د.عبد القادر الحافظ بريهما
قضية الصحراء المغربية تظل من أكثر القضايا التي تكشف التباين الصارخ بين الواقع كما يعاش على الأرض بمدن الصحراء الواقعة على طول الشريط الساحلي للمحيط الاطلسي، والخطاب كما يروج له في المنابر السياسية والإعلامية شرق الجدار بمخيمات الحمادة على الاراضي الجزائرية. ففي الوقت الذي تنخرط فيه المملكة المغربية في مسلسل تنموي متواصل بالأقاليم الجنوبية، يظهر خطاب مواز كئيب يسعى إلى تقديم صورة مغايرة، قوامها الإدعاء بالمظلومية وتضخيم الألم، رغم أن هذا الألم لا يعاش بالضرورة في نفس الفضاء الذي يقدم باسمه.
المتتبع للشأن المحلي في مدن كـالعيون والداخلة والسمارة وبوجدور وطرفاية يلاحظ حجم الاستثمارات التي تم ضخها في البنيات التحتية، من طرق وموانئ ومطارات ومؤسسات تعليمية وصحية، إلى جانب المشاريع الاقتصادية التي خلقت دينامية وفرص شغل. هذه المعطيات تمثل فعلا ملموسا، يعكس إرادة سياسية واضحة في إدماج ساكنة الأقاليم الصحراوية ضمن النموذج التنموي الوطني، ويجعل من الواقع الميداني حجة قائمة بذاتها.
في المقابل، يستمر خطاب آخر بائس كئيب وعدمي في الترويج لفكرة المعاناة والحرمان، متكئا على سرديات تعود إلى عقود مضت، دون أن يواكب التحولات التي عرفتها المنطقة. هذا الخطاب غالبا ما يصدر عن جهات لا تعيش نفس الواقع، بل تتحدث من خارج المجال الجغرافي، ما يطرح إشكالية التمثيل الحقيقي: من يملك الحق في الحديث باسم الساكنة؟ ومن يعكس فعلا انتظاراتها وتطلعاتها؟
المفارقة التي يبرزها هذا الوضع تشبه إلى حد بعيد المثل الشعبي “الدجاجة تبيض والديك يتألم”، حيث تقوم جهة بالفعل وتتحمل مسؤولية الإنجاز، بينما تتبنى جهة أخرى خطاب الألم وتقدمه وكأنه يعكس الحقيقة الكاملة. هذا الانفصال بين الفعل والخطاب يخلق نوعا من التشويش، ويجعل الرأي العام أمام روايتين متناقضتين.
كما أن البعد الإنساني للقضية لا يمكن فصله عن هذا التحليل، إذ إن جزءا من الساكنة يوجد في ظروف صعبة خارج الأقاليم الجنوبية، وهو ما يثير تساؤلات حول من يتحمل مسؤولية استمرار هذه الأوضاع. فبدل العمل على تحسين ظروف هؤلاء، يتم في كثير من الأحيان توظيف معاناتهم في خطاب سياسي عدمي إنتهازي، دون تقديم حلول عملية تنهي هذا الوضع.
في السياق ذاته، يبرز دور الإعلام في تكريس هذه المفارقة، حيث تضخم بعض المنابر حالات معينة وتعممها، مقابل تجاهل قصص النجاح والتحول التي تعرفها الأقاليم الجنوبية. هذا الانتقاء في نقل الصورة يعمق الفجوة بين الواقع والتمثلات، ويجعل من الضروري العودة إلى المعطيات الميدانية لفهم حقيقة ما يجري.
من جهة أخرى، فإن تزايد المشاركة السياسية للساكنة المحلية، من خلال الانتخابات والمؤسسات المنتخبة، يعكس درجة من الانخراط في تدبير الشأن العام، ويمنح مؤشرا على أن هناك دينامية داخلية لا يمكن اختزالها في خطاب واحد. هذا الحضور يعزز فكرة أن الساكنة ليست مجرد موضوع للخطاب، بل فاعل أساسي في صياغة مستقبل المنطقة.
في النهاية، يظل التحدي الأساسي هو القدرة على التمييز بين من ينتج الفعل على الأرض بالاقاليم الصحراوية، ومن يكتفي بادعاء الألم في الخطاب. فالقضايا العادلة تبنى على الحقائق لا على الصور المجتزأة، وعلى الإنجاز لا على الشعارات. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري قراءة قضية الصحراء المغربية بعيون تنظر إلى الواقع كما هو، لا كما يراد له أن يرى.