هسبريس – وائل بورشاشن
“القانون الدولي شيء ممتاز بين الدول المحترمة، توجد قواعد للحرب، وأسلحة لا نستخدمها. ولكن مع زقاقيين مجرمين، تكون المناداة بالقانون الدولي ليس فقط مزحة، بل سخافة. والدعوة إلى احترام القانون الدولي مع إيران تخفي جهلا مطلقا بطبيعة القانون الدولي، بل تخفي كراهية إسرائيل. هذا إذا لم نرد أن نذهب ونقول ما هو أبعد”؛ بهذه الكلمات برر الفيلسوف ووزير التعليم الفرنسي سابقا لوك فيري قصف أمريكا وإسرائيل لإيران خارج قواعد القانون الدولي الذي أرسي بعد الحرب العالمية الثانية لحل النزاعات بما يحترم حق الإنسان وعدم اللجوء إلى الإبادة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية ضد اليابان.
وعلى قناة “إل سي إي”، هنأ لوك فيري دونالد ترامب قائلا له “برافو”؛ لأنه “الشخص والرجل السياسي الوحيد في العالم الذي يستطيع القيام بالمهمة”، أي الحرب وإسقاط “النظام الإجرامي، الشنيع”، مردفا بأنه “يحس بالعار من دعوة رئيس الجمهورية الفرنسية إلى القانون الدولي” وإلى أمور من بينها “وصفه رد إسرائيل على 7 أكتوبر بالبربرية”، قبل أن يزيد في محطة لاحقة: “الحرب ضد الحرب فعل للسلام”، مع ذكره أن حكايات “القانون الدولي” و”سيادة الدول” لا يهتم بها إطلاقا إلا عندما يتعلق الأمر بأناس وبـ”دول ديمقراطية، إنسية، ومنطقية”.
وعلق فيري كذلك بالقول: “إسرائيل لا يمكنها أن تنتظر، لأن هناك فرصة تاريخية، لإسقاط نظام الملالي، ومسانديه الأساسيين، وعلى رأسهم حزب الله، ولا يمكن أن ننتظر الحكومة اللبنانية للقيام بالمهمة”، وقدم مثالا على العمل الناجح للقضاء على “الحزب” بتفجير “البيجر”، الذي تسبب في ثوان في إصابة الآلاف، بمن فيهم مدنيون في أماكن عمومية، وأطفال، واصفا إياه بالنجاح الذي “قام به الموساد، وليس الحكومة اللبنانية”.
الأكاديمي الفرنسي لوك فيري المعروف بأثره في النقاش الفلسفي المعاصر، دافع على أن “القانون الدولي” نفع فقط “الدول المستبدة” مثل الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين، والصين في عهد ماو، وأمريكا الجنوبية مع الجنرال بينوشي المدعوم أمريكيا، وغيرها من الأمثلة وصولا إلى إيران ما بعد الشاه رضا بهلوي، ولم يقدم في مداخلته أي مثال لجرائم الحرب خلال الحروب العالمية وبعدها إلا من المعسكر الشرقي، دون استحضار إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول التي بنت أو دعمت احتلالات، وإبادات، وانقلابات، وحروبا، وأنظمة قائمة على الفصل العنصري، واستفادت من عائداتها ماليا، وفي الهيمنة الجيو-سياسية.
وفي تعليق على هذه التصريحات، كتب المفكر المغربي المقيم بفرنسا رشيد بنزين، وهو من الأسماء البارزة في النقاش الثقافي الفرنكفوني: “كان يبتسم لوك فيري وهو يقول إن القانون لا يوجد إلا لصالح من يستحقونه. ولا ينتبه لما يقول. أو الأسوأ: يعي ما يقول”.
وذكر بنزين أن فيري “يختار القنبلة ويسمي هذا فلسفة (…) يختار القوة بدل السلطة”؛ بينما القوة تدمر، والسلطة تبني. القنبلة التي تسقط على غزة قوة. أما القانون الذي يقول لا يمكن أن تسقط قنبلة على المدنيين، فهذه سلطة”، واختيار فيري الواضح هو “عكس القانون تماما”.
