زينب شكري
في ليلة استثنائية احتضنها مسرح محمد الخامس بالرباط، خطف الكوميدي المغربي عبد الرحمان أوعابد، الشهير بلقب “إيكو”، الأضواء بعرضه الكوميدي “الحب”، الذي قدمه مساء الثلاثاء أمام قاعة ممتلئة عن آخرها بجمهور جاء باكرا ليعيش لحظات من الضحك والفرجة في أجواء استثنائية امتدت لما يقارب ساعتين من التفاعل المتواصل.
منذ اللحظات الأولى لاعتلائه الخشبة، بدا واضحا أن الجمهور على موعد مع عرض مختلف، حيث امتلأت مقاعد المسرح بالكامل، في مشهد يعكس الشعبية الكبيرة التي يحظى بها “إيكو” لدى الجمهور المغربي، كما يؤكد نجاح جولته الرمضانية التي جابت عددا من المدن المغربية، من بينها أكادير ومراكش والجديدة، قبل أن تحط الرحال في العاصمة الرباط، على أن تختتم محطاتها المقبلة بكل من الدار البيضاء وتطوان.
وخلال العرض، تعالت أصوات الضحك والقهقهات في أرجاء مسرح محمد الخامس، حيث عاش الجمهور لحظات من الفرجة الصادقة التي صنعتها روح “إيكو” العفوية وأسلوبه الكوميدي الخاص، ولم يكن الحاضرون يكتفون بالضحك فقط، بل كانوا يوقفون العرض بين الفينة والأخرى بتصفيقاتهم الحارة، تعبيرا عن إعجابهم بما يقدمه على الخشبة، في مشهد يعكس حجم التفاعل الكبير الذي رافق العرض طيلة مدته.

ويعد عرض “الحب” من الأعمال التي اشتغل عليها إيكو لسنوات، إذ كشف أن هذا المشروع تطلب ثلاث سنوات من التحضير والبحث في عمق موضوع الحب، من أجل تقديمه للجمهور في قالب كوميدي ساخر يمزج بين الفكاهة والرسائل الإنسانية.
وأكد الكوميدي المغربي، في تصريح سابق لـ”العمق”، أن اختياره لموضوع الحب لم يكن اعتباطيا، بل لأنه يعتبره أساس الحياة وأحد أهم القيم التي يجب أن تسود العلاقات الإنسانية.
وقال، إيكو إن هذا العرض “عمل اشتغل عليه بحب ومن القلب”، مشددا على أنه يرغب من خلاله في توصيل رسالة مفادها أن الحب يجب أن يسود الحياة بعيدا عن الكراهية، وأن الناس ينبغي أن يتعاملوا فيما بينهم على أساس الاحترام والمودة، سواء داخل العمل أو في إطار العائلة أو بين الأصدقاء. فالحب، في نظره، هو أساس النجاح في مختلف مناحي الحياة.
ولا يقتصر العرض على تناول الحب بين الأشخاص فقط، بل يفتح المجال للحديث عن أشكال متعددة من هذا الشعور الإنساني، بدءا من حب الذات والعائلة والأصدقاء، وصولا إلى أنواع أخرى من التعلق والعاطفة التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية، وفي كل ذلك، ينجح إيكو في تحويل هذه المواضيع إلى مادة كوميدية ثرية تلامس مختلف فئات الجمهور.

