دراما رمضان .. هل تكسر الشخصيات النسائية المغربية الصمت الاجتماعي؟


عبدالله الساورة

في قلب الصناعة الدرامية المغربية، ظل حضور المرأة في الحكاية التلفزيونية والسينمائية مرآة دقيقة لتحولات المجتمع والثقافة والوعي. فالدراما النسائية المغربية لم تكن مجرد فضاء سردي تُروى فيه قصص النساء، بقدر ما أصبحت مع مرور الزمن مختبرًا فكريًا وجماليًا تُختبر فيه الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والسلطة والجسد والحرية. ومن هنا، لم يعد حضور المرأة في الدراما المغربية مجرد حضور تمثيلي، فقد تحولت إلى خطاب فني وثقافي يعبّر عن تحولات عميقة في نظرة المجتمع إلى المرأة وإلى موقعها في العالم. والسؤال: كيف هو حضور الشخصيات النسائية في الدراما المغربية لموسم رمضان 2026؟

حقل للصراع الرمزي

يمكن القول، بداية، إن التمثيل الدرامي للنساء في الثقافة الشعبية ليس بريئًا، فهو جزء من منظومة رمزية تحدد كيف يرى المجتمع المغربي المرأة وكيف ترى المرأة نفسها. ولذلك، فإن الدراما النسائية لا تُعتبر مجرد نوع فني، فهي حقل للصراع الرمزي حول المعنى والسلطة والتمثلات الاجتماعية والسياسية.

وفي بدايات الدراما المغربية، كانت الشخصيات النسائية غالبًا ما تُحاصر داخل أدوار تقليدية: الزوجة الصبورة، الأم المضحية، العاشقة الضحية، أو المرأة العاطفية التي تدور حياتها حول الرجل، والقروية التي لا تملك حيلة، والأم التي تكرس حياتها لأطفالها. لكن مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المغرب، والتي مست بنية الأسرة المغربية منذ سنوات التسعينيات من القرن العشرين، خاصة مع صعود الحركات النسوية، بدأت الدراما المغربية تعيد التفكير في صورة المرأة. فظهرت شخصيات أكثر تعقيدًا واستقلالًا، شخصيات تبحث عن ذاتها وتواجه المجتمع وتعيد تعريف علاقتها بالسلطة والعمل والحب. وفي هذا الإطار، تأتي الشخصيات النسوية الحاضرة بقوة في مسلسل “عش الطمع”، ومسلسل “شكون كان يقول”، و”ليلي طويل”، و”شامة”…

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ولم يعد حضور المرأة في الدراما المغربية مجرد حضور تمثيلي عابر داخل الحكاية التلفزيونية، فقد أصبح في السنوات الأخيرة مركزًا للسرد ومجالًا لإعادة التفكير في المجتمع نفسه. فحين تتقدم الشخصيات النسائية إلى واجهة الحكاية، لا يتغير فقط موقع البطلة داخل العمل، وإنما يتغير أيضًا شكل الأسئلة التي تطرحها الدراما على المشاهد. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة عدد من التجارب الدرامية المغربية التي جعلت من التجربة النسائية محورًا للحكاية، حيث تتحول المرأة إلى مرآة تعكس توترات المجتمع وأحلامه وخيباته.

هواجس الخوف ودوائر السقوط الاجتماعي

تبدو الحكاية في مسلسل “عش الطمع” (20 حلقة / رمضان 2026)، للمخرج أيوب الهنود، وكأنها دراسة درامية لسلطة الطمع داخل العلاقات الإنسانية. لكن اللافت أن هذه السلطة تمر عبر شخصيات نسائية معقدة تتقاطع فيها الرغبة في الحياة مع هواجس الخوف ودوائر السقوط الاجتماعي. وهنا، لا تظهر المرأة كضحية خالصة، فهي شخصية تتحرك داخل شبكة من المصالح والتوترات، وهو ما يمنح العمل بعدًا نفسيًا واضحًا. ولا تكتفي الدراما في هذا المسلسل بتتبع الأحداث، فهي تحاول أن تفكك البنية الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الرغبة في الارتقاء الاجتماعي محركًا دراميًا يولد الصراع ويغذي التوتر داخل الحكاية.

