زينب شكري
تتهيأ القاعات السينمائية المغربية لعرض فيلم “وشم الريح”، وهو عمل سينمائي جديد تقدمه المخرجة والسيناريست ليلى التريكي، التي اختارت من خلاله الاشتغال على أسئلة الهوية والانتماء من زاوية إنسانية ترتكز على التجربة الفردية وتقاطعاتها مع تحولات اجتماعية أوسع.
وأوضحت ليلى التريكي، أن الفيلم يتتبع قصة شابة تدعى صوفيا، وهي مصورة فوتوغرافية تقيم بمدينة طنجة، تكتشف بعد مرور سنوات طويلة أن والدتها الفرنسية، التي كانت تعتقد أنها توفيت، لا تزال على قيد الحياة في فرنسا، وهو ما يدفعها إلى اتخاذ قرار السفر بحثا عن هذا الجزء الغائب من حياتها، في رحلة تتحول تدريجيا إلى بحث عن الذات وإعادة تركيب الهوية.
وقالت التريكي، في تصريح لـ”العمق”، إن هذا الطرح يرتبط بموضوع الهويات المركبة التي نتجت عن علاقات وزيجات تعود إلى فترات الهجرة من بلدان المغرب الكبير نحو أوروبا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أفرزت حالات متعددة لأبناء فقدوا التواصل مع أحد الوالدين، سواء في أوروبا أو شمال إفريقيا، ليجدوا أنفسهم بعد عقود أمام إحساس بنقص في انتمائهم العائلي والثقافي.
وأضافت، أن الفيلم لا يقتصر على هذه المرحلة التاريخية، بل يوسع النقاش ليشمل أيضا تجارب اللجوء المرتبطة بالحروب والثورات، حيث تتشكل بدورها هويات متشظية، مبرزة أن العمل يطرح تساؤلا مركزيا حول إمكانية التوفيق بين هذه الأجزاء المختلفة داخل هوية واحدة متماسكة.
وفي سياق متصل، أشارت ليلى التريكي، إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من قصص عائلية بعيدة عايشتها خلال نشأتها، والتي أثارت لديها تساؤلات دفعتها إلى البحث، قبل أن تكتشف أن هذه الحالات منتشرة بشكل أوسع مما كانت تعتقد، وهو ما جعلها تعتمد على قصص واقعية لمهاجرين مغاربة استقروا بأوروبا وأنجبوا أطفالا فقدوا لاحقا التواصل مع أحد الوالدين لأسباب مختلفة.
وأبرزت التريكي، أن العمل لا يركز على الهجرة في حد ذاتها، بل على آثارها الممتدة على الأفراد والعائلات، خاصة على مستوى بناء الهوية وتوازن العلاقات الأسرية، مؤكدة أن الفيلم يرصد تداعيات قرارات اتخذت في سياقات معينة، لكنها انعكست بعد سنوات بشكل معقد على الأبناء.
وكشفت المخرجة، أن اختيار ممثلين من جنسيات مختلفة جاء انسجاما مع طبيعة القصة، التي تجمع تجارب إنسانية متعددة في سياق الهجرة واللجوء، حيث يضم العمل فنانين من المغرب وسوريا وفرنسا، من بينهم جيلالي فرحاتي، ووداد إلما، ومحمود نصر، وآن لواري، إلى جانب نادية نيازي وعز العرب الكغاط.
وأكدت التريكي، أن مقاربتها الإخراجية تنطلق أساسا من الاهتمام بالإنسان في عمقه النفسي وتعقيداته الداخلية، بعيدا عن الطرح السياسي أو السوسيولوجي المباشر، مشيرة إلى أن شخصيات “وشم الريح” كُتبت من منظور إنساني خالص، يسلط الضوء على تجارب خاصة اتخذ فيها أصحابها قرارات بدت في حينها طبيعية، غير أن آثارها ظهرت بعد سنوات بشكل مؤلم، خاصة على مستوى الأبناء.
وأشارت إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم هذه القضايا بأسلوب بسيط وقريب من الجمهور، رغم ثقلها، من خلال تفاصيل يومية تجعل المتلقي يتماهى مع الشخصيات، ويفتح نقاشا أوسع حول معنى الانتماء وإمكانية العيش بين ثقافتين أو أكثر، مع إبراز دور الفن كوسيلة للتعبير عن هذه الإشكالات.
وفي الجانب التقني، أفادت التريكي أن تصوير الفيلم جرى بين مدينتي طنجة وبوردو الفرنسية على مدى أربعة أسابيع، في اختيار يعكس المسار الجغرافي والرمزي الذي تسلكه البطلة في رحلتها.
كما أوضحت أن الفيلم من توقيعها على مستوى الإخراج والسيناريو، بشراكة مع المؤلف الأمريكي كايت كيننغهام، فيما تولى محمد الكغاط الإنتاج عبر شركة “New Generation Pictures”.