ويعتمد الممثل الكوميدي، في هذا العمل على أسلوبه المعروف القائم على المزج بين المواقف الساخرة والخيال الكوميدي، مع طاقة مسرحية عالية تجعله قادرا على الحفاظ على إيقاع العرض من بدايته إلى نهايته، كما يفتح المجال بشكل دائم للتفاعل المباشر مع الجمهور، وهو ما يمنح العرض طابعا عفويا يجعل كل أمسية مختلفة عن الأخرى.
ويتميز إيكو أيضا بتعدد مواهبه الفنية، إذ لا يكتفي بإلقاء النكت أو تقديم السكيتشات الكوميدية فقط، بل يجمع في عروضه بين الغناء والرقص والتعبير الجسدي وتقليد الشخصيات، إضافة إلى العزف على عدد من الآلات الموسيقية، هذه التعددية تجعل عروضه أقرب إلى فرجة مسرحية متكاملة تجمع بين الكوميديا والموسيقى والأداء الحركي.
وقد ظهر هذا التنوع الفني بوضوح خلال عرض الرباط، حيث تنقل إيكو بسلاسة بين المقاطع الكوميدية والفقرات الموسيقية والتقليد، ما أضفى على العرض حيوية خاصة وجعل الجمهور يعيش لحظات من المتعة المتواصلة دون أي شعور بالملل.
ومن بين اللحظات الطريفة التي شهدها العرض، تلك التي تفاعل فيها إيكو مع بعض الحاضرين بطريقة عفوية، في مشاهد ارتجالية أظهرت سرعة بديهته وقدرته على تحويل المواقف اللحظية إلى لحظات كوميدية تلقى استحسان الجمهور.
وفي إحدى هذه اللحظات، أشار إيكو بطريقة فكاهية إلى جريدة “العمق” ومدير نشرها محمد لغروس، قائلا مازحا إنه يحرص على أن يكون “عميقا في أعماله كجريدة العمق” في تعليق أثار موجة من الضحك داخل القاعة.

ويعرف إيكو بأسلوبه الفكاهي الذي يجعله قريبا من جمهوره، كما يتميز بحضوره القوي على الخشبة وكاريزما خاصة تجعله قادرا على شد انتباه المتفرجين والحفاظ على تفاعلهم طوال مدة العرض، وهو ما يفسر الإقبال الكبير الذي تعرفه عروضه داخل المغرب وخارجه، حيث غالبا ما تقام أمام قاعات مكتملة العدد بعد نفاد التذاكر.
ولا يعد نجاح عرض “الحب” وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار فني طويل استطاع خلاله إيكو أن يرسخ اسمه كواحد من أبرز نجوم الكوميديا في المغرب، فقد بدأ مسيرته الفنية في وقت مبكر، متأثرا بالأجواء الفنية لمدينة مراكش، وخاصة بساحة جامع الفنا التي تعد مدرسة حقيقية للفن الشعبي والفرجة الحية.
ورغم أن والديه كانا يفضلان أن يواصل دراسته، إلا أن شغفه بالفن دفعه إلى اختيار طريق الكوميديا والعمل على تطوير موهبته.
وواجه إيكو في بداياته تحديات عديدة، خاصة بعد وفاة والده، وهو ما جعله يتحمل مسؤولية إعالة أسرته، حيث أصبحت الكوميديا مصدر رزقه الأساسي.
وفي تلك المرحلة، كان إيكو يقدم عروضه في الفنادق والحفلات، قبل أن ينجح تدريجيا في شق طريقه نحو الاحتراف، مستفيدا من التجربة الميدانية التي صقلت موهبته ومنحته خبرة كبيرة في التعامل مع الجمهور.

وكانت سنة 2009 محطة مهمة في مساره الفني، حين دخل عالم الاحتراف من خلال اشتغاله إلى جانب الممثل الكوميدي المغربي حسن الفد، حيث شارك معه في عرض ساخر بالدار البيضاء، كما شارك في عدد من البرامج الإذاعية وقدم مقاطع فكاهية لاقت استحسان المستمعين.
لاحقا، فتحت أمامه تجربة التلفزيون والسهرات الفنية أبوابا جديدة، خاصة مشاركته في المهرجان الدولي للضحك بمراكش، الذي يشرف عليه الكوميدي الفرنسي من أصول مغربية جمال الدبوز، وقد شكل هذا المهرجان محطة بارزة في مسيرته، حيث وقف على خشبة قصر البديع وقدم عروضا لاقت تفاعلا كبيرا من الجمهور.
ويعرف إيكو أيضا بقدرته الكبيرة على تقليد الأصوات واللهجات المغربية المختلفة، سواء المراكشية أو الشمالية أو الفاسية، وهي مهارة جعلته يحقق انتشارا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحظى مقاطعه الساخرة بمتابعة كبيرة.
ومع ذلك، يؤكد الكوميدي المغربي أن الشهرة على الإنترنت ليست وحدها معيار النجاح، مشددا على أن اللقاء المباشر مع الجمهور يظل المقياس الحقيقي لأي فنان كوميدي، فالتفاعل الحي مع الجمهور، بحسب تعبيره، هو الذي يمنح العرض نكهته الخاصة ويخلق تلك اللحظات الاستثنائية التي لا يمكن أن تتحقق عبر الشاشة.

