الخط : A- A+
تشهد كندا نقاشا متصاعدا حول التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحريات، في سياق مشروع القانون C-22، الذي يهدف إلى تمكين أجهزة الشرطة والاستخبارات من الوصول بشكل أسهل إلى المعطيات الرقمية خلال التحقيقات.
غير أن هذا النقاش، كما يطرحه الصحفي الكندي دانييل روبسون في مقال نشره على منصة التحليل والنقاش الكندية “The Hub”، يتجاوز البعد التقني والقانوني ليطرح إشكالا أعمق يتعلق بموقع كندا ضمن مسارات الجريمة العابرة للحدود، وإمكانية تحولها إلى مساحة يستخدمها بعض المشتبه فيهم كمرحلة انتقالية للتخطيط وإعادة التموضع.
ويؤكد روبسون أن الإشكال لا يرتبط بكون كندا وجهة نهائية للجريمة، بل بكونها قد تشكل “نقطة عبور” أو “ملاذا مؤقتا” يستفيد منه الفاعلون الإجراميون، بما في ذلك الفارون من العدالة وتجار المخدرات والمشتبه فيهم في قضايا الإرهاب، حيث يحتاجون إلى الوقت والمسافة والبطء المؤسسي لإعادة ترتيب مسارهم. ويطرح الكاتب ثلاث قضايا نموذجية تكشف هذا النمط، رغم اختلاف طبيعتها، وفق ما ورد في مقاله.
في الحالة الأولى، يتناول روبسون قضية مهدي حيجاوي، التي يصفها بأنها الأكثر غموضا. ويورد أن المعطيات المتوفرة لا تشير إلى كونه “منفيا مظلوما”، بل إلى مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي أُقيل بسبب مخالفات مهنية جسيمة، ثم تورط في اتهامات تتعلق بالاحتيال، مع شكاوى متعددة من ضحايا ومذكرة توقيف دولية. وتشمل هذه الاتهامات، حسب المقال، عمليات احتيال مالية عابرة للحدود استهدفت مواطنين مغاربة وأجانب، إضافة إلى استخدام جواز سفر مزور.
ويعتمد الكاتب على روايات الضحايا والتحقيقات الجارية ليشير إلى نمط متكرر يتمثل في ادعاءات كاذبة بالمنصب والنفوذ، ووعود بفرص وهمية، واحتيالات مرتبطة بالهجرة، إلى جانب خسائر مالية كبيرة. كما يبرز أن حيجاوي استغل، وفق المعطيات الواردة، سمعته السابقة في مجال الاستخبارات كأداة لإقناع الضحايا.
ويضيف روبسون أن التحقيقات أظهرت أن كندا كانت أول وجهة لحيجاوي بعد فراره من المتابعة القضائية، قبل أن ينتقل إلى فرنسا وإسبانيا، ثم إلى الإمارات العربية المتحدة، في وقت كانت فيه إجراءات تسليمه إلى المغرب قد انطلقت من طرف القضاء الإسباني. ويؤكد أن هذه المرحلة الأولى من الهروب كانت حاسمة، لأنها سمحت له باكتساب الوقت وإعادة التموضع، حتى وإن لم تكن كندا الوجهة النهائية، مشيرا إلى أن مجرد كونها محطة عبور يجعلها عنصرا فاعلا في المسار الإجرامي، وفق المصدر ذاته.
كما يلفت المقال إلى تصريحات نجل حيجاوي، الذي تحدث عن سنوات من الكذب والتلاعب داخل الأسرة، ورفض فكرة أن والده ضحية سياسية، داعيا إياه إلى العودة لمواجهة العدالة. ويعتبر الكاتب أن هذه التصريحات تضعف الرواية التي تُقدَّم أحيانا لتبرير مثل هذه القضايا، والتي تقوم على تصوير المتهم كضحية بدلا من كونه مصدر الضرر.
في الحالة الثانية، يعرض روبسون قضية ريان ويدينغ، وهي أكثر مباشرة من حيث طبيعة التهم. إذ تشير السلطات الأمريكية، حسب المقال، إلى أن ويدينغ، وهو رياضي أولمبي كندي سابق، ساهم في إدارة شبكة واسعة لتهريب الكوكايين مرتبطة بكارتل سينالوا، حيث كانت الشحنات تُنقل من كولومبيا إلى الولايات المتحدة وكندا عبر المكسيك. وتفيد التقديرات بأن هذه الشبكة كانت تدر أكثر من مليار دولار سنويا، وأنها مرتبطة بجرائم قتل متعددة.
