العمق المغربي
كشف سامر عبد الجابر، المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وشرق أوروبا، في حوار نشرته منصة أخبار الأمم المتحدة، عن تفاقم الضغوط بشكل خطير على مستويات الأمن الغذائي في عدد من دول المنطقة التي تعاني في الأصل من هشاشة اقتصادية واضحة وصراعات طويلة الأمد، محذرا من التداعيات الكارثية لتصاعد الأزمات الإنسانية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية بسبب التوترات الجيوسياسية وتأثر طرق الملاحة الحيوية كمضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو ما يهدد حياة ملايين الأشخاص الذين باتوا يعتمدون بشكل كلي على المساعدات الغذائية الطارئة لضمان البقاء على قيد الحياة.
وأوضح المسؤول الأممي أن إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة منذ الثامن والعشرين من شهر فبراير أدى إلى ارتفاع مهول في سعر مادة الطحين داخل السوق المحلية بنسبة بلغت مائتين وسبعين في المائة، مشيرا إلى أن البرنامج يسعى جاهدا لإيصال المساعدات الغذائية لنحو مليون وستمائة ألف شخص شهريا، غير أن هذه الأوضاع الحرجة تهدد بتقليص الحصص الغذائية إلى خمسة وعشرين في المائة فقط من احتياجات الفرد الواحد، وذلك بعدما كانت فرق البرنامج تتمكن من إيصال الحصة الغذائية كاملة بنسبة مائة في المائة للمستفيدين خلال فترة الهدنة في شهر أكتوبر، ومبرزا في السياق ذاته أن أي تعطيل لمضيق هرمز يضرب في العمق سلاسل الإمداد العالمية لاسيما أسواق الأسمدة وقطاعات الشحن والطاقة، مما يؤدي حتما إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف النقل والوقود، فضلا عن رفع مخاطر عودة التضخم العالمي الذي ينعكس مباشرة على المواطن العادي وقدرته الشرائية.
وأعلن المتحدث ذاته عن لجوء برنامج الأغذية العالمي إلى تفعيل منظومة وتدابير الاستعداد للطوارئ في جميع أنحاء دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في محاولة حثيثة لضمان استمرار عملياته الإنسانية وقدرته على تلبية احتياجات الفئات الأكثر ضعفا بطريقة آمنة وسريعة، مستدلا بالتطورات في لبنان الذي شهد موجات نزوح داخلي طالت أكثر من سبعمائة ألف شخص غادروا نحو مناطق ومراكز إيواء أخرى، في حين اختار نحو أربعة وثمانين ألف لاجئ سوري العودة إلى سوريا وترافق ذلك مع عبور حوالي تسعة آلاف لبناني نحو الأراضي السورية، ومؤكدا أن الهيئة الأممية توفر الدعم حاليا لمائتين وخمسة عشر مركز إيواء من أصل خمسمائة وثمانين مركزا في لبنان، حيث يتلقى اثنان وخمسون ألف شخص مساعدات غذائية يومية، بينما يحصل مائة وثمانون ألفا آخرون على مساعدات نقدية.
وأضاف عبد الجابر أن النقص الحاد في التمويل المتاح وعدم كفاية الدعم المقدم من الدول المانحة أجبرا البرنامج على اتخاذ قرارات قاسية، تمثلت في إعلان تعليق المساعدات عن مائة وخمسة وثلاثين ألف لاجئ سوري في الأردن خلال شهر رمضان، إضافة إلى وقف الدعم عن مائتين وخمسين ألف لاجئ سوداني في مصر خلال الشهر الجاري، مقدرا الاحتياجات المالية الأولية لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة في عشر دول بالمنطقة إلى جانب أفغانستان بحوالي مائتي مليون دولار، ومشيرا إلى أن الفئات الهشة كاللاجئين والنازحين هي المتضرر الأكبر من هذه الاقتطاعات، حيث تفقد المساعدات النقدية قيمتها بمجرد دخولها إلى الأسواق المحلية المتأثرة بموجات الغلاء، في حين يضطر البرنامج إلى تقليص كميات السلال الغذائية العينية لمواجهة الفجوة التمويلية.
وأشار المدير الإقليمي إلى تعقيدات المشهد في إيران التي كانت تعاني بالفعل من حالة ركود اقتصادي وارتفاع في معدلات التضخم والانخفاض السريع في قيمة العملة، مبرزا أن البرنامج يواصل تقديم المساعدة لنحو ثلاثة وثلاثين ألف لاجئ أفغاني يعيشون داخل المخيمات التي باتت تشهد توافدا جديدا للاجئين الأفغان المقيمين في المجتمعات المحلية الإيرانية مما يزيد من حجم الضغوط على الخدمات، ومشددا في الوقت عينه على أن فرق العمل التابعة للبرنامج تلتزم بمواصلة جهودها الميدانية في كل من غزة والضفة الغربية ومختلف مناطق لبنان، وكذا في إيران والعراق وسوريا والأردن، متجاوزين كل الصعاب بما فيها الظروف المناخية القاسية واستمرار تساقط الثلوج في بعض المناطق كطهران.
وتابع المسؤول الأممي في ختام حواره التأكيد على ضرورة التحلي بالتفاؤل والعمل بإيجابية لتجاوز هذه المحنة، مجددا دعوته ومناشدته للدول الأعضاء والجهات المانحة والقطاع الخاص من أجل الانخراط بقوة وزيادة التمويلات لمواجهة الاحتياجات الإنسانية التي تضاعفت مرات عديدة مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الأزمات الأخيرة، ومعربا عن أمله في إمكانية جمع تبرعات إضافية من فاعلي الخير تزامنا مع شهر رمضان واقتراب حلول عيد الفطر لتأمين التمويل الضروري، ومؤكدا في النهاية على سعي المنظمة الدائم لمواكبة التغيرات والتطورات المتسارعة على الأرض للبقاء إلى جانب المحتاجين وتقديم يد العون لهم.