عبد الرحيم العكزي
مع اقتراب موعد الإفطار في كثير من المدن المغربية، يتحول محيط المساجد والأسواق والإشارات الضوئية إلى مسرح اجتماعي مكثف. قبل دقائق قليلة من الأذان، تتشكل على الأرصفة مشاهد تتكرر كل مساء في رمضان: رجال ونساء يوزعون التمر أو قنينات الحليب بنية الصدقة، وآخرون يجلسون بصمت قرب أبواب المساجد أو عند مفترقات الطرق في انتظار درهم عابر. في تلك اللحظات المشحونة روحياً، تختلط نوايا كثيرة في فضاء واحد؛ إحسان ديني، تعاطف إنساني، شعور بالواجب، وأحياناً رغبة خفية في شراء الطمأنينة.
لكن ما يبدو في ظاهره مجرد لحظة تضامن عابرة، يخفي وراءه واقعاً اجتماعياً أكثر تعقيداً. فبين اليد التي تعطي واليد التي تمتد، تتشكل شبكة غير مرئية من العلاقات الرمزية والاقتصادية. هنا لا تنتقل الدراهم فقط، بل تتبادل أيضاً صور المكانة والاعتراف الاجتماعي، ويتحول فعل الصدقة – ولو بشكل غير معلن – إلى جزء من اقتصاد رمزي واسع يتجدد حضوره كل رمضان.
في الوعي الديني الإسلامي، تُقدَّم الصدقة باعتبارها فعلاً تعبدياً خالصاً يهدف إلى تطهير النفس وتقوية روح التضامن مع المحتاجين. غير أن الممارسة الاجتماعية لهذا الفعل تكشف أحياناً عن طبقات أخرى من المعاني. فالصدقة، حين تنتقل من النص الديني إلى الفضاء الاجتماعي، لا تبقى مجرد فعل فردي بين الإنسان وربه، بل تتحول إلى ممارسة اجتماعية لها وظائف متعددة، بعضها ديني وبعضها رمزي وبعضها مرتبط ببنية العلاقات داخل المجتمع.
فالمتصدق لا يمنح المال أو الطعام فقط، بل يقدم أيضاً صورة عن نفسه داخل الجماعة. صورة الشخص الكريم أو المتدين أو القريب من القيم الأخلاقية التي يحتفي بها المجتمع. ولهذا السبب تأخذ بعض أشكال الصدقة طابعاً علنياً واضحاً: توزيع الطعام في الشارع، إقامة موائد إفطار جماعية، أو حتى نشر صور المبادرات الخيرية على وسائل التواصل الاجتماعي. هنا يصبح العطاء، إضافة إلى معناه الديني، وسيلة لبناء مكانة اجتماعية أو ما يمكن تسميته في التحليل السوسيولوجي رأسمالاً رمزياً.
في المقابل، لا يقتصر هذا الاقتصاد الرمزي على من يمنح الصدقة فقط، بل يشمل أيضاً من يطلبها. فخلال شهر رمضان يتغير حضور المتسولين في الفضاء العام بشكل ملحوظ. تزداد أعدادهم قرب المساجد والأسواق وعند إشارات المرور، خصوصاً في اللحظات التي تسبق الأذان بدقائق. فهؤلاء يدركون أن رمضان يمثل موسم العطاء بامتياز، حيث يرتفع الاستعداد النفسي لدى الصائمين للتصدق.
ولذلك لا يكون طلب الصدقة دائماً فعلاً عفوياً بسيطاً، بل قد يتحول أحياناً إلى ممارسة تحكمها معرفة دقيقة بسلوك المتصدقين. فبعض المتسولين يختارون عبارات محددة ذات حمولة دينية مثل: “الله يرحم الوالدين” أو “الله يجازيك بخير”، بينما يفضل آخرون الصمت وترك النظرات تقوم بدور الخطاب. وفي كلتا الحالتين، يصبح الطلب جزءاً من تفاعل اجتماعي غير معلن يتقاطع فيه التعاطف مع التوقعات الأخلاقية التي يفرضها السياق الديني للشهر الفضيل.
غير أن هذا الاقتصاد غير المرئي لا يطرح فقط أسئلة أخلاقية أو اجتماعية، بل يثير أيضًا إشكاليات مرتبطة بالاقتصاد العام للدولة. فالأموال التي تُمنح في الشارع، رغم بساطتها في الظاهر، قد تتحول مع مرور الوقت إلى مبالغ مهمة تتداول خارج أي إطار اقتصادي رسمي. فهي لا تمر عبر قنوات التضامن المؤسسي، ولا تخضع لأي تنظيم أو تتبع، مما يجعلها جزءًا من اقتصاد غير مهيكل يعيش على هامش المنظومة الاقتصادية للدولة.
