جيل الدرة

Écrit par

dans

رضا سكحال

لم نعش النكبة سنة 1948، ولم نكن شهودا على لحظة اقتلاع شعب من أرضه، ولا على تفاصيل الألم الذي رافقها – النكبة – من قتل وتهجير وترويع وتزوير للتاريخ، ولم نحمل في ذاكرتنا نكسة حرب 67 بكل ما رافقها من صدمات، ولا انكسار الحلم العربي في تلك اللحظة الفاصلة من التاريخ، كما لم تلتقط أذاننا كلمات جمال عبد الناصر في حينها، وهو يقدم استقالته بنبرة حزينة، حيث عبر صوته حدود بهية، كأنه يخاطب وجدان الأمة العربية بأكملها، وكل من يجري في شرايينه دماء النخوة والشرف.

لسنا ذلك الجيل الذي رأى بأم عينه جرائم “الهاجاناه” المروعة في حق الفلسطينيين – مجزرتي بلد الشيخ وسعسع- ولا من عاش تفاصيل “خطة دالت” الصهيونية، الهادفة إلى احتلال وتقسيم الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها بقوة السلاح والعنف، ولم نشعر بمرارة سقوط فلسطين تحت احتلال بدا أبشع من الاحتلال البريطاني، وإعلان “ديفيد بن غوريون” بشكل رسمي أن “الهاجاناه” أصبحت العمود الفقري لجيش الاحتلال، مكافأة لها على ما أقدمت عليه من وحشية وهمجية في قتل أصحاب الأرض.

نحن جيل الشهيد “محمد الذرة”، الذي ارتمى على الأريكة ليشاهد الرسوم المتحركة حين عاد من المدرسة، فشرع في البحث عن حلقة “داي الشجاع” و”كابتن ماجد”، لكنه وجد نفسه أمام مشهد آخر، مشهد مروع لاغتصاب الأرض وقتل أصحابها بدم بارد حتى لو كانوا أطفالا، لم نهضم ما رأته أعيننا نحن الجيل المتيم بـ “روبين هود” و”عمال المداخل”، قتل طفل يحتمي بوالده، ثم سقوطه مضرجا بدمه، كان ذلك الطفل هو “محمد الدرة”، وكانت تلك اللحظة كفيلة بأن تعيد تعريف القانون الدولي في أعيننا، وقد تساءلنا جميعا في ذات اللحظة:
أي تهديد هذا الذي كان يشكله طفل صغير لا يحمل حتى حجرا في يده؟.

ومنذ تلك اللحظة التي شاهدنا فيها الشهيد “محمد الدرة” يسبح في دمائه ونحن نكره عنصرية إسرائيل، ونكره الصهيونية وهمجيتها، بدأ وعينا يتشكل تجاه القضية الفلسطينية رويدا رويدا، وزاد تعاطفنا مع فلسطين، فأحببنا أغصان زيتونها وشياحها، عشقنا مقدساتها، واحترمنا تنوع أديانها.

وحين ترجل ياسر عرفات عن صهوة الحياة، ظلت صورة كوفيته لا تفارقنا، نظمنا مظاهرات حزنا على رحيله، لم نكن بذلك الوعي الذي سمح لنا بقراءة الحدث، ولم يكن بيننا مثقفين عضويين، ما حركنا ساعتها شعور فطري بالغضب والحزن على رحيل واحد من أصدق رجال العرب، رجل ظل محاصرا وسط مكتبه دون أن يهب العرب لنجدته، وحين رحل عن عالمنا رفرفت بيانات التعزية والمديح.

صمتت جامعة الدول العربية، ولم نفهم صمتها لصغر سننا ووعينا كذلك، انتظرنا ردا مزلزلا، لكن الزلزال حدث داخل أعماقنا حين شاهدنا صورة صدام حسين مشنوقا، والهمج يعبثون ببغداد الحضارة، والمرتزقة يرقصون بفرح مصطنع وسط شوارع العاصمة العراقية.

ازداد حقدنا وغضبنا، لكنه سرعان ما تحول إلى وعي بالقضايا العربية والإنسانية، ثم إلى استيعاب مفهوم حركات التحرر العالمية، ثم إلى تبني تصور علمي ينهل من ذلك القاموس الذي غزى أوروبا كشبح خرج من الظلام إلى النور إبان القرن التاسع عشر، حاملا على كتفيه قضية تحرر الإنسان من أغلال الإمبريالية.

ارتدينا الكوفية الفلسطينية ذات الصفوف البيضاء والسوداء بوعي، لم تكن بالنسبة لنا ولكل من يرتديها مجرد وشاح أو غطاء للرأس، بل إرثا ثقافيا ضاربا في جذور التاريخ، ملطخا بدماء من قاوموا الانتداب البريطاني، وهوية لشعب ظل صامدا كجبل تحدى جميع الهزات العنيفة وكل ارتداداتها.

نحن جيل الشهيد الدرة والشهيدة إيمان، التي ارتقت وسط قماطها وعمرها لم يتجاوز الشهرين، نحن الجيل الذي شهد رحيل “عرفات” وحيدا بجسم هزيل وصمود كبير، ونحن الذين غنينا مع السيدة “جوليا بطرس”، ونادينا معها عن العرب حتى بح صوتنا، وناشدنا الجيوش العربية عساها تهب لنجدة أرض فلسطين، ورددنا مع “محمود درويش” “حاصر حصارك لا مفر”، نحن الجيل الذي حمل معه خيبة حنظله وصدى صرخة “الحكيم حبش”، وأوجاع مداد “غسان كنفاني”، نحن الجيل الذي ما زال ينتظر أن يعود إلى حيفا.

نحن الجيل الذي أحب “ليلى خالد” من البطولات التي قرأها عن امرأة شوهت وجهها لتنخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، نحن الجيل الذي تبنى وصية “أمل دنقل” بحذافيرها، ونحن الجيل الذي سيبقى كارها للظلم وللاستعمار، رافضا لتفتيت الدول، واقفا في وجه كل المخططات الصهيو/أمريكية.

إقرأ الخبر من مصدره