نفحة من مذكرات

Écrit par

dans


محمد عياط

اشتغلت خلال حوالي خمسة عشرة سنة بالمحكمة الجنائية الدولية لرواندا. المحكمة أُنشئت من طرف مجلس الأمن لتحاكم المسؤولين عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتُكبت في رواندا سنة 1994. وكنت قيدوم المستشارين القانونيين بها، وأحد نواب المدعي العام وممثله الخاص لدى الحكومة الرواندية والسلك الدبلوماسي المعتمد برواندا. ثم أصبحت مستشارًا خاصًا للمدعية العامة بالمحكمة الجنائية الدولية طيلة ولايتها، وهي تسع سنوات. وطالما فكّرت في تدوين شذرات من تجربتي وما رافقها من معاناة ونماء. وكُلُّ من عرف مسيرتي المهنية وقَدَّر جسامة المهمة التي كانت موكولة للمحكمة الأممية برواندا، أهَّاب بي بأن أكتب مذكرات حول تلك التجربة. وهو مشروع أحاول التفرغ له بعض الوقت لكي أُحققه قبل أن تنطمس من الذاكرة أهم الأحداث التي تستحق أن تُحكى وتُدوَّن. وأنا سعيد بأن أضع بين يدي القارئ عينة صغيرة مما بدأتُ أخطه على الورق. وقد وددتُ لها أن تحكي عن جانب مُشرق.

هبة من هبات العمر

أقبل السائق إلى الفندق صبيحة الإثنين في الوقت المضبوط لقدومه سلفًا بعد وجبة الإفطار. انطلق بي صوب المحكمة وأخبرني بأنه سيكون مرافقي الخاص خلال تواجدي بأروشا، أطلب عونه للتنقل وغيره متى أردت. وأخبرني أن بإمكاني أيضًا، متى عَنَّ لي، أن أحتفظ بالسيارة لأتنقل بها حيث أرغب.

المحكمة هي الجزء الأوفى من بناية مهيبة مكوَّنة من ست طبقات، صُمِّمت لتكون قصر مؤتمرات. مدخلها، كما هي العادة في كل البنايات التي تحتضن مؤسسة أممية، مخصص للحفاظ على سلامة المكان وآهليه. وبعد أن خضعت السيارة ومُستقِلُّها لمراقبة الشرطة الروتينية، توجهتُ إلى المدخل الداخلي للمحكمة. فإذا بي أُفاجأ، انطلاقًا من بابه، بوجود صفين متقابلين من البشر، تاركين وسطهم سبيلًا مُهيَّأً للعبور يمنع رجال الأمن سلوكه. كان على كل داخل جديد أن يشق طريقه من وراء أحد الصفين ليستأنف سيره نحو بقية مرافق المحكمة. سألت أحد الواقفين في الصف الذي مررتُ بجواره: ما الداعي إلى هذا التجمهر؟ فأخبرني بأن نيلسون مانديلا وافد على المحكمة بعد دقائق معدودات، وأن الجميع يريد أن يستقبله ويتمتع برؤيته. كان مانديلا، بعد أن انتهت ولايته الرئاسية بيونيو 1999، قد قَبِل أن يكون وسيطًا مُسهِّلاً للمفاوضات في النزاع الحاصل بين الهوتو والتوتسي في البوروندي، وهو ما من شأنه أن يُجنِّب القارة السمراء ومعها العالم كلّه فجيعة مماثلة لمجازر رواندا.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

أثار انتباهي ما أُخبِرتُ به، وسألت عن موعد وصول الزعيم الإفريقي المعروف، فقيل لي: بعد بضع دقائق. فقررت ألا أُبارح المكان حتى أشهد وصول الرجل. فليست رؤية من غيَّر مجرى تاريخ بلد كان غارقًا في حمأة التمييز العنصري كمجرد السماع عنه. أوسع لي بعض من عرفني مكانًا أشرف فيه دون عناء على الممر. لكنني أدركت سريعًا بأن منسوب “البضع دقائق” الموعودة قد تمدد وطال بشكل لا يحتمله برنامج العمل الذي قُدِّمْتُ من أجله إلى أروشا، فانصرفت.

وكان على رأس برنامجي الحصول على موافقة المحكمة على متابعة وزير في الحكومة الرواندية المسؤولة عن الإبادة الجماعية، وهو ما حصل دون عناء شديد. ثم أمضيت معظم بقية اليوم في جلسة مغلقة تُمَحَّص ملفًا يتعلق بجهة ومدينة بُوطاري. بُوطاري هي المدينة الثانية في رواندا بعد العاصمة كيغالي، وهي مدينة جامعية بالأساس. الملف ضُمِّنَت فيه متابعات خمسة متهمين: وزيرة الأسرة والتضامن في الحكومة الرواندية التي كانت وراء مجازر الإبادة الجماعية، بولين نيريهاماسوكو، وابنها أرسين نتاباهولي شالوم، متزعم لميليشيات الإنتراهاموي بالمنطقة، ومحافظ الإقليم، وعمدة المدينة، وعقيد بالجيش مرتبط بنفس الجهة.

