0
شهدت عاصمة المملكة المغربية الرباط، أول أمس الأربعاء، العرض الافتتاحي للمسرح الملكي، الذي يعد تحفة معمارية وثقافية وحضارية ستعزز من قيمة الرباط “عاصمة الأنوار” ضمن المشروع التنموي الضخم الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2014، حيث حضر حفل الافتتاح الأميرات للا خديجة وللا مريم وللا حسناء، رفقة بريجيت ماكرون، رفقة ثلة من الوجوه الفنية والثقافية البارزة بالمملكة.
وكان الملك محمد السادس قد وضع الحجر الأساس سنة 2014 لـ”المسرح الملكي” بهذا المعمار المبهر الذي أشرفت عليها المهندسة العراقية-البريطانية الراحلة زها حديد، حيث تم إعلان انطلاق ثورة ثقافية هادئة تهدف إلى إعادة صياغة الهوية الحضرية لعاصمة المملكة المغربية.
واندرجت هذه الرؤية الملكية ضمن المشروع المهيكل لـ “الرباط مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية”، وهو المشروع الذي استهدف جعل الثقافة والفن محورين أساسيين في حياة المواطن وفي ديبلوماسية المملكة الموازية، وجعل الثقافة قاطرة للتنمية، وليست مجرد ترف فكري، بحيث يساهم المسرح والفنون في ترسيخ قيم التسامح والجمال داخل المجتمع، مع تحويل العاصمة الرباط إلى مرجع تراثي عالمي يجمع بين عراقة المدن المسجلة في لائحة اليونسكو وبين طموحات الحداثة الجارفة.
وجاء تصميم “المسرح الملكي” ليعكس هذه الفلسفة، حيث اعتمدت المهندسة الراحلة زها حديد التي تعد واحدة من أشهر المهندسين المعماريين في التاريخ الحديث وأول امرأة تحصل على جائزة “بريتزكر”، التي تعادل جائزة نوبل في الهندسة، على الخطوط الانسيابية والمنحنيات الجريئة، بعد أن استلهمت شكل مبنى المسرح من تموجات نهر أبي رقراق المجاور للموقع، ليكون المبنى في تناغم تام مع الطبيعة والماء المحيط به.
“المسرح الملكي” بجانب برج “محمد السادس” على ضفتي نهر أبي رقراق
وعند الحديث عن المسرح الملكي، فإننا نتحدث عن رمز للجرأة المعمارية التي لا تضاهى، وهو ما أكده إبراهيم المزند، نائب المدير العام والمدير الفني لهذا الصرح، حين صرح بأن المسرح يمثل طموحا ثقافيا يتجاوز الحدود الجغرافية ليكون صلة وصل بين القارات. وتتجلى هذه الجرأة في التصميم الذي أبدعته المهندسة العالمية الراحلة زها حديد، والتي استطاعت أن تطوع الإسمنت والحديد ليحاكي انسيابية مياه نهر أبي رقراق المجاورة.
وتتمثل رؤية العاهل المغربي في إنشاء المسرح الملكي بالرباط، بجعل الثقافة محركا جوهريا للتنمية البشرية والاجتماعية ورافعة أساسية للاقتصاد الوطني، وكذا، تكريس القوة الناعمة للمملكة من خلال تفعيل الدبلوماسية الثقافية التي تفتح قنوات الحوار بين الحضارات وتجعل من الرباط عاصمة مغربية وقطبا عالميا يستقطب أرقى الفنون الكونية مع الحفاظ على الهوية المغربية الأصيلة.
كما سعى الملك محمد السادس من خلال هذا المشروع الضخم إلى تحقيق مصالحة تاريخية بين عراقة التراث المغربي المصنف لدى اليونسكو وبين الطموحات الحداثية الجريئة، ليصبح المسرح رمزا معماريا وحضاريا يضع المغرب في مصاف الدول الرائدة عالميا في مجال البنيات التحتية الثقافية، حيث تتجاوز هذه الرؤية حدود الجدران لتصل إلى صلب المجتمع، بجعل الفن وسيلة لترسيخ قيم التسامح والجمال وتوفير فضاءات احترافية تحتضن المبدعين الشباب وتنمي الذكاء الجماعي، مما يضمن إشعاعا قاريا ودوليا للرباط كمنارة للإبداع الإفريقي والعربي.
ويعكس موقع “المسرح الملكية” الكثير من الأبعاد الثقافية للعاصمة المغربية، حيث يلتقي الفن بالتقنية لتقديم بناية تتنفس وتتحاور مع محيطها التاريخي، متمثلا في صومعة حسان وضريح محمد الخامس، مما يخلق تناغما بصرياً فريدا يربط التاريخ بالمستقبل.
من الناحية التقنية والرقمية، فإن المسرح الملكي بالرباط يمتد على مساحة إجمالية تقارب 47 ألف متر مربع، وهو رقم يعكس ضخامة الطموح الذي رافق هذا المشروع منذ ولادته. وتتوزع هذه المساحة بين قاعة كبرى للعروض الأوبرالية والمسرحية تتسع لـ 1800 مقعد، صممت بأحدث المعايير الصوتية التي تضمن نقاءً صوتيا مثاليا دون الحاجة لوسائل تضخيم اصطناعية في حالات معينة، وهو إنجاز هندسي معقد.
بالإضافة إلى ذلك، يضم المشروع مسرحا مكشوفا في الهواء الطلق يتسع لـ 7000 مقعد شخص، مخصصا للمهرجانات الكبرى التي تحتضنها العاصمة، فضلا عن قاعات للتدريب واستوديوهات للتسجيل ومرافق مخصصة لاستقبال الفرق العالمية، مما يجعل منه منظومة متكاملة للصناعات الثقافية والإبداعية.
وتعكس فلسفة جعل الثقافة والمسرح ضمن الهوية التي تكتسبها مدينة الرباط، فالمسرح الملكي ليس مجرد جدران صماء، بل هو فضاء حي يهدف إلى ترسيخ الديمقراطية الثقافية وضمان وصول الفن الرفيع لجميع فئات المجتمع، هذا الصرح الذي تطلب استثمارات مالية مهمة وجهودا هندسية استمرت لسنوات، سيعكس رصيد المملكة الحضاري الغني وقدرتها على استيعاب تكنولوجيا العصر وصيحات المعمار الحديثة.