاع التي وصلت إليها “البلاد، آسي أخنوش”. سامحني إن كنت قاسيا، أموالك الطائلة، وشركاتك الكثيرة، وحكومتك المترفة، لم تنجح في إنقاذ هذا الرجل المسكين، الذي يبحث في صناديق القمامة عن بقايا موائد مترفيك ليسدّ بها رمق جوعه.
حتى “جود” التي طالما تغنيت ومريدوك بكونها فقط جمعية تُعنى بتقديم يد العون للمساكين والمشردين، شردت عن الهدف وغابت عن الساحة، ربما يكون نشاطها بعيدا عن القمامات ومطارح الأزبال.
وما يهوّن علينا في هذه البلاد ذات التناقضات الغريبة، أن الدنيا فانية، وأن رئاستك ـ أيا كانت ـ إلى زوال، وأننا جميعًا سنجتمع في صعيد واحد، لا فرق فيه بين غني وفقير، ولا بين حاكم ومحكوم. هناك، عند الله، تلتقي الخصوم، ولن تنفعك مكاتبك المنيعة، ولا حراساتك، ولا طوابير المطبّلين، ولا الملايين التي تُنثر لمن يحسن التزلف.