علي العسراوي
إن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لم يعد يختزل في كونه ملفا سياسيا تقليديا، بل أضحى مجالا لإعادة تشكيل المقاربات القانونية والدبلوماسية في ضوء تحولات دولية وإقليمية تعيد ترتيب أولويات الفاعلين ومواقفهم. وفي هذا السياق، يشهد هذا النزاع المفتعل انتقالا تدريجيا من مقاربات تقليدية، كثيرا ما اتسمت بالجمود أو الخلفيات الإيديولوجية أو الحياد السلبي، نحو دينامية جديدة تقوم على منطق الواقعية السياسية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. وفي خضم هذه التحولات، يبرز إعلان حكومة جمهورية مالي بتاريخ 10 أبريل 2026 كمعطى دال يتجاوز طابعه الظرفي، ليعكس اتجاها متناميا داخل الفضاء الإفريقي نحو إعادة تموقع المواقف وإعادة تقييم طبيعة هذا النزاع وآليات تسويته. ولا تتجلى أهمية هذا الإعلان فقط في مضامينه الصريحة، بل في ما يحمله من دلالات عميقة تؤشر على انخراط متزايد في مقاربة عملية وقابلة للتنفيذ، تعزز من حضور الطرح المغربي وتكرس، بشكل متدرج، التحول نحو تبني الحلول الواقعية كأفق مهيمن في مسار التسوية.
لقد جاء إعلان حكومة جمهورية مالي ليؤكد في مستهله متانة العلاقات التي تجمع بين المملكة المغربية وجمهورية مالي، واصفا إياها بعلاقات تاريخية راسخة تقوم على قيم الأخوة والتضامن والتعاون المثمر، وهو توصيف يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية ليعكس توجها استراتيجيا نحو تعميق الشراكة الثنائية، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل. ويتعزز هذا المنحى من خلال الإشارة إلى انعقاد مرتقب للجنة المشتركة المغربية-المالية، بما يحمله ذلك من دلالة واضحة على إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل المجالات الأمنية والتنموية والاقتصادية، وهو ما يؤكد أن المغرب أضحى ينظر إليه كشريك موثوق في دعم استقرار دول الساحل ومواكبة مساراتها التنموية.
وفي السياق ذاته، يبرز التنويه الصريح بالدور الذي يضطلع به المغرب في دعم جمهورية مالي، سواء على مستوى الحفاظ على وحدتها الترابية أو تعزيز استقرارها الداخلي، باعتباره مؤشرا على تنامي الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية، في إطار مقاربة تقوم على التعاون جنوب-جنوب، والاستثمار في التنمية البشرية، وتعزيز الأمن الروحي والمؤسساتي. ويعكس هذا التقدير الرسمي إدراكا متزايدا لدى عدد من الدول الإفريقية بفعالية النموذج المغربي في تدبير الأزمات، والقائم على التوازن بين الشرعية الدستورية والنجاعة الميدانية، وهو ما يمنح الدبلوماسية المغربية مصداقية متزايدة داخل الفضاء الإفريقي.
وعلى مستوى قضية الصحراء المغربية، يحمل الإعلان دلالات أكثر عمقا، حيث أكدت مالي دعمها لجهود الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، مع الإشارة بشكل خاص إلى القرار 2797 لسنة 2025، وهو ما يعكس انخراطها في المقاربة الدولية القائمة على البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق عليه. غير أن التحول الأبرز يتجلى في إعلان دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، واعتبارها الحل الوحيد الجدي وذي المصداقية لتسوية هذا النزاع، في خطوة تمثل انتقالا واضحا من منطق الحياد التقليدي نحو تبني موقف داعم للرؤية المغربية.
ويكتسي قرار جمهورية مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” أهمية خاصة، لما يحمله من دلالات سياسية وقانونية عميقة، إذ لا يعكس فقط تغييرا في الموقف الدبلوماسي، بل يترجم إعادة تقييم شاملة لطبيعة النزاع ومآلاته.
فمن الناحية القانونية، يعزز هذا القرار الاتجاه الدولي المتنامي نحو تقليص الاعترافات بهذا الكيان، بما يضعف أطروحته داخل المنتظم الدولي، في حين يعكس من الناحية السياسية وعيا متزايدا بضرورة تبني حلول واقعية تضمن الاستقرار الإقليمي وتجنب المنطقة مزيدا من التوتر.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة هذا الإعلان ضمن ما يمكن تسميته بالتحول المعياري في مقاربة قضية الصحراء، حيث يتم الانتقال من خطاب تقليدي قائم على مفاهيم جامدة لتقرير المصير، إلى مقاربة براغماتية ترتكز على الحلول الواقعية القابلة للتنفيذ، وعلى رأسها الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويتعزز هذا التحول ببروز اعتبارات جديدة، من قبيل الأمن الإقليمي في منطقة الساحل، ومحاربة الإرهاب، وضمان الاستقرار السياسي، وهي عوامل تجعل من استمرار النزاع تهديدا مباشرا للمصالح المشتركة للدول المعنية.
إن إعلان حكومة جمهورية مالي لا يمكن اعتباره مجرد موقف دبلوماسي ظرفي، بل يمثل مؤشرا قويا على تحول أعمق في المواقف الإفريقية تجاه هذا النزاع، حيث يجمع بين دعم المسار الأممي، وتبني الحل المغربي، وسحب الاعتراف بالكيان الانفصالي، في إطار رؤية شمولية تراعي متطلبات الاستقرار والتنمية. كما يشكل هذا الإعلان لبنة إضافية في مسار تعزيز الشرعية الدولية للمقترح المغربي، ويؤكد أن دينامية الترافع الدبلوماسي للمملكة بدأت تؤتي ثمارها داخل الفضاء الإفريقي. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياسة الرشيدة التي يقودها الملك محمد السادس، والتي كرست حضور المغرب كفاعل موثوق ومؤثر داخل القارة الإفريقية، وأسهمت في تحقيق اختراقات دبلوماسية نوعية عززت موقع المملكة ونجاعة طرحها في مختلف المحافل الدولية.