يتجه المشهد السياسي في إقليم الفحص-أنجرة، نحو استنساخ قطبية ثنائية مبكرة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، مع بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026.
وتستند هذه الدينامية إلى سعي التنظيمين الحزبيين لتحصين مقعدي الدائرة الانتخابية، مستفيدين من هيمنة رقمية موروثة عن اقتراع 2021، في مواجهة محاولات متعثرة لأحزاب سياسية أخرى لإعادة بناء قواعدها التنظيمية والمحلية.
وتتسم الدائرة الانتخابية الفحص-أنجرة بخصوصية تقييد التنافسية، نظرا لكونها تخصص مقعدين برلمانيين فقط للتمثيلية التشريعية.
ويرفع هذا المعطى الكمي عتبة الفوز، جاعلا المعارك الانتخابية ذات طابع حاسم ومغلق. وتعتبر النتائج المسجلة في الاستحقاقات السابقة المحددات الرئيسية للسباق الحالي؛ حيث يهيمن التجمع الوطني للأحرار على المشهد بعد تصدره لنتائج 2021 بحصيلة 14 ألفا و643 صوتا (50.31 في المائة)، متبوعا بـ حزب الاستقلال بـ10 آلاف و94 صوتا (34.68 في المائة).
وسجل الإقليم نسبة مشاركة استثنائية بلغت 69.41 في المائة خلال الاقتراع التشريعي الماضي، بإجمالي 33 ألفا و891 مصوتا.
وتتشكل هذه الكتلة الناخبة من نسيج اجتماعي يتوزع على جماعات ترابية ذات طابع قروي، لكنها متاخمة لأكبر الأقطاب الصناعية والمينائية بالمملكة (المركب المينائي طنجة المتوسط).
ويشكل هذا التداخل بين القروي والصناعي خزانا انتخابيا يخضع لتوازنات الأعيان، والشبكات الإدارية، والقرب المجالي، أكثر من خضوعه للتقلبات السياسية أو التصويت العقابي.
وتكرس تركيبة التمثيل البرلماني الحالي هذا الوضع التنافسي المستقر. إذ يشغل عبد السلام الحسناوي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، وإدريس ساور المنصوري، عن حزب الاستقلال، مقعدي الدائرة.
ويضع هذا التموقع الحزبين في حالة “دفاع استراتيجي” عن مكتسبات قائمة، متجاوزين مرحلة البحث عن الاختراق إلى مرحلة تدبير التوازنات وتحصين القواعد الحالية ضد أي اختراقات محتملة قبيل شتنبر 2026.
على المستوى التنظيمي، يرتكز تفوق التجمع الوطني للأحرار في الإقليم على شبكة ترابية متماسكة.
ويعود هذا الامتداد إلى النتائج المحققة في الانتخابات الجماعية لعام 2021، والتي أفرزت سيطرة الحزب على تسيير الشأن المحلي في عدد من الجماعات الترابية المكونة للإقليم.
وتتيح هذه المواقع التدبيرية للحزب استغلال آليات القرب الجغرافي، وتعبئة شبكات المنتخبين المحليين لتوجيه الكتلة الناخبة، وهو عامل حاسم في دائرة ضيقة تعتمد أساسا على التصويت المرتبط بالدينامية المحلية المباشرة.
في المقابل، ينهج حزب الاستقلال استراتيجية الاستباق التنظيمي. حيث تشير المعطيات الميدانية إلى انخراط هياكل الحزب في عملية ترتيب مبكرة للأوراق الانتخابية على مستوى عمالات وأقاليم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
ويهدف هذا التحرك في الفحص-أنجرة إلى تثبيت المواقع، وحسم مسألة التزكيات بعيدا عن ضغط الآجال القانونية للاستحقاقات.
وفي دائرة مقتصرة على مقعدين، يعتبر الحسم المبكر في الهيكلة والتموضع الميداني أفضلية حاسمة لمنع أي تشتت في الأصوات.
وبالموازاة مع هذه التحركات المستقرة للثنائي المتصدر، تعيش أحزاب أخرى وضعية تنظيمية معقدة. ويبرز حزب الأصالة والمعاصرة كأحد أبرز المعنيين بهذه التوازنات.
فالحزب الذي راهن على الحسين العيساتي في اقتراع 2021، يواجه حاليا تحديات هيكلية في الفحص-أنجرة.
وتؤكد تقارير الهيئات الجهوية للحزب على حاجة ماسة لتدارك العجز التنظيمي المحلي واستعادة التموقع، إلا أن المؤشرات الحالية لا تعكس جاهزية ميدانية قادرة على إحداث تغيير جذري في بنية الكتلة الناخبة.
من جهتها، تحاول المعارضة استعادة مساحات مفقودة عبر تحركات بطيئة. حزب العدالة والتنمية، الذي مثلته سعاد بولعيش في الاستحقاق السابق، يسجل انحسارا في قاعدته الانتخابية محليا وتراجعا في القدرة التعبوية ضمن السياق السياسي الحالي.
وفي ذات السياق، يسعى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى إعادة تنشيط ديناميته المحلية، مستندا إلى مخرجات مؤتمره الإقليمي المنعقد في الفحص-أنجرة خلال العام 2025، غير أن هذه الجهود تصطدم بطبيعة السلوك الانتخابي في الدائرة، والذي يميل للاصطفاف خلف الكيانات ذات الحضور الانتخابي والتدبيري الوازن.
وتخضع دينامية السباق الانتخابي في الفحص-أنجرة لصرامة النمط الانتخابي المعتمد. فنظام الاقتراع باللائحة في الدوائر المحدودة بمقعدين يحول المعركة عمليا إلى اقتراع شبه مغلق، حيث يقتسم الحزبان الأكثر تنظيما وقدرة على التعبئة المقاعد بناء على القاسم الانتخابي، ما لم تحدث انشقاقات حادة داخل هياكلهما أو تبرز تحالفات مضادة مدعومة بأعيان محليين ذوي وزن ثقيل، وهي مؤشرات طارئة تغيب عن المشهد الحالي في الإقليم.
وتتجه التوقعات التحليلية، بناء على المعطيات الراهنة لربيع 2026، إلى تأكيد مسار “الاستمرارية” في دائرة الفحص-أنجرة. وتظهر التسخينات السياسية المبكرة أن الجهد التنظيمي للحزبين المتصدرين ينصب على إدارة التوازنات داخل قواعدهما وإغلاق منافذ التنافس، بينما يبقى سقف طموح الأحزاب الأخرى محصورا في تقليص الفارق الإحصائي وتسجيل حضور سياسي يضمن لها البقاء في المعادلة الترابية، دون امتلاك مقومات ميدانية فعلية لقلب الخريطة الانتخابية الراهنة.
ظهرت المقالة صراع التحصين المبكر يضع “الأحرار” و”الاستقلال” في واجهة السباق إلى مقعدي الفحص-أنجرة أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.