رسالة مفتوحة إلى المجلس العلمي الأعلى ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة مفتوحة إلى المجلس العلمي الأعلى ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

في الانفصال عن الواقع: نموذج شنضيض أنموذجاً لأزمة الخطاب الديني للجالية المغربية في أوروبا

حضرة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

حضرات السادة أعضاء المجلس العلمي الأعلى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تصل إليكم هذه الرسالة من مواطنين مغاربة مقيمين في أوروبا، يتابعون بقلق متصاعد طبيعة الخطاب الديني الذي تقدمه المؤسسات المفترض فيها مواكبة الجالية ومعالجة إشكالياتها الحقيقية. وليس الهدف من هذه الرسالة الإساءة إلى أحد، بل رفع الصوت أمام جهة الوصاية بشأن ظاهرة تمس مباشرة مصالح مئات الآلاف من المغاربة المقيمين بالخارج.

أولاً: النموذج الكاشف — حين يسأل الرئيس عما لا يعني الجالية

نشر السيد مصطفى شنضيض، الرئيس والمسؤول الأول عن المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، تدوينة على صفحته جاء فيها:

«سؤال رقم 1: ما وضع كتاب “مراقي الزلف” لأبي بكر ابن العربي المعافري؟ سؤال رقم 2: هل ألفه قبل أحكام القرآن أم بعده؟ — لي بذلك حاجة ماسة»

لن نقف طويلاً عند هذه التدوينة بوصفها حادثة معزولة، فهي ليست كذلك. إنها نموذج واحد من نمط متكرر يطبع خطاب هذا الرجل وأنشطته التكوينية على حد سواء؛ نمط يتسم بالانشغال بمسائل التراث المدرسي الضيق، والانصراف عن الواقع الحي الذي يعيشه المسلم المغربي في أوروبا كل يوم.

إن المشكلة ليست في السؤال ذاته من حيث هو بحث علمي مشروع، بل في أن يكون هذا هو ما يشغل رئيس مؤسسة دينية يُفترض فيها أن تكون في قلب معاناة الجالية، بينما أبناؤها يرزحون تحت ثقل تحديات وجودية حقيقية.

ثانياً: الواقع الذي يغيب عن الخطاب

يعيش المسلم المغربي في أوروبا اليوم في مفترق طرق حضاري دقيق، تتشابك فيه ضغوط متعددة لا تحتمل الترف الأكاديمي ولا الاجترار التراثي:

على الصعيد الأسري والاجتماعي:

• تتفكك الأسر تحت وطأة قوانين الطلاق الأوروبية التي لا تعترف بالطلاق الإسلامي

• تُثار إشكاليات حضانة الأطفال وفق معايير تختلف جذرياً عن الفقه الإسلامي

• تضيع الإرث والحقوق في غياب توعية قانونية–فقهية متخصصة

على صعيد الهوية والتربية:

• تواجه الأجيال الثانية والثالثة أزمة هوية حادة، بين انجذاب نحو القيم الأوروبية وجذور إسلامية لا تجد من يُرسّخها بلغة العصر

• مما يجعل شريحة واسعة من الشباب إما في براثن التطرف أو في أحضان الذوبان الكامل

على الصعيد المهني والديني:

• يواجه الموظف المسلم يومياً معضلة صلاة الجمعة في بيئة عمل لا تعترف بها

• والصيام في مناخ اجتماعي ضاغط، والحلال في مقاصف المدارس والمستشفيات والسجون

فأين كل هذا من تدوينات شنضيض وأنشطته التكوينية؟

ثالثاً: الخلل البنيوي في التكوين والرؤية

لا يمكن فهم هذا الانفصال عن الواقع دون استحضار الإطار الذي تشكّل فيه خطاب السيد شنضيض. فهو لم يتلقَّ تكويناً أكاديمياً منهجياً في العلوم الشرعية، ولم يمرّ بمسار دراسي يجمع بين الفقه الإسلامي ومتطلبات الواقع الأوروبي من علم اجتماع وقانون مقارن وفقه أقليات.