وفي نهاية الظهيرة عرَّجْتُ على مكتبي لكي أراجع بعض النقط القانونية كي أتأكد من مدى وجاهة بعض الاعتراضات التي تقدَّم بها الدفاع على بعض الوثائق. شغلني ذلك بعض الوقت. فلما غادرت المكتب كانت الساعة حوالي السابعة مساءً. كانت ممرات المحكمة خالية من البشر، وأضواؤها ساطعة مُعلِنة بأن الظلام قد أسدل حُجُبَه الكثيفة على المدينة. عبرتُ منعرجاتها إلى أن اقتربت من الباب الخارجي للمحكمة، فإذا بي أُصادف أحد المحامين الذين كنت أعرفهم جيدًا، وهو موريطاني الجنسية. فرصة نادرة للحديث بلغتي الأم مع شخص يفهمها ويحاورني بلغته الأم فأعيها وأرتاح لها.

بادلته التحية، وشرعنا في السؤال عن الأحوال وعن تطورات بعض القضايا الرائجة. وكنت أُجيبه في حدود ما يسمح به واجب التحفظ المُلقى على عاتق الادعاء العام والقضاة. وفجأة تغيَّرت ملامح وجه زميلي وانفرجت أحداقه بشكل أثار انتباهي، كأنه يستغرب من حادث لم يكن يتوقعه. استدرتُ أستطلع الداعي إلى تبدُّل سَحنة المحامي، فإذا بي أُفاجأ بهبة من هبات العمر. كان أمامي بذاته وصفاته الزعيم نيلسون مانديلا. بقامته الممتدة، وشعره الأبيض الذي يتوِّج جبينه العريض، وعينيه النافذتين اللتين تنضحان بالطيوبة والتسامح. وكان مرتديًا قميصًا من الحرير زاهي الألوان، كأنه قطعة من جنة فيحاء. كانت له هيبة الأسد ورقة الوَرْقاء.

وكان له حضور يكاد يُقشعر له البدن، ولكنه حضور يُدني ولا يُقصي. حضور يملأ المكان كلّه ولا ينقص شبرًا من رحابته لمن يُقابله. حضور يَضُمُّك برفق في دفئه وحنوه. ولم أَصُحْ بعدُ من وقع المفاجأة، وقد مدَّ لي يده ليُصافحني بيد عريضة وقوية، قائلًا بصوته المبحوح على شاكلة لويس آمسترونغ: “How are you young man?”، “كيف حالك أيها الشاب؟”. ولا شك أني أجبتُ بأن حالي بخير، وهي العبارة الفارغة من المعنى التي كثيرًا ما نصرف بها فضول الغير الذي لا يهمه تفاصيل حالنا.

ولكنني كنت أمام هرم من أهرام الإنسانية، وقُدوة من قُدوات الصمود في وجه الغطرسة، وبحر زاخر من المحبة والجمال والجلال والخير. فلست أدري في الواقع ماذا قلتُه، ولعل كياني كلّه أومأ إليه بما يعتمل به صدري من مشاعر التقدير والحب والتماهي. لم يزد خطاب مانديلا على ما ذكرت، وبقي راسخًا في ذهني بحروفه وكلماته ونبرته وبُحَّته وصَداه العميق. ويتهيأ لي لو أنه كان قد وجَّه لي خطابًا بالغ الطول لكنتُ قد حفظته للتو عن ظهر قلب. وبنفس السرعة التي تجلَّى بها، انصرف مانديلا إلى حال سبيله. فتبيَّنتُ آنذاك بأن بجانبه مُرافِقًا لم أنتبه لوجوده.

كان الزعيم قد أولانا ظهره، وهبط سلمًا قصيرًا ليس به سوى بضع درجات. كان متجهًا بخطى وئيدة تُشي بتقدُّم سنِّه نحو مخرج البناية. فهمتُ طبعًا بأن طارئًا أخرَّ خروج الزعيم بعد أن قضى سَحابة يومه في تسهيل مفاوضات الفصائل البوروندية المتناحرة. وفكَّرتُ أيضًا بأن يدًا خفية حقَّقت لي رغبة اللقاء به، تلك الرغبة التي ألجمتُ جِماحها صبيحة نفس اليوم لأُلبي صوت الواجب المُلقى على عاتقي إزاء ضحايا الإبادة الجماعية برواندا. بل إنها حقَّقت لي رجائي في صورة متفردة تكاد تكون حميمية. لم أكف عن التفكير مدة طويلة في الحظوة التي فُزتُ بها وأنا ألتقي وجهًا لوجه برمز بارز من رموز النضال من أجل الحق والعدالة، وأُصافحه بمبادرة منه. وسأظل طيلة حياتي ممتنًّا لذلك.

وأذكر أنني ذلك المساء وجدتُ حرجًا كبيرًا في أن أغسل يدًا صافحت يد مانديلا. ثم شعرتُ بأن ذكرى ذلك اللقاء سوف تحثني دائمًا على أن أتفانى في تطهير نفسي وكل كياني، وليس يدي فقط. وأسأل الله أن يكون عوني على ذلك.

-مستشار سابق بالمحاكم الجنائية الدولية
أستاذ التعليم العالي ومحام بهيئة الرباط

إقرأ الخبر من مصدره