وتأخذ شخصية مريم/حنان (سناء الزعيمي)، الممرضة التي تبحث عن طفلها الضائع، تجربة نسائية تأخذ بعدًا أكثر حميمية وتعقيدًا وتضحية. وهذه الشخصية المركزية هنا لا تخوض صراعًا مع المجتمع فقط، وإنما تخوض أيضًا صراعًا مع ذاكرتها ومع جراحاتها الشخصية. وتميل الدراما في هذا العمل إلى بناء عالم نفسي حساس، حيث تتحول التفاصيل اليومية الصغيرة إلى إشارات عميقة عن هشاشة الإنسان أمام القدر. وحضور المرأة في هذا المسلسل لا يقوم على البطولة التقليدية، وإنما على قدرة الشخصية على مقاومة الانكسار الداخلي والاستمرار في البحث عن معنى للحياة داخل تعقيدات اليومي وتحولات المجتمع المغربي العميقة.

وبالمقابل، وفي تجربة شخصية شامة (السعدية لاديب) في مسلسل “عش الطمع”، رئيسة العصابة بماض سحيق ومجهول، وبكاريزما وقسوة بادية في تعاملاتها وتجردها من الخوف في تسيير شؤون العصابة، يتخذ هذا الحضور النسائي بعدًا مختلفًا. فاسمها نفسه يحمل دلالة رمزية قوية، لأن الوشم في الثقافة الشعبية المغربية يحيل إلى الذاكرة والأثر الذي يتركه الزمن على الجسد والروح. وتتحرك الشخصيات النسائية في هذا العمل داخل فضاء اجتماعي مليء بالقيود والمخاوف، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قوة داخلية تجعلها قادرة على مواجهة المصير. ولا تعتمد هنا فقط على الصراع الخارجي، وإنما على التوتر الداخلي الذي تعيشه البطلة (حنان/شامة) وهي تحاول التوفيق بين ما يفرضه المجتمع وما تمليه عليها رغبتها في حضور اعتباري داخل المجتمع.

ولم تعد المرأة في الدراما المغربية شخصية ثانوية في قصة جلباب الرجل، فقد أصبحت مركز الحكاية نفسها. ولم تعد الدراما تهتم فقط بظهور النساء على الشاشة، وإنما بالظهور بعمق وتعقيد وواقعية لكشف تعقيدات المجتمع. وما يجعل من هذه التجربة النسائية أكثر تميزًا هو أن محور السرد إنساني معقد، يدور حول المرأة، ويتناول مفهوم الطموح وتحسين الوضع الاجتماعي والهوية العاطفية والصراع مع السلطة الذكورية.

دراما نسائية بأسئلة مغربية

تكمن قوة الدراما النسائية المغربية في قدرتها على تحويل التجارب الشخصية للنساء إلى أسئلة مغربية. فحين تروي الدراما قصة امرأة تبحث عن ذاتها أو تحارب التمييز أو تواجه هشاشتها الداخلية، فإنها في الحقيقة تروي قصة الإنسان في صراعه أولًا مع الذات، ثم مع العالم. وهذا ما تطرحه بطلة “شكون كان يقول”، مروة (ابتسام العروسي)، من لاجئة يتيمة في إحدى الخيريات إلى سيدة أعمال ومديرة شركة، أكثر من سؤال: عن سؤال التحول؟ وكلفة هذا التحول؟ وعن الكلفة الباهظة للأمنيات؟

وهذا العمل، “شكون كان يقول” (20 حلقة / رمضان 2026) للمخرجة صفاء بركة، لا يكتفي بتقديم حكاية امرأة مضطهدة داخل نظام يتسم بالتمايز والطبقية، وإنما يحول الجسد الأنثوي نفسه إلى ساحة صراع اجتماعي وأخلاقي وقيمي، لأنه يطرح سؤال الحرية من داخل التجربة النسائية ذاتها.

وما يميز هذه التجربة هو أنها تعيد الاعتبار للصوت النسائي داخل الحكاية الدرامية. فالمرأة مروة (ابتسام العروسي) هنا ليست مجرد موضوع للحكي، فهي أيضًا من يصوغ الحكاية ويمنحها إيقاعها العاطفي. وهذا الحضور يخلق نوعًا من القرب الإنساني بين الشاشة والمشاهد، لأن التجارب المعروضة تمس تفاصيل الحياة اليومية لها، انطلاقًا من كونها عاشت في الملاجئ ودوائر الفقر واليتم، وتفتح الباب أمام أبواب التعاطف والتفكير من قبل شريحة عريضة من المجتمع تعيش ذات الفقر.

