الأحداثبقلم: عبد الله النيوة
ناشط حقوقي وطالب باحث بكلية الحقوق – جامعة شعيب الدكالي
من صلب الريف المغربي، وتحديداً من قرية أمنود التي تختزل تاريخاً طويلاً من الصمود، انطلقت مسيرة إلياس العماري كشاب مسكون بهاجس التغيير ومثقل بأسئلة الهوية والعدالة الاجتماعية. في تلك المنعطفات الصعبة من تاريخ المغرب، اختار العماري الانخراط في النضال الطلابي والتلاميذي ضمن صفوف اليسار الراديكالي، وهي المرحلة التي لم تكن مفروشة بالورود، بل كلفته سنوات من الملاحقة والتخفي والاعتقال، مما صقل شخصيته القيادية ومنحه “شرعية الميدان” التي ميزته لاحقاً كأحد أبرز المهندسين التنظيميين في البلاد.
ولأن المسار النضالي الحقيقي هو الذي يتطور مع تحولات الوطن، فقد انتقل العماري من صدام الشارع إلى حوار المؤسسات، حيث برز دوره المحوري في تدبير ملفات حقوقية حساسة، لعل أبرزها الدفاع عن ضحايا الغازات السامة بالريف، وصولاً إلى كواليس هيئة الإنصاف والمصالحة. هناك، اشتغل إلياس بصمت لطي صفحة الماضي وجبر ضرر المناطق التي عانت من التهميش، محاولاً جسر الهوة بين الدولة والمنطقة، وهو ما جعله يكتسب ثقة فاعلين كبار مهدت الطريق لتحوله من مناضل “خارج النسق” إلى فاعل سياسي من داخل المؤسسات.
المحطة الأبرز التي هزت المشهد الحزبي المغربي كانت مساهمته في تأسيس “حركة لكل الديمقراطيين” التي ولدت من رحمها تجربة حزب الأصالة والمعاصرة. لم يكن العماري مجرد رقم في معادلة الحزب، بل كان “العقل المدبر” الذي استطاع في زمن قياسي تحويل “الجرار” إلى قوة سياسية تصدرت المشهد الانتخابي والجهوي. وبوصوله إلى الأمانة العامة للحزب ورئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة، بلغ مساره السياسي الذروة، حيث خاض معارك طاحنة ضد تيار الإسلام السياسي، محاولاً فرض مشروع حداثي وسط تجاذبات أيديولوجية كبرى.
غير أن مسيرة هذا الرجل الذي شغل الرأي العام لم تخلُ من لحظات تأمل ومراجعة، خاصة مع اندلاع حراك الريف الذي وضعه أمام اختبار تاريخي بين انتماءاته الجغرافية ومسؤولياته السياسية. ومن هنا، جاء انسحابه الهادئ واستقالته من مناصبه القيادية كخطوة أثارت الكثير من التأويلات، ليدخل في مرحلة “الغياب المؤثر” التي فضل فيها الابتعاد عن صخب السياسة اليومية نحو عوالم الفكر والثقافة. ويبقى إلياس العماري، في نظر المتتبع للشأن الوطني، حالة سياسية متفردة جمعت بين نضال اليسار وحنكة تدبير الدولة، تاركاً بصمة لا تمحى في مسار التحول الديمقراطي بالمغرب.
هيئة التحرير24 أبريل، 2026
إقرأ الخبر من مصدره