والنتيجة المنطقية لهذا الفراغ التكويني تجلّت في:

• غياب فقه الأولويات: إذ يُسوَّى في خطابه بين ما هو عاجل وما هو نافلة، فيُغرق الجالية في نقاشات مدرسية بينما تحترق بيوتها

• قصور في قراءة السياق: فالخطاب الديني الصالح لمجتمع يعيش في ظل دولة إسلامية لا يصلح بالضرورة لأقلية مسلمة تعيش في كنف دولة علمانية

• ضعف الحس المؤسسي: فرئيس مجلس علمي ليس مجرد عالم يبحث ويدرّس، بل قائد مؤسسي يصنع سياسات ويرسم أولويات ويتحدث باسم مجتمع بأكمله

رابعاً: حين تتحول المؤسسة إلى فضاء للاجترار التراثي

إن الأنشطة التكوينية التي يشرف عليها شنضيض أو يشارك فيها تعكس التوجه ذاته: موضوعات تُستعاد من بطون الكتب القديمة، وندوات تعيد إنتاج الجدل الكلامي والفقهي المدرسي، دون أن تُفضي إلى أي مخرجات عملية تُعين المسلم الأوروبي على التعامل مع واقعه.

وهذا النوع من الخطاب يحمل في طياته خطورة مضاعفة:

• فهو يُغرق المسلمين في شعور زائف بالنشاط الديني دون أن يُغني عن الجوع الحقيقي

• ويُفوّت على الجالية فرصة بناء خطاب ناضج ومتوازن يمكّنها من الاندماج دون ذوبان

• ويُعطي صورة مشوهة عن الإسلام في المجال الأوروبي؛ إسلاماً منكفئاً على ذاته، غارقاً في همومه الكلاسيكية، عاجزاً عن الحوار مع الآخر

خامساً: مسؤولية الجهة المُعيِّنة لا تقل عن مسؤولية الشخص

إن وضع رجل في موقع لا ينسجم مع تكوينه وأدواته هو في المقام الأول مسؤولية مؤسسية. والمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة مؤسسة تحمل اسم المغرب وتتحدث باسمه في قارة بأكملها، فهل كانت معايير الاختيار على مستوى هذه المسؤولية؟

إن المغرب قدّم للعالم نموذجاً دينياً يُشار إليه بالإعجاب: نموذج الوسطية والانفتاح والحكمة. لكن تصدير هذا النموذج إلى أوروبا يتطلب أكثر من النوايا الحسنة؛ يتطلب أدوات تحليل، وكفاءة قيادية، وانخراطاً حقيقياً في مشكلات الجالية.

سادساً: ما الذي ينبغي عمله؟

أمام هذا الواقع، نرفع إلى المجلس العلمي الأعلى وإلى وزارة الأوقاف جملة من المطالب العاجلة:

1. إخضاع أداء المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة لتقييم موضوعي شامل يقيس مدى انخراطه الفعلي في قضايا الجالية

2. وضع معايير واضحة لاختيار قيادات المؤسسات الدينية بالخارج، تشمل: الكفاءة الشرعية، والإلمام بالقانون الأوروبي، والوعي الاجتماعي، والمهارة القيادية

3. إلزام هذه المؤسسات بإعداد برامج سنوية تقوم على تشخيص واقعي لأولويات الجالية، وتقديم تقارير دورية للجهة الوصية

4. إنشاء منصات تواصل مباشرة بين الجالية والمؤسسات الدينية تتيح للأولى تقييم الثانية وإيصال احتياجاتها

5. الاستثمار في تكوين جيل جديد من العلماء الذين يجمعون بين الرسوخ في العلوم الشرعية والانفتاح على العلوم الإنسانية والقانونية

خاتمة

الجالية المغربية في أوروبا ليست جمهوراً من طلبة العلم الكلاسيكي يحتاجون إلى من يستعيد لهم تفاصيل التراث المدرسي. إنها مجتمع حي، يتنفس يومياً في وسط تحديات حضارية ضاغطة، ويحتاج إلى مؤسسة دينية تمشي معه في شوارع باريس ولندن وأمستردام، لا مؤسسة تجلس في زاوية بعيدة تتساءل: هل كتب ابن العربي هذا قبل ذاك أم بعده.

المغرب أجدر من أن يكون ممثَّلاً بهذا المستوى، والجالية أولى بمن يكون في مستوى تضحياتها وتحدياتها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إقرأ الخبر من مصدره