ثم استرسل المعلق قائلا: “القانون يوجد لأن هناك صراعات. وليس رغم الصراعات. بل بسببها (…) القانون الدولي ليس ناديا للأشخاص الجيدين. إنه نظام قيود للحد من العنف بين الدول التي تكره بعضها”، لكن لوك فيري “يحول هذا القانون إلى جائزة. إلى قلادة. القانون الدولي للجيدين، والقوة للسيئين”، ثم تساءل: “من يحدد أن هذا النظام ‘محترم’ والآخر ‘زقاقي’؟ فيري؟ ترامب؟ نتنياهو؟”.
ودعا المفكر المغربي المقيم بفرنسا إلى النظر إلى “الوقائع”: “إيران، 28 فبراير 2026. دونالد ترامب يأمر بالقصف. ضربة أمريكية-إسرائيلية. طهران. أصفهان. قم. الآلاف من القتلى. تبريرات تتغير كل يوم. لا ولاية للأمم المتحدة. لا دفاع مشروع. القوة فقط”، وواصل: “الضفة الغربية. احتلال منذ سنة 1967. ضم مستشرٍ. مستعمرات غير قانونية وفق القانون الدولي. سرقة للمنازل. تدمير للبيوت. تفجيرات. حواجز تفتيش. إهانات يومية”، ثم “لبنان، 6 مارس 2026. غارة إسرائيلية. 41 قتيلا. لا جندي إسرائيل قتل. لا يوجد هدف عسكري حقق. نتنياهو: عملية بطولية”. أما “غزة. إيقاف النار وقع في أكتوبر 2025. ولكن العنف مستمر. منذ 28 فبراير، كل المعابر مغلقة باستثناء كرم سالم. المساعدة الإنسانية متوقفة. 72 ألفا و134 فلسطينيا قتلوا منذ أكتوبر 2023. 631 قتلوا منذ وقف إطلاق النار. يوم 8 مارس، دبابات إسرائيلية تقصف خيام النازحين وسط غزة. امرأتان. طفلة عمرها ست سنوات. صحافية. جثثهن تحت القماش المنهار”.
من جهة أخرى، وزير التعليم الفرنسي سابقا يصرح: “مجرمون زقاقيون”، فيجيبه القانون: “جرائم حرب. من الطرفين”، لكن “فيري اختار طرفا. ويعلن: هذا الطرف عنده الحق. أما الآخر، فلا. لم يعد هذا حقا. بل السياسة تلبس لبوس العدالة”.
إن لوك فيري الذي يقول إن “الدعوة إلى القانون الدولي جهل بالقانون الدولي، في مفارقة مُحرقة للحلق، لا يعرف ما القانون الدولي. أو يعرف ويكذب (…) إنه يقدم السماح الأخلاقي (…) لحرب دون حدود. ويقول: يمكنكم أن تفجروا. يمكنكم أن تقتلوا. يمكنكم أن تخرقوا كل معاهدات جنيف. لأن الآخر زقاقي. وليس للزقاقي أي حقوق”، بينما كان هذا هو مبرر “من تابعوا الفقيه القانوني هانس كيلسن وطردوه من فيينا سنة 1938″، واعتبروه “لأنه، يهودي، غير محترم، وزقاقي. لا يستحق القانون. عاش هذا كيلسن. ورأى إلى أين يقود هذا المنطق.
وكتب السلام بالقانون الدولي سنة 1944. بينما كانت أوروبا تشتعل. (…) والفيلسوف الفرنسي يقول العكس: الأقوياء يستطيعون كل شيء. والضعفاء ليس لهم شيء. ليس هذا الحق، بل قانون الأقوى”.
ثم ختم قائلا: “في مكان ما في إيران، يوجد أب يبحث عن أطفاله تحت أنقاض طهران. وفي مكان ما في الضفة الغربية، توجد عائلات تطرد من أرضها. وفي مكان ما في غزة، طفلة بعمر ست سنوات تبحث عن أمها. والخيم منذ يوم 8 مارس تحترق. وفي مكان بلبنان، يدفن قتلى نبي شيت. وفي باريس، فيلسوف قال في التلفاز إن كل هذا أمر عادي. وإن القانون الدولي لا يطبق على الزقاقيين.
كيلسين توفي منذ خمسين سنة. في المنفى. ولم يرَ مجددا فيينا. وفيري يجلس هانئا حيث يقطن (…) يعطي الإذن الأخلاقي للمذبحة”.