واللافت في هذه التجارب كلها أن الدراما النسائية، من خلال هذه التجارب الدرامية في المغرب، بدأت تتحرر تدريجيًا من تلك الصورة النمطية التي ظلت تلاحقها لسنوات. فبدل المرأة الضعيفة أو الضحية المطلقة، أصبحنا أمام شخصيات أكثر تعقيدًا وواقعية، بشخصيات تخطئ وتصيب، تحلم وتنهار، لكنها في النهاية تحاول أن تجد طريقها وسط عالم مليء بالتناقضات.

ويعكس هذا التحول أيضًا تغيرًا أعمق في نظرة المجتمع إلى المرأة. فحين تصبح الحكاية النسائية محور الدراما بحضور ملفت، فإن ذلك يعني أن التجربة النسائية لم تعد هامشًا داخل السرد الاجتماعي، بقدر ما أصبحت جزءًا أساسيًا من فهم المجتمع نفسه. ولا تروي الدراما هنا فقط قصص نساء، وإنما تروي قصة مجتمع يعيش لحظة تحول بين الماضي والحاضر.

وهكذا، يبدو حضور المرأة في هذه الأعمال وكأنه محاولة لكتابة تاريخ يومي غير مرئي. وهو تاريخ تصنعه التفاصيل الصغيرة للحياة، والقرارات الصعبة التي تواجهها الشخصيات في لحظات الضعف والقوة. ومن خلال هذا التاريخ الصغير، تتكشف صورة أوسع عن المجتمع المغربي، بكل تناقضاته وأسئلته المفتوحة.

ولا تكتفي هذه الدراما النسائية بإعادة كتابة الأدوار، وإنما تسعى إلى إعادة كتابة اللغة البصرية نفسها. فالكاميرا في هذه الأعمال لم تعد تنظر إلى المرأة كموضوع للفرجة، وإنما كشخصية تمتلك نظرتها الخاصة إلى العالم. وهذا التحول في زاوية الرؤية هو ما يمنح هذه الدراما النسائية طاقتها النقدية والجمالية وحجم المتابعات الجماهيرية والنقدية.

المرأة المغربية في قلب الحكاية

مع كل موسم درامي جديد، تبدو الدراما المغربية وكأنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة مختلفة: كيف تُكتب المرأة داخل الحكاية التلفزيونية؟ وهل تظل مجرد ظل للشخصيات الأخرى أم تصبح مركز العالم الدرامي نفسه؟ وهذا السؤال يطل بقوة في عدد من الأعمال التي تقدمها دراما رمضان، حيث تكشف مسلسلات “عش الطمع” و”شكون كان يقول” و”ليلي طويل” و”شامة”… عن تحول واضح في كتابة الشخصية النسائية داخل الدراما المغربية. ولم تعد المرأة مجرد عنصر مكمل للحكاية أو حضورًا عاطفيًا يمر في الهامش، وإنما أصبحت نقطة الانطلاق التي يتشكل منها العالم الدرامي كله، وكأن الحكاية تبدأ من صوتها ومن تجربتها ومن قدرتها على مواجهة الواقع.

ولا يتعلق هذا التحول فقط بتغيير موقع المرأة داخل البناء السردي، بقدر ما يكشف أيضًا عن رغبة في مساءلة المجتمع المغربي نفسه. فالشخصيات النسائية التي تقود هذه الأعمال تحمل داخلها أسئلة عميقة حول السلطة داخل العائلة، وفهم الآخر، والهشاشة الاقتصادية التي تعيشها فئات واسعة من المجتمع، والصراع الدائم بين القيم التقليدية والتحولات الاجتماعية الحديثة، ورؤيتها للتاريخ المغربي وللحكاية نفسها. ومن خلال هذه الشخصيات، تتقاطع مسارات متعددة، حيث يتحول التاريخ الشخصي للمرأة إلى مرآة تعكس تاريخ المجتمع نفسه، بكل ما فيه من توتر وتغير وتطلعات.