وفي بعض الحالات، تشير ملاحظات ميدانية وتقارير إعلامية إلى أن بعض المتسولين قادرون على جمع مبالغ يومية تفوق ما قد يحصل عليه موظف يوم عمل. ومع تكرار ذلك على مدى أشهر وسنوات، تتحول الصدقة من مساعدة ظرفية إلى مورد اقتصادي مستقر بالنسبة للبعض. هنا تبرز مفارقة لافتة: المال الذي يُمنح بنية تخفيف الفقر قد يساهم، بشكل غير مباشر، في ترسيخ نمط من الاقتصاد غير المنظم الذي لا يخلق قيمة إنتاجية ولا يندمج في الدورة الاقتصادية الرسمية.
ومن زاوية أخرى، يشكل انتشار التسول تحديًا للسياسات الاجتماعية للدولة. فحين يتحول الشارع إلى قناة مباشرة لإعادة توزيع الثروة عبر الصدقة الفردية، يتراجع أحيانًا دور المؤسسات الاجتماعية المنظمة التي يفترض أن تضطلع بمهام الحماية الاجتماعية. وهكذا يجد المجتمع نفسه أمام نظامين متوازيين للتضامن: نظام مؤسساتي تقوده الدولة، ونظام غير رسمي يقوم على المبادرات الفردية والعفوية.
وإلى جانب هذا المشهد، تظهر أيضاً ممارسات أخرى أقل وضوحاً لكنها لا تقل دلالة. من بينها طلب الدعاء من بعض الفقهاء أو القراء بعد تلاوة القرآن في المساجد أو الزوايا. فبعد انتهاء القراءة، قد يتقدم أحد الحاضرين ويقدم مبلغاً بسيطاً للفقيه قائلاً: “دعي ليا مع الوليدات” أو “الله يجازيك بخير دعي لينا”. فيبدأ الفقيه بالدعاء باسمه واسم أسرته، وقد يتكرر المشهد مع أشخاص آخرين بالطريقة نفسها.
في مثل هذه اللحظات يتحول الدعاء، وهو في أصله فعل تعبدي مجاني، إلى نوع من التبادل الرمزي غير المعلن. لا أحد يسميه تجارة، ولا يُنظر إليه بالضرورة كمعاملة مالية صريحة، لكنه مع ذلك يدخل ضمن منطق المقابل: طلب روحي يقابله عطاء مادي بسيط. وهنا تظهر مرة أخرى تلك المنطقة الرمادية التي تختلط فيها القيم الدينية بالممارسات الاجتماعية.
غير أن قراءة هذه الظواهر من زاوية سوسيولوجية لا تعني بالضرورة التشكيك في صدق النيات أو في البعد الإيماني للصدقة. فالكثير من المغاربة يتصدقون بدافع صادق من التضامن والإحسان. لكن التحليل الاجتماعي لا يركز على النيات الفردية بقدر ما يحاول فهم كيف تتحول الأفعال الدينية إلى مؤسسات اجتماعية غير رسمية، وكيف تكتسب وظائف جديدة داخل المجتمع.
فمن جهة، تساهم الصدقات فعلاً في التخفيف من معاناة فئات واسعة من الفقراء، ولو بشكل مؤقت. لكنها من جهة أخرى قد تخلق نوعاً من التوازن الهش: يحصل المحتاجون على دعم موسمي خلال رمضان، بينما يستعيد المجتمع شعوره الأخلاقي بالقيام بواجبه تجاههم. غير أن هذا التوازن لا يعالج بالضرورة الأسباب البنيوية للفقر أو التفاوت الاجتماعي، بل يخفف فقط من حدتها الظاهرة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في اقتصاد الصدقة. فهي تعبر في الوقت نفسه عن كرم المجتمع وتضامنه، لكنها تكشف أيضاً عن حدود هذا التضامن حين يبقى محصوراً في المبادرات الفردية والموسمية. فالصدقة قادرة على إطعام جائع ليوم أو أسبوع، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الفقر في المقام الأول.
لهذا يمكن القول إن رمضان لا يكشف فقط عن روح التكافل التي تميز المجتمع المغربي، بل يكشف أيضاً عن بنية معقدة من العلاقات بين الدين والاقتصاد والرمز الاجتماعي. ففي هذا الشهر تتكثف الممارسات الدينية في الفضاء العام، وتتحول الصدقة إلى لحظة اجتماعية مكثفة تتقاطع فيها الإيمان والكرم والتوقعات المتبادلة بين الناس.
وخلف كل درهم يُعطى، وكل دعاء يُطلب، وكل مائدة إفطار تُنصب في الشارع، تتشكل قصة اجتماعية صغيرة تعكس الطريقة التي يفهم بها المجتمع معنى العطاء ومعنى الفقر ومعنى التضامن. وربما لهذا السبب بالذات يظل رمضان، بالنسبة لعلم الاجتماع، لحظة كاشفة بامتياز: لحظة يصبح فيها فعل بسيط مثل الصدقة مرآة تعكس عمق العلاقات التي تربط بين الدين والمجتمع والاقتصاد في المغرب.