عادل الحامدي
عيد الفطر ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو لحظة إنسانية جامعة تُعيد ترتيب الأولويات، وتُنعش في النفوس قيم الصفح والتسامح والتلاقي بعد طول افتراق.
وفي عالم يموج اليوم بتحولات عاصفة، إقليمية ودولية، تبدو هذه المناسبة فرصة نادرة لالتقاط أنفاس الحكمة، واستعادة البوصلة الأخلاقية في إدارة الخلافات، لا سيما حين يتعلق الأمر بعلاقات بين شعوب يجمعها التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، كما هو الحال بين المغرب والجزائر.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة تتسم بتسارع غير مسبوق في التحولات: صعود قوى دولية جديدة، تراجع منظومات تقليدية، اضطراب في موازين الاقتصاد، واحتدام في الصراعات الإقليمية.
وفي خضم هذا كله، لم يعد مقبولا أن تظل خلافات قديمة، استُهلكت سياسيا وتاريخيا، عائقا أمام بناء تكتلات إقليمية قادرة على حماية مصالح شعوبها. فزمن التشرذم لم يعد يحتمل، وزمن الاصطفافات الإيديولوجية الجامدة قد ولّى.
في هذا السياق، يبرز الخلاف المغربي الجزائري كأحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى شجاعة سياسية، ورؤية استراتيجية، وإرادة أخلاقية لإنهائه. لقد مدّ المغرب يده مرارًا، داعيًا إلى الحوار، ومؤكدا استعداده لفتح صفحة جديدة قوامها الاحترام المتبادل والتعاون المثمر. وهي مبادرات لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق التكتيك، بل بمنطق التحول العميق في إدراك طبيعة المرحلة.
إن دعوة قادة الجزائر إلى مقابلة هذه اليد الممدودة بيد مماثلة ليست دعوة سياسية فحسب، بل هي نداء إنساني واستراتيجي في آن واحد. فالشعبان، المغربي والجزائري، لم يكونا يومًا خصمين، بل كانا على الدوام سندًا لبعضهما في مواجهة الاستعمار، وشريكين في معركة التحرر. وما يجمعهما اليوم من تحديات—اقتصادية، وأمنية، وتنموية—أكبر بكثير مما يفرقهما من خلافات سياسية قابلة للحل.
لقد آن الأوان أيضًا لمراجعة بعض الرهانات التي أثبتت محدوديتها، بل وفشلها. إن الاستثمار في حركات انفصالية ذات مرجعية يسارية تقليدية لم يعد يجد له صدى في عالم تجاوز تلك المرحلة. فقد سقط المعسكر الاشتراكي الذي كان يوفر الغطاء الإيديولوجي والسياسي لمثل هذه المشاريع، ولم يتمكن حتى من حماية نفسه من الانهيار، بل ترك وراءه إرثًا من الانقسامات والأزمات الاقتصادية والتخلف المؤسسي في عدد من الدول التي تبنّت نموذجه.
ثم إن الرهان على الخيار الانفصالي قد بات، في ضوء التحولات الدولية والإقليمية الراهنة، خيارا غير ذي جدوى سياسية أو استراتيجية. فقد أخذ يتكرّس تدريجيا نوع من الاعتراف الدولي بواقعية مقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه الرباط، باعتباره صيغة وسطى تجمع بين حفظ الاستقرار الإقليمي والاستجابة لمتطلبات التسوية السياسية.
ولم يعد هذا الطرح يُنظر إليه كموقف أحادي، بل كأرضية قابلة للنقاش لدى عدد متزايد من الفاعلين الدوليين الذين باتوا يفضّلون الحلول العملية على الشعارات المؤجلة. ومن ثم، فإن الإصرار على مقاربات تجاوزها الزمن لا يخدم سوى إطالة أمد النزاع، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تسويات ذكية تُنهي بؤر التوتر وتفتح المجال أمام بناء مستقبل مشترك أكثر استقرارا وازدهارا.
إن الاستمرار في دعم كيان لم يعد يمتلك مقومات الحياة السياسية الواقعية، ولم يبق منه إلا رصيد من الشعارات والذكريات، هو إهدار للوقت والموارد، وتعطيل لإمكانات التعاون الإقليمي. والأسوأ من ذلك، أنه يُبقي المنطقة رهينة توتر دائم، يحرم شعوبها من فرص التنمية والاندماج.
في المقابل، فإن فتح صفحة جديدة بين المغرب والجزائر يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية في شمال أفريقيا. تخيلوا فقط ما يمكن أن يحققه البلدان، ومعهما بقية دول المنطقة، إذا ما تم تجاوز الخلاف: سوق إقليمية واعدة، تكامل اقتصادي حقيقي، تعاون أمني فعال، وصوت موحد في المحافل الدولية. إنها ليست أحلاما طوباوية، بل أهداف واقعية إذا توفرت الإرادة السياسية.
عيد الفطر، بما يحمله من معاني الصفاء والمصالحة، يمنح القادة فرصة رمزية قوية لاتخاذ خطوة شجاعة في هذا الاتجاه. فكما يتصالح الأفراد، يمكن للدول أيضا أن تتصالح، إذا ما غلّبت منطق المستقبل على حسابات الماضي، وقدّمت مصلحة الشعوب على اعتبارات السياسة الضيقة.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يخلّد إلا أولئك الذين امتلكوا شجاعة التحول في اللحظة المناسبة. واليوم، تبدو اللحظة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لطي صفحة الخلاف المغربي الجزائري، وفتح أفق جديد من التعاون والأخوة.
فهل تلتقط القيادات هذه الفرصة؟ أم يظل العيد مناسبة عابرة، تمرّ كما مرّت غيرها، دون أن تُحدث الأثر الذي ينتظره الملايين على ضفتي الحدود؟
إن الأمل لا يزال قائما واليد الممدودة لا تزال تنتظر..
*كاتب وإعلامي تونسي مقيم في لندن