هندسة الانفعال .. من إدراك العاطفة إلى سيادة الذات

Écrit par

dans

سعيد تبحيرات

في زمن تتسارع فيه المؤثرات وتشتد فيه الضغوط لم يعد يكفي الانسانَ أن يعرف، وإنما صار محتاجًا إلى أن يعي كيف يشعر، وكيف يُدبّر ما يشعر به، لأن المعرفة تُنير الطريق، أما تدبير الانفعال فهو الذي يضمن سلامة السير فيه ويمنح التجربة عمقها واتزانها؛ وفي عالمٍ تتزاحم فيه المنبهات وتتعاظم فيه التحديات، لم يعد العقل وحده كافيًا لقيادة الإنسان نحو التوازن المنشود، وإنما برزت الحاجة إلى وعيٍ أدقّ يُلامس جوهر النفس ويُحسن قراءة حركتها الداخلية، وقد أشار دانيال جولمان في كتابه “الذكاء العاطفي” Emotional Intelligence إلى أن قيمة الإنسان لا تُقاس فقط بما يعرفه، وإنما بما يُحسن إدارته من انفعالاته، إذ إن الوعي بالمشاعر هو اللبنة الأولى في بناء الذات، والتحكم فيها ليس كبتًا يُميت الإحساس، ولا اندفاعًا يُفقد الاتزان، وإنما هو هندسة دقيقة تُحوّل الطاقة العاطفية إلى سلوكٍ واعٍ متزن، ومن هذا الأفق تنبثق رحلة ما يمكن أن نسمّيه هندسة الانفعال، حيث يتعلم الإنسان أن يكون سيدًا لما يشعر به، لا أسيرًا له.

فالانفعال في حقيقته ليس خللًا يُستأصل، وإنما طاقة نفسية خُلقت لتخدم توازن الإنسان وبقائه، فالغضب إشعار بوجود خلل، والخوف تنبيه إلى خطر، والفرح إعلان عن انسجام داخلي، غير أن موطن الإشكال لا يكمن في وجود هذه القوى، وإنما في غياب حسن تدبيرها، إذ يصبح الإنسان حين يجهلها كمهندس يمتلك أدوات دقيقة دون أن يملك علم استعمالها، فيتحول البناء بين يديه إلى فوضى، وتتحول القوة إلى سبب في الانهيار، أما إذا وعى هذه الطاقة وأحسن توجيهها، فإنها تنتظم في داخله انتظام قوى البناء، فتضبط ولا تنفلت، وتُشيّد ولا تُخرّب، وتمنحه قدرة على الثبات وسط الاضطراب.

وكل انفعال يمرّ بمسار دقيق يبدأ بمثير، ثم إدراك، ثم استجابة، غير أن كثيرًا من الناس يقفزون من المثير إلى الاستجابة دون عبور واعٍ بمحطة الإدراك، فيغدون أسرى ردود أفعالهم، تُسيّرهم اللحظة بدل أن يسيطروا عليها، بينما يدرك الإنسان الناضج أن بين المثير والاستجابة فسحة خفية، هي أعمق ما في التجربة الإنسانية، لأنها مساحة الاختيار التي تتشكل فيها ملامح الشخصية، ففي تلك اللحظة القصيرة يتحدد المصير: إما اندفاع يعقبه ندم، وإما تأمل يُثمر حكمًا، وهناك تتجلى الهندسة الدقيقة للانفعال، حين يُبطئ الإنسان إيقاع رد فعله، فيفسح المجال لعقله أن يقود، فلا يكون أسير انفعاله، وإنما سيده.

ويظل الغضب أبرز اختبار لهذه السيادة، لأنه الحالة التي تنكشف فيها حقيقة الإنسان دون زينة، وقد وُضع له ميزان دقيق في الهدي النبوي حين قيل إن القوة ليست في الغلبة الجسدية، وإنما في القدرة على ضبط النفس عند اشتداد الانفعال، إذ تتصارع في تلك اللحظة قوتان: قوة الاندفاع التي تدفع نحو التفريغ السريع، وقوة الضبط التي تستدعي العقل والحكمة، ومن غلبت عنده الثانية فقد ارتقى إلى مرتبة السيادة الداخلية، حيث لا يعود الفعل نتيجة ضغط خارجي، وإنما ثمرة وعي داخلي متزن.

وليس هذا الارتقاء أمرًا عفويًا، وإنما يحتاج إلى أدوات دقيقة، يبدأ أولها بالوعي اللحظي الذي يُمكّن الإنسان من تسمية شعوره بدل أن يذوب فيه، ثم تهدئة الجسد عبر التنفس العميق الذي يعيد التوازن للإيقاع الداخلي، ثم إعادة النظر في الحدث لتغيير زاوية تفسيره، ثم تأجيل القرار حتى تهدأ موجة الانفعال، ثم التعبير الواعي الذي يحول الشعور إلى لغة مفهومة تحفظ الكرامة ولا تجرح الآخر، وهذه الأدوات ليست ترفًا نفسيًا، وإنما هي عُدّة المهندس الذي يبني ذاته من الداخل، فيجعل من وعيه مركز قيادة، ومن توازنه أساسًا لكل تصرف.

ومن خلال هذا المسار ينتقل الإنسان من دائرة رد الفعل إلى أفق الفعل الواعي، فيتحول من كائن تحرّكه الظروف إلى كائن يُدير نفسه داخلها، فيصير ثابتًا في قلب التغير، متزنًا في حضرة الاضطراب، قادرًا على أن يمنح لكل موقف قدره دون إفراط أو تفريط، فيتحقق فيه التوازن الذي به تُبنى الحياة السليمة.

إن أعظم مشروع يُمكن أن ينشغل به الإنسان ليس ما يبنيه خارج ذاته، وإنما ما يُشيّده في أعماقها، لأن من لم يُحسن إدارة انفعالاته لن يُحسن إدارة شيء سواها، ومن لم يُحكم أساسه الداخلي تهاوى عند أول اهتزاز، فالنفس بناء دقيق، لا يقوم على القوة وحدها، وإنما على التوازن بين العقل والعاطفة، بين الشعور والفكر، بين الاندفاع والتروّي.

للعبرة وللذكرى: لنتعلّم أن الانفعال ليس خصمًا يُقاوَم، وإنما طاقة تُهذّب وتُوجَّه، وأن السيطرة الحقيقية ليست في إسكات الشعور، وإنما في قيادته نحو ما يصلح، فكما يقوم البنيان على توازن القوى، تقوم النفس على انسجام مكوّناتها، ومن لم يُحكم أساسه تصدّع قبل أن يكتمل، فلتكن حكمتنا ميزانًا داخليًا يسبق أفعالنا، ولنمضِ في الحياة بوعيٍ يجعلنا إذا غضبنا تأنّينا، وإذا تأنّينا أحكمنا، وإذا حكمنا عدلنا، تحقيقًا للمعنى العميق للقوة التي تُبنى في الداخل قبل أن تُرى في الخارج، مصداقًا لقوله ﷺ: (ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وهو حديث صحيح أخرجه البخاري.

إقرأ الخبر من مصدره