المدينة القديمة تحت القصف

Écrit par

dans

مسرور المراكشي

_ صواريخ من نوع ( جرافة ) تقصف المدينة القديمة :

انطلق منذ شهور مخطط هدم المدينة القديمة بالدار البيضاء، المشكل هو غياب المعطيات عند المسؤولين، فوضى عارمة عون السلطة يقول شيء و القائد يقول كلام آخر و رئاسة البلدية لا تملك المعلومة، وأصبحت ساكنة المدينة ضحية الإشاعات و تضارب التصريحات، وبدأ كلام يروج حول من استفاد و هو لا يستحق وكذا عن التعويض الهزيل، الذي لا يتناسب كليا مع القيمة الحقيقية لتلك المساكن و المحلات، علما أن الموقع جد مهم ويقع في قلب العاصمة الإقتصادية، حيث يساوي المتر المربع الملايين لهذا يجب إعادة النظر في التعويضات الهزيلة، المهم أن الشيء الوحيد المؤكد هو هدم منطقة البحيرة و إخبار باقي الساكنة بالإخلاء في غضون شهر، في رأيي أن غياب خطة واضحة متكاملة عند وزارة الداخلية و وزارة الإسكان، إضافة إلى جامعة الكرة التي بسببها وقع هذا الزلزال، أين غاب الناطق الرسمي للحكومة و لهذه الوزارة..؟ وإنه تناقض مضحك مبكي في نفس الوقت، أن تطالب جامعة الكرة مدرب الفريق الوطني، محمد وهبي بوضع خطة واضحة ليكون المنتخب في كامل الجاهزية بحلول مونديال 2026، إضافة أنه ملزم بعد كل مباراة بعقد ندوة صحافية يجيب فيها عن كل التساؤلات، هذا في إطار التواصل مع جماهير المستديرة، حيث يعطي كذلك الخطوط العريضة للبرنامج الإعدادي، إنه تواصل إعلامي ممتاز كان من الأولى تبنيه من طرف وزارة الداخلية، بدل ترك الساكنة في هذا التخبط و المعاناة النفسية، يلهتون وراء كل مسؤول طلبا للخبر اليقين يجوبون كل إدارات المدينة، من ولاية إلى عمالة ثم بلدية أو باشوية فمقاطعة ثم دائرة أو مثلث، ما ذنب هؤلاء المساكين إذا لم تكن عندهم الإمكانات المادية، ولا الخبرة القضائية للطعن في هذه القرارات الإدارية…

_ يقول المثل المغربي : ( إلى شبعت الكرش تقول لراس غني ) :

أتمنى أن يتأمل وزير الداخلية و رئيس جامعة الكرة جيدا، في هذا المثل الشعبي البسيط في صياغته العميق في دلالاته، إن من شروط البهجة و الإنشراح مع الغناء و الرقص و التمايل طربا، أن تشبع بطون الجياع من الشعب المغربي أولا، لكن هناك حالة وحيدة شاذة يمكن أن نتجاوز فيها شرط الشبع، هي عند الإفراط في تناول المخدرات من حشيش و ماحيا و قرقوبي أو السيليسيون مع الدوليو، و بناءً عليه هل ينتظر المسؤولين ممن هدم منزله أو فقد مورد رزقه، بالدارجة ( تخلات دار بوه ) أن يغني و يرقص طربا بفوز المنتخب الوطني على لبرازيل..؟، ونحن على أبواب عيد الأضحى و عائلات في المدينة القديمة مهددون بالتشرد، يحكى أن الرئيس الأمريكي كان مولع بالصفقات المربحة، سمع بموقع المدينة القديمة الإستراتيجي المطل على شواطئ المحيط الأطلسي، فقرر تحويلها إلى منتجع سياحي عالمي” ريفيرا ” المحيط، حيث أرسل طائرة تجسس لجمع المعلومات والصور عن هذه المدينة، وعند اطلاعه على الصور وجد دمار شامل وخراب، عندها سأل باندهاش ذاك الطيار : لم أقل لك اقصفها يا غبي بل صورها فقط، أجاب الضابط : سيدي لقد قصفتها السلطة المحلية بصواريخ من نوع ( الجرافة )…

_ خير لمدينة لقديمة سابق يا مسؤولين :

يكفي فقط العودة إلى أرشيف الإذاعة والتلفزة، كي تشاهدوا تفاعل السكان مع حدث نفي محمد الخامس رحمه الله، ثم خروج ساكنة المدينة القديمة عن بكرة أبيها احتفالا بعودة ملك البلاد من منفاه، لقد حكى لي أحد الأشخاص صاحب محل تجاري، الكائن بباب مراكش زنقة موحا أو سعيد، عن تاريخ ذاك المحل الذي كان يسيره أحد أقربائه في الأربعينات من القرن الماضي، حيث كان رجال المقاومة ( الفداء ) يضعون عنده أسلحتهم، حيث يسلم مثلا مسدس لرجال المقاومة، وبعد تنفيذ العملية الفدائية يستلمه من جديد، حيث يتم دفنه وسط كيس القطاني إلى موعد العملية الموالية، باختصار لقد كانت المدينة القديمة كابوس يقض مضاجع الإحتلال الفرنسي، إضافة إلى جيش الخونة الذي يطلق عليهم الشعب المغربي لقب ( البياعة )، المخبرين باللهجة المشرقية حيث كانت تصفيتهم على الفور أينما وجدوا، وكانت أزقة المدينة الضيقة ساحة لتنفيذ عمليات المقاومة، لكن اليوم مع الأسف الشديد تم إخبار صاحب هذا المحل التاريخي بالإخلاء، و هناك الكثير من الأماكن التاريخية ستلقى نفس المصير أي الهدم بعد أشهر، إن وتيرة تدمير الأحياء الشعبية ستزداد سرعتها مع اقتراب موعد مونديال 2030، و ستشمل كل المدن المرشحة لحتضان مباريات تلك البطولة…

خلاصة :

إن هدم أحياء المدينة القديمة لا يعني فقط فقدان محل سكنى، ولا محل يعد مورد رزق لعائلة ما، لا ياسادة هذا فقط الشق المادي من المشكل الأمر أعقد من ذلك بكثير، إنه اعتداء على التاريخ و تحطيم ذاكرة جماعية و ذكريات جميلة، لكن مشاعر الفقراء ( بوزبال) لا بواكي لهم، لقد حاولت سلطات مراكش عندما كانت عمالة تجريف حديقة ( عرصة البيلك )، وهي الكائنة قبالة ساحة جامع الفنا و نادي البحر الأبيض المتوسط، بدعوى تطوير و تجديد و عصرنة المكان، لكن هذا الكلام الإنشائي لم يقنع المسؤولين الفرنسيين، حيث تحركت القنصلية لمنع أي مساس بالحديقة، باعتبارها ذاكرة تاريخية و إرث مشترك يعبر عن التسامح، و الحقيقة ما هو إلا إرث استعماري بغيض، مع الأسف نجد فرنسا تتحرك لحماية تراثها، الذي يرجع لحقبة الإستعمار سواء منه المادي أو المعنوي، لكن ذاكرة سكان المدينة القديمة لا اعتبار لها وهي الحائط القصير، لقد ابتليت البلاد بمسؤ لين تكنوقراط لا حس تاريخي عندهم ( عطاشة ) فقط….

إقرأ الخبر من مصدره