ويشير المقال إلى أنه بعد تسليمه إلى كاليفورنيا، دفع ويدينغ ببراءته من التهم الموجهة إليه، والتي تشمل الاتجار بالمخدرات والتآمر لارتكاب جريمة قتل ومحاولة التأثير على الشهود. لكن ما يراه روبسون مهما في هذا السياق هو أن كندا لم تكن مجرد مكان ثانوي، بل جزءا من بنية الشبكة، سواء على مستوى السوق أو العمليات المالية أو حتى في بعض أحداث العنف.
ويبرز المقال أن الروابط الكندية كانت ملموسة، خاصة في مقاطعة أونتاريو، حيث تشير المعطيات إلى توصية محامي ويدينغ بقتل شاهد، بالإضافة إلى اتهام شخص آخر بغسل أموال لصالح الشبكة، ما يعكس أن كندا كانت مكونا في الهيكل المالي والتنظيمي لهذه الأنشطة الإجرامية، حسب المصدر نفسه.
أما الحالة الثالثة، فتتعلق بمحمد شهزب خان، وتُطرح من زاوية التهديدات الإرهابية. إذ يشير روبسون إلى أن خان، وهو مواطن باكستاني، دخل كندا بتأشيرة دراسية في يونيو 2023، قبل أن يتم اعتقاله في شتنبر 2024 أثناء محاولته التوجه نحو الحدود الأمريكية. وتزعم السلطات الأمريكية أنه كان يخطط لتنفيذ هجوم مسلح مستوحى من تنظيم “الدولة الإسلامية” داخل مركز يهودي في بروكلين، بالتزامن مع الذكرى المرتبطة بأحداث 7 أكتوبر.
ويضيف المقال أن التحقيقات كشفت استخدامه لوسائل اتصال مشفرة، وإبداءه الدعم للتنظيم، وسعيه لاختيار توقيت ورمز وهدف يحقق أكبر قدر من التأثير، كما يشير إلى أنه تم تسليمه لاحقا من كندا إلى الولايات المتحدة في 10 يونيو 2025. ويرى الكاتب أن كندا، في هذه الحالة، لم تكن الهدف النهائي، لكنها شكلت مرحلة ضمن مسار التخطيط والتحرك، ومساحة سمحت للمشتبه فيه بالتحرك بحرية قبل توقف المخطط، وفق المصدر.
في ضوء هذه الحالات الثلاث، يخلص دانييل روبسون إلى أن هناك نمطا مشتركا يتمثل في تأخر كندا في إدراك دورها ضمن هذه الشبكات. ففي بعض الحالات، تظهر كندا كمرحلة أولى في مسار فرار، وفي أخرى كجزء من شبكة تهريب، وفي ثالثة كجزء من مسار تحضير لعمل إرهابي. ورغم اختلاف التهديدات، إلا أن القاسم المشترك هو أن التدخل غالبا ما يأتي متأخرا، بعد أن يكون المشتبه به قد غادر أو انتقل إلى مرحلة أخرى.
ويؤكد الكاتب أن معالجة هذا التحدي لا يمكن أن تقتصر على مشروع القانون C-22، رغم أهميته، بل تتطلب مقاربة مؤسساتية شاملة تشمل تعزيز التنسيق بين أجهزة الحدود والهجرة والاستخبارات المالية والتحقيق الجنائي، إلى جانب تطوير آليات تبادل المعلومات الدولية. كما يدعو إلى اعتماد مقاربة استباقية تقوم على رصد المؤشرات المبكرة مثل التنقل المشبوه، ومسارات التهرب، والارتباط بشبكات الجريمة المنظمة، وإعادة تشكيل الهوية بسرعة.
ويحذر روبسون من أن التعامل مع هذه الحالات باعتبارها قضايا خارجية يفقد كندا القدرة على إدراك دورها الحقيقي ضمن هذه المنظومات، مشددا على أن أي محطة كندية في مسار إجرامي أوسع يجب أن تُعتبر مشكلة داخلية تستوجب التدخل المبكر، وليس مجرد حدث يُكتشف بعد وقوعه.
ويخلص المقال، وفق دانييل روبسون، إلى أن كندا، إذا أرادت تفادي أن تتحول إلى بيئة يستغلها المجرمون والإرهابيون، مطالبة بتجاوز الاكتفاء بتحديث أدوات المراقبة القانونية، والتوجه نحو مقاربة أمنية استباقية تعترف بالمشكلة في وقت مبكر، قبل أن يفقد التدخل نجاعته.