الأحداث بقلم محمد اعويفية
كل ما يسوق له هنا في آسفي عبر الوسائط المتعددة، لا يمكن اعتباره فعلا لقاء مفتوحا يستحق هذا الوصف. فمثل هذه اللقاءات لا تعدو أن تكون مسرحية سياسية محكمة الإخراج، توزع فيها الأدوار بعناية، ويمنح فيها الجمهور هامشا ضيقا لا يتجاوز التصفيق والهتاف باسم الزعيم الأوحد. وحتى إن تعدى الأمر ذلك، تطرح أسئلة مروضة سلفا. وهذا تحديدا ما يطفو على السطح عند الحديث عن اللقاء الذي يعتزم عبد الإله بنكيران تأطيره يوم السبت 25 أبريل الجاري، والذي يكاد يجمع الكل على معرفة مضمونه وفحواه قبل انعقاده.
الصورة الظاهرة تقدم الأمر كتمرين سياسي ديمقراطي عادي في التواصل المباشر مع الناس، لكن في جوهره يصعب تجاهل رائحة الحسابات الضيقة التي تفوح منه، في ظل الهيمنة المطلقة لحزب التراكتور على المدينة، بقيادة رئيس الجهة الحالي سمير كودار، وخلفه عائلة آل كاريم. فحين يستيقظ حزب العدالة والتنمية هكذا فجأة، وفي هذه الفترة بالذات، على فضيلة التواصل والإنصات لسكان آسفي بعد نكبة الأحد الأسود وما جرته على الآسفيين من ويلات، وبعد سنوات من التسيير الذي اتسم بالصمت والترهل في كل شيء، فهل هي يقظة ضمير من الحزب، أم مجرد إعادة تدوير لخطاب فقد صلاحيته وصار مستهلكا؟
المشكلة لم تعد في الشعارات التي يروجها حزب المصباح، بل في المصداقية التي تآكلت بعد عشر سنوات من التسيير، والهفوات الكثيرة التي ارتكبها في حق المغاربة، ولا تزال تؤثر على حياتهم إلى حد الساعة. أي معنى لهذا اللقاء المفتوح إذا كان المتحدث فيه واحدا، وخطابه له اتجاه واحد؟ أي انفتاح هذا الذي يختزل في حضور جماهيري، أغلبه من الأطفال والمراهقين، يستدعون لتأثيث الصورة لا لإحراج المسؤول أو محاسبته؟ ما يقدم هنا أقرب إلى تجمع تعبوي بغطاء تواصلي، حيث ستستعاد نفس اللغة ونفس الكلام الذي يحمل الآخر الخفي “العفريت والتمساح والمتحكم” كل الإخفاقات، ويتبرأ من حصيلة سنوات في السلطة، سواء على مستوى الحكومة أو على مستوى الجماعات القروية والحضرية، ومنها طبعا آسفي.
اختيار هذه الأخيرة لا يمكن فصله عن منطق الاصطفاف الانتخابي. فليست صدفة أن تستهدف مناطق تعرف هشاشة ما أو تنافسا سياسيا محتدما مع حزب التراكتور، للحد من قوته وسطوته الواضحة على المدينة. إنها خرائط ومواقع انتخابية تقرأ بحسابات وبعين خاصة، لا بعين المواطن وحاجاته وتطلعاته. وهنا يفقد هذا اللقاء أي براءة مفترضة يحاول إضفاءها عليه، ويتحول إلى مجرد أداة لقياس الاستعدادات والجاهزية الانتخابية، واستعادة الأنصار، والتعلق بأمل استقطاب متعاطفين جدد.
المقلق حقا هو أن هذا النوع من اللقاءات يكرس ثقافة سياسية قائمة على البهرجة والاستعراض والخطب الشعبوية، بدل الجرأة في الاعتراف بالأخطاء والمحاسبة عن سنوات سيروا فيها الدولة قبل المدينة، وعن الحصيلة البرلمانية والمشاريع التنموية التي جاء بها ممثلوهم. لا حديث جدي ينتظر عن المسؤولية، ولا تقييم صريح للمرحلة السابقة، ولا رؤية واضحة لما بعد البرامج والشعارات التي سترفع في هذا اللقاء المفتوح. فقط إعادة إنتاج لنفس اللغة والخطاب ونