المغرب وموريتانيا: من الأخوة التاريخية إلى التكامل الاستراتيجي

Écrit par

dans

د. عبد القادر الحافظ بريهما

تعتبر العلاقات المغربية الموريتانية نموذجا متفردا للروابط الضاربة في أعماق التاريخ، حيث صهرت وحدة العقيدة والجغرافيا والوجدان الشعبين في بوتقة حضارية واحدة منذ عهد المرابطين والموحدين. هذا الإرث المشترك لم يكن مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل استمر نبضا حيا تجلى في الروابط الاجتماعية والروحية والدينية التي لم تنقطع، مشكلة وحدة وجدانية وسياسية صمدت أمام كل التحولات السياسية المعاصرة، لتؤكد أن ما يجمع الرباط ونواكشوط هو مصير محتوم تتوارثه الأجيال.

وعلى مر القرون، ظلت الحواضن الاجتماعية في البلدين في حالة تواصل عضوي دائم، إذ لم تكن الحدود المصطنعة عائقا أمام حركة الأفراد، فكانت قوافل الحجاج والعلماء والدعاة والتجارة تعبر الفيافي والقفار، حاملة معها زاد المعرفة والتجارة. وقد جسد خط (أطار– تندوف– مراكش– فاس) شريانا حيويا ربط بين الحواضر العلمية والاقتصادية، مما جعل من المنطقة فضاء مفتوحا للتأثير المتبادل، حيث امتزجت دماء الأسر والقبائل لتخلق نسيجا اجتماعيا متلاحما يتجاوز حدود السياسة الضيقة.

إن الذاكرة الوطنية المشتركة تعتز بملاحم البطولة التي خاضها الشعبان جنبا إلى جنب ضد الاستعمار، ولعل معركة “النيملان” الخالدة بتيجگجة سنة 1906 التي قادها الامير مولاي إدريس بن عبدالرحمن العلوي، تقف شاهدا حيا على هذا التلاحم، حيث دارت رحاها بشمال موريتانيا وبمشاركة فاعلة من قبائل صحراوية مغربية ومجاهدين من شمال المملكة وجنوبها. هذه الوحدة الميدانية لم تكن إلا تعبيرا عن إيمان عميق بوحدة المصير المشترك، وبرهانا على أن الدفاع عن الأرض والكرامة كان دوما هما مشتركا يجمع أبناء الضفتين في خندق واحد ضد الطامعين.

ورغم هذا العمق، عرفت العلاقات في بعض الفترات التاريخية نوعا من المد والجزر و التقلب والتباين في وجهات النظر نتيجة سياقات إقليمية معقدة، خاصة خلال فترة حرب الصحراء وما شابها من أخطاء وتجاوزات أدت في حينها إلى اعتراف النظام الموريتاني المعزول آنذاك بالكيان الوهمي. إلا أن هذه المرحلة، رغم مرارتها، ظلت سحابة صيف عابرة لم تستطع النيل من الجوهر الصلب للعلاقات، إذ سرعان ما استعاد المنطق التاريخي سيادته، لتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية مدفوعة بضغط الروابط الاجتماعية والدينية التي لا تقبل الانفصام.

وخلال الخمسون سنة الماضية، اتسمت العلاقات بعنوان بارز هو “العمق والتنوع والتكامل”، حيث تحول التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي إلى واقع معاش يتنفسه المواطن في البلدين. وقد أدركت القيادة في الدولتين أن المصالح الاستراتيجية تقتضي تجاوز رواسب الماضي، والتركيز على بناء شراكة متينة تستند إلى الاحترام المتبادل والتعاون المثمر، مما جعل من التنسيق الدائم في القضايا الإقليمية والدولية ركيزة أساسية لاستقرار منطقة المغرب الكبير والساحل.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية كأفق استراتيجي من شأنه أن يعمق هذه العلاقات ويدفع بها نحو آفاق رحبة من التنوع الاقتصادي والازدهار. إن تنزيل هذا المشروع سيحول الحدود المشتركة إلى خلية نحل ومنطقة نشاط تجاري منقطع النظير، حيث ستنساب السلع والأشخاص والأفكار بحرية أكبر، مما يعزز من قوة التأثير الإيجابي المتبادل، ويفتح الباب أمام استثمارات ضخمة تستفيد من الاستقرار الذي سيوفره الحل السياسي النهائي لهذا النزاع المفتعل.

كما تجلى نضج الدولة الموريتانية وعمق رؤيتها في تبني سياسة “الحياد الإيجابي” تجاه قضية الصحراء المغربية، وهو الموقف الذي تعزز بالانسجام مع القرارات الدولية، وآخرها القرار 2797، الذي يعكس وعي نواكشوط بضرورة دعم الحلول الواقعية والمستدامة. إن الدولة العميقة في موريتانيا، ومعها النظام السياسي الحالي، يدركان تماما أن تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية الجنوبية للمملكة المغربية هو قوة لموريتانيا، وأن تطوير هذه العلاقات الثنائية الغنية هو صمام الأمان الوحيد في وجه التحديات الأمنية والاقتصادية المتزايدة.

ورغم وجود بعض الأصوات المحدودة والمأجورة، التي تحركها أجندات خارجية وتدور في فلك المخابرات الجزائرية لمناوأة مشروع الحكم الذاتي وعرقلة التقارب الأخوي، إلا أن هذه الأصوات تبقى خافتة ومعزولة ولا وزن لها في ميزان الواقع. ففي مقابل ضجيج هذه الأقلية، يبرز “هدير الموضوعية والمنطق والتكامل الاجتماعي والاقتصادي الاستراتيجي ” الذي تنادي به النخب الحاكمة والشعوب في كلا البلدين، مؤكدين أن قطار التكامل الاستراتيجي قد انطلق فعليا، ولن توقفه مناورات اليائسين، من أمثال النظام الجزائر وأتباعه وموريديه، لأن إرادة التاريخ والجغرافيا أقوى من كل المحاولات البائسة والزائلة.

إقرأ الخبر من مصدره