ولهذا السبب، يفضل إيكو في عروضه المسرحية عدم التقيد الصارم بالنصوص المكتوبة، مفضلا ترك مساحة واسعة للارتجال والتفاعل اللحظي مع الجمهور، وتمنح هذه العفوية عروضه طابعا خاصا يجعلها مختلفة في كل مرة، ويحولها إلى تجربة حية يتقاسمها الفنان والجمهور معا.
ويعتبر عدد من المتابعين أن سر نجاح إيكو يكمن في قدرته على المزج بين روح النكتة المراكشية الأصيلة وبين حس فني حديث يجعله قادرا على مخاطبة جمهور واسع من مختلف الأعمار والخلفيات، فهو لا يكتفي بإطلاق النكات، بل يقدم عرضا فنيا متكاملا يجمع بين التمثيل والتقليد والغناء والحركة.
وبفضل هذه المقومات، استطاع إيكو أن يحجز لنفسه مكانة خاصة في الساحة الكوميدية المغربية، وأن يحقق حضورا لافتا داخل المغرب وخارجه، حيث يحرص أيضا على إحياء عروض للجالية المغربية في عدد من دول المهجر.
وفي عرض “الحب”، يبدو أن ابن مراكش قد نجح مرة أخرى في تحقيق المعادلة الصعبة بين الكوميديا الهادفة والفرجة الممتعة، مقدما عملا يجمع بين الضحك والرسائل الإنسانية في قالب فني بسيط وقريب من الجمهور.
ومع استمرار جولته الرمضانية عبر عدد من المدن المغربية، يواصل عرض “الحب” تحقيق الإقبال الجماهيري نفسه، خاصة مع السمعة التي اكتسبها منذ انطلاقه سنة 2023، حيث ظل يحقق نجاحا متواصلا كلما قدمه إيكو داخل المغرب أو خارجه.

وعلى امتداد مساره الفني، نجح إيكو في إغناء الخزانة الكوميدية المغربية بعدد من الأعمال التي رسخت حضوره كواحد من أبرز نجوم هذا الفن في المغرب.
وبصم على عروض مميزة صنعت له اسما لامعا لدى الجمهور، من بينها عرض “الشرقي” الذي شكل نقطة انطلاق قوية في مسيرته وحقق انتشارا واسعا بين الجمهور، قبل أن يؤكد موهبته أكثر من خلال مشاركاته البارزة في مهرجان “مراكش للضحك” حيث وقف على خشبة قصر البديع وقدم فقرات كوميدية لاقت تصفيقا حارا وإعجابا كبيرا من الحاضرين.
كما واصل تألقه عبر عرض “L’Artiste” الذي قدم فيه فرجة مسرحية متكاملة مزجت بين الكوميديا والغناء والتقليد، فضلا عن عدد من السكيتشات والعروض التلفزية التي أبرزت قدرته الفريدة على تقليد الشخصيات واللهجات المغربية المختلفة بأسلوب ساخر وذكي، ما جعله يراكم تجربة فنية غنية أسهمت في إغناء رصيد الكوميديا المغربية بأعمال ناجحة ما تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور.