الأحداث بقلم محمد اعويفية
حين نعيد قراءة تاريخ الرحلات البحرية الاستكشافية التي انطلقت من آسفي ، غالبا ما تختزل الحكاية في اسم النورفيجي تور هايردال قائد رحلة “راع ” والبلجيكي ألفونس أورمان قائد رحلة “طوف الجيل الأخير” ، بينما تتوارى خلفهما وجوه صنعت المجد بصمت. من بين هذه الأسماء يبرز اسم الراس حسن شريباتو، كأحد البحارة الذين تحمس ليشارك بمعارفه وخبراته الواسعة في كل الرحلات التي انطلقت من آسفي ،والتي غيرت الكثير من الموازين ومهدت لفتح آفاق بحرية جديدة نحو القارة البعيدة أمام الباحثين و المغامرين.
لم تكن رحلة “طوف الجيل الأخير “مجرد مغامرة رومانسية كما تقدمها أحيانا بعض وسائل الإعلام، بل كانت مشروعا محفوفا بالمخاطر، تقوده الرغبة و الطموح في تحقيق الحلم ، هذا المشروع نفذ في ظروف قاسية تتطلب عزما و شجاعة استثنائية. وسط هذا السياق، يظهر اسم حسن شريباتو الملقب ب” زروال “كصورة لبحار متمرس من مدينة آسفي والذي لم يكن في واجهة الحدث، لكنه كان عنصرا مهما من طاقم الرحلة، التي ستواجه المجهول بكل ما يحمله من رهبة الفشل وأمل كبير في النجاح.
الإبحار في ذلك الزمن لم يكن نزهة عبر المحيط الأطلسي، بل كان مواجهة صعبة ومفتوحة مع الطبيعة: عواصف بحرية عاتية، طول المسار ،نقص في المؤن، أمراض، وخوف دائم من الضياع في غياهب المحيط . ومع ذلك، اختار هؤلاء الرجال، ومن بينهم الريس شريباتو، بامكانياتهم المتواضعة أن يركبوا الموج نحو المدى المجهول، مدفوعين بالتحدي، بروح المغامرة و الاكتشاف ورغبة في كسر حدود الأفق إلى ما وراءه.
تحيلنا هذه التجربة إلى لحظة تاريخية مفصلية، شكلت فيها هذه الرحلات المنطلقة من آسفي منعطفا حاسما ، إذ فتحت الطرق البحرية ، و كرست لمرحلة جديدة من التواصل الإنساني بين القارات.
غير أن الحديث عن هذه الرحلات لا يكتمل دون الإشارة إلى أبعادها المعقدة؛ فهي لم تكن فقط مغامرة استكشافية ، بل كانت أيضا بداية لتحولات كبرى، شملت التجارة والبحث العلمي والتبادل الثقافي. وهنا تبرز أهمية استحضار أسماء مثل الريس حسن شريباتو، لأنها تذكرنا بأن التاريخ لا يصنعه الأروبيون وحدهم، بل أيضا أولئك الذين كانوا في قلب الحدث، يعملون بصمت ويواجهون الأخطار بتجربتهم وذرايتهم بتقلبات البحر وسكناته دون أن تخلد أسماؤهم في الذاكرة كنوع من الإعتراف .
تجربة الرايس حسن شريباتو، في هذه المغامرة، ليست مجرد مشاركة في رحلة بحرية عابرة، بل هي جزء من قصة إنسانية أوسع وأرحب، قصة البحث عن المجهول، والسعي إلى الاكتشاف وتوسيع حدود المعرفة، مهما كان الثمن. وهي دعوة لإعادة قراءة التاريخ من زاوية أكثر عدلا وانصافا، تعطي لكل فاعل حقه من الذكر والاعتراف والتكريم، وتعيد الاعتبار لأولئك الذين أريد لهم أن يظلوا في الظل رغم دورهم الكبير .
هكذا، يتحول اسم حسن شريباتو من مجرد مشارك عابر في رحلة “طوف الجيل الأخير” ،إلى رمز خالد من آسفي العظيمة لكل إنسان اختار أن يصارع المحيط ويغامر، أن يركب البحر، وأن يكون شاهدا على لحظة من لحظات آسفي كحاضرة تاريخية بمجد أثيل.
هيئة التحرير23 مارس، 2026
إقرأ الخبر من مصدره