وفي هذا السياق، يظهر مسلسل “ليلي طويل” (15 حلقة / 2026) من إخراج علاء أكعبون، بوصفه تجربة مختلفة داخل الدراما المغربية. ويغوص هذا العمل في كواليس عالم الإعلام والمؤثرين، وهو عالم يبدو في ظاهره مشرقًا ومليئًا بالأضواء، لكنه في العمق يخفي الكثير من التناقضات الإنسانية. تدور القصة حول شابة متدربة تُكلف بمهمة غير اعتيادية، وهي مهمة تقودها تدريجيًا إلى اكتشاف الوجه الآخر لعالم الشهرة الرقمية. وهنا، لا يكتفي المسلسل بسرد حكاية مهنية، وإنما يفتح الباب أمام تأمل أوسع في معنى الحضور الإعلامي، وفي الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الصورة إلى سلطة جديدة داخل المجتمع.

واللافت في مسلسل “ليلي طويل” أن الدراما لا تُبنى فقط على الحدث، وإنما على التجربة الإنسانية التي تعيشها الشخصيات. فالمسلسل يشتغل على منطقة تقع بين الدراما والواقع، حيث تبدو الحكايات المعروضة أقرب إلى شهادات عن مصائر الناس. ومن خلال هذا الاختيار الجمالي والسردي، تتحول كل حلقة إلى مساحة للتأمل في العلاقات الإنسانية وفي الأسئلة التي تطرحها الحياة اليومية.

وداخل هذا البناء الدرامي، يبرز حضور البطلة سلمى صلاح الدين بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم روح العمل. فالشخصية التي تقدمها لا تقوم فقط على نقل القصص أو متابعتها، بل على بناء علاقة وجدانية مع الشخصيات ومع الجمهور في آن واحد. إنها شخصية تتحرك بين الاستماع والبحث، بين التعاطف والاكتشاف، وكأنها تمثل عين المشاهد التي تحاول فهم العالم من حولها.

أما المسلسل الدرامي “حكايات شامة” (30 حلقة / 2026)، للمخرج إبراهيم الشكيري، فيذهب في اتجاه مختلف، لكنه يظل وفيًا للفكرة نفسها: جعل المرأة محور الحكاية. ويتناول المسلسل مسار شابة موهوبة في فن الحكي اسمها شامة، تؤدي دورها بثينة اليعقوبي، وهي شخصية تواجه تحديات مهنية وإنسانية داخل عالم مليء بالمنافسة والصراعات. وتكمن خصوصية هذا العمل في استلهامه لفضاءات من التاريخ المغربي، حيث تتحول الحكايات التي ترويها شامة إلى جسور تربط بين الماضي والحاضر.

وبهذا المعنى، لا يقدم المسلسل مجرد قصة نجاح فردية، وإنما يطرح سؤال الذاكرة الثقافية ودور الحكاية في حفظها. فشامة لا تحكي فقط لتسلية الجمهور، ولكنها تعيد إحياء قصص قديمة، لتذكر بأن المجتمع يعيش دائمًا بين زمنين وبسرعتين: زمن الذاكرة وزمن التحول.

وما تكشفه هذه الأعمال هو أن الدراما المغربية بدأت تعيد التفكير في صورة المرأة داخل التلفزة المغربية. فبدلاً من تقديمها ككائن هامشي، أصبحت حاملة للسرد ومولدة للمعنى. ومن خلال هذه الشخصيات النسائية، تتشكل عوالم درامية جديدة، عوالم تحاول أن تفهم المجتمع وهو يتغير، وأن تمنح المشاهد فرصة للتأمل في حياته الخاصة وفي الأسئلة التي تحيط به كل يوم. وفي هذا التحول، ربما تكمن إحدى أهم علامات نضج الدراما المغربية اليوم.

في محاولة لكسر الصمت الاجتماعي

تجمع هذه المسلسلات، “عش الطمع” و”شكون كان يقول” و”ليلي طويل” و”شامة”، بين الدراما النفسية والتحليل الاجتماعي بحضور شخصيات نسائية تعيش نوعًا من القلق الوجودي، مقدمة صورة مركبة عن حياة النساء داخل المجتمع المغربي، والذي يبدو من الخارج مثاليًا لكنه يخفي توترات عميقة، تتعلق بالعنف والسلطة والصمت الاجتماعي.

