مجد افتراضي وجوائز وهمية.. كيف يصنع البعض بطولات علمية لا وجود لها؟

في السنوات الأخيرة، لم تعد الجوائز والتكريمات حكرا على المؤسسات الأكاديمية أو الهيئات العلمية المعروفة، حيث ظهرت ظاهرة موازية في الفضاء الرقمي تقوم على صناعة “مجد افتراضي” قائم على جوائز وهمية وألقاب علمية لا أصل لها.

يكفي أن يتصفح المرء بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ليجد سيلا من المنشورات التي تتحدث عن تكريمات دولية، أو ألقاب أكاديمية رفيعة، أو جوائز من مؤسسات يقال إنها عالمية، بينما لا وجود حقيقيا لها خارج تلك المنشورات.

هذه الظاهرة تقوم في الغالب على آلية بسيطة: إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة تحمل اسما يوحي بالهيبة العلمية، مثل “المجلة الدولية للدراسات المتقدمة” أو “المركز العالمي للابتكار والبحث العلمي”، ثم نشر مقالات أو أخبار عن تكريم شخصيات معينة، غالبا ما تكون مرتبطة بصاحب الموقع نفسه أو بدائرة ضيقة من معارفه. وبعد ذلك تُستعمل هذه الأخبار كدليل على الاعتراف الدولي، ليبدأ الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن بين أكثر الأساليب انتشارا، ما يعرف بـ”الجوائز العلمية الرقمية”، حيث تعلن مواقع غير معروفة عن قوائم لأفضل الباحثين أو القادة أو المؤثرين في مجالات معينة، وتضع أسماء أشخاص في مراتب متقدمة.

المشكلة أن كثيرا من هذه المواقع يُقدم نفسه باعتباره “مجلة علمية مصنفة” أو “منصة بحثية دولية”، بينما لا يعرفها أحد في الوسط الأكاديمي، ولا توجد لها أي فهرسة في قواعد البيانات العلمية المعروفة، مثل قواعد المجلات المحكمة أو قواعد الاستشهادات الأكاديمية.

وفي بعض الحالات، يكون الموقع أو “المجلة العلمية” مجرد صفحة يديرها شخص واحد، لا هيئة تحرير لها، ولا لجنة علمية، ولا تاريخ نشر حقيقي، ومع ذلك تصدر تصنيفات سنوية وتمنح جوائز وشهادات تقدير توحي بوجود مؤسسة علمية كبيرة تقف خلفها.

هذه الجوائز، رغم طابعها الافتراضي، تتحول أحيانا إلى وسيلة لبناء صورة عامة مضللة، إذ يستخدمها البعض لإقناع المتابعين بامتلاكهم مكانة علمية أو مهنية مرموقة. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه “الإنجازات” على الصفحات الشخصية، فتظهر أمام الجمهور وكأنها مسار علمي حافل بالتكريمات الدولية.

لكن الخطر لا يقف عند حدود التضليل المعنوي، حيث يمتد أحيانا إلى عمليات نصب واحتيال، فبعض الأشخاص يوظفون هذه الألقاب والجوائز الوهمية لإقناع ضحاياهم بقدرتهم على توفير فرص عمل، أو إدماجهم في مشاريع إعلامية أو أكاديمية، مستندين إلى ما يزعمون أنه “اعتراف دولي” بمكانتهم.

ويحذر مختصون من أن انتشار هذه الظاهرة يضر بسمعة البحث العلمي ويفرغ الجوائز الأكاديمية من قيمتها الحقيقية، خاصة عندما توضع الإنجازات الوهمية في المستوى نفسه مع الجهود العلمية الحقيقية التي تتطلب سنوات من البحث والعمل والنشر في مجلات معترف بها.

كما يشير مراقبون إلى أن الفضاء الرقمي أصبح بيئة خصبة لمثل هذه الممارسات، حيث يسهل إنشاء مواقع ومنصات تبدو في ظاهرها احترافية، بينما تفتقر إلى أي مصداقية علمية.

وفي ظل غياب ثقافة التحقق لدى بعض المستخدمين، تتحول هذه الجوائز إلى “حقائق” متداولة، رغم أنها في الواقع مجرد صناعة رقمية.

في النهاية، تبقى القاعدة بسيطة: الجائزة العلمية الحقيقية معروفة بمؤسستها، وهيئاتها، وقواعد بياناتها، وتاريخها الأكاديمي.

أما الجوائز التي لا يعرفها إلا صاحبها أو دائرة محدودة من مروجيها، فهي في الغالب ليست أكثر من ألقاب من ورق، تُصنع لتزيين الصفحات الشخصية في عالم افتراضي يخلط أحيانا بين الحقيقة والوهم.

إقرأ الخبر من مصدره