وتصبح هذه الدراما أكثر صدقًا عندما تعكس تعقيدات الحياة الاجتماعية. ولذلك، فإن صعود الدراما النسائية ليس مجرد موضة فنية مستوردة، وإنما ضرورة مجتمعية، فهي نتيجة طبيعية لتوسع أفق السرد التلفزي، والوعي بأهمية الدراما المغربية وأطيافها، وازدياد حساسيتها تجاه التجارب الإنسانية المختلفة.

ولكن، رغم هذا التقدم، يؤكد العديد من النقاد أن الطريق ما زال طويلًا، وأن هناك العديد من الفراغات والنقط الرمادية. والدراما النسائية المغربية لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالتمثيل المتوازن، خاصة عندما يتعلق الأمر بتجارب النساء من خلفيات وثقافات مختلفة. وفي هذا السياق، يجب الدفع نحو دراما مغربية أكثر تنوعًا، تعكس تعددية المجتمع وتركيبته الانقسامية في إطار الهوية المغربية.

وتكمن قوة الدراما النسائية في قدرتها على الاعتراف بالهشاشة الإنسانية. فالنساء في هذه الأعمال لسن بطلات مثاليات، فهن شخصيات مغربيات من قلب المجتمع المغربي، مليئات بالتناقضات والشكوك والرغبات والأحلام. وهذا ما يجعل هذه الدراما أكثر صدقًا وقربًا من التجربة الإنسانية الحقيقية.

وفي العمق، يكشف حضور هذه الشخصيات في الدراما النسائية المغربية عن تحول عميق في مفهوم البطولة نفسه. فالبطلة لم تعد تلك الشخصية التي تنتصر دائمًا للخير، بقدر ما أصبحت شخصية تعيش الصراع وتتعلم من الهزيمة وتعيد اكتشاف نفسها عبر التجربة. وهذه البطولة الهشة هي ما يمنح الدراما النسائية قوتها الشعرية والإنسانية.

وتسمح هذه الدراما للشخصيات بأن تكون حرة داخل السرد. وعندما تُمنح الشخصيات النسائية هذه الحرية، فإنها تكشف عن طبقات جديدة من التجربة الإنسانية لم تكن مرئية من قبل.

وهكذا، يمكن القول إن الدراما النسائية المغربية لم تعد مجرد نوع درامي موجه للنساء، بقدر ما أصبحت جزءًا من التحول الكبير الذي تشهده السرديات المغربية والعربية بفعل الاحتكاك والتلاقي وعمليات المثاقفة. إنها دراما تكتب التاريخ الشخصي للنساء، لكنها في الوقت نفسه تكتب تاريخ المجتمع المغربي نفسه، لأن كل قصة امرأة هي في النهاية قصة عن السلطة والحرية والهوية والمجتمع المغربي.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية، تبدو الدراما النسائية المغربية وكأنها مختبر حي لفهم تحولات المجتمع. فهي لا تقدم أجوبة جاهزة، وإنما تطرح أسئلة حارقة عن معنى أن تكون امرأة في عالم معقد، وعن معنى أن تكون إنسانًا يبحث عن صوته الخاص وسط ضجيج السلطة والصور النمطية.

ولهذا السبب، لم تعد هذه الدراما مجرد مادة للترفيه، وإنما أصبحت نصًا ثقافيًا يعكس توتر العصر وأسئلته. وفي كل شخصية نسائية، قوية أو هشة، متمردة أو مترددة، نجد صدى لتحول أعمق يحدث داخل المجتمع المغربي نفسه؛ تحول يجعل من الحكاية النسائية نافذة لفهم التحولات العميقة التي يمر منها المجتمع المغربي.

ختامًا

إن الدراما النسائية المغربية، في هذه التجارب، لا تقدم خطابًا مباشرًا عن المرأة، وإنما تقدم حكايات إنسانية عميقة عن حضور المرأة فيها كبوابة لفهم العالم. ولهذا، فإن قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في قصصها وحكاياتها، ولكن في قدرتها على تحويل التجربة النسائية إلى مادة درامية قادرة على إثارة التفكير وإعادة طرح الأسئلة حول الهوية المغربية والحرية والمصير الإنساني، وعن الإنسان المغربي في أكثر لحظاته صدقًا وضعفًا وشجاعة في مواجهة السلطة بمفهومها الواسع.

إقرأ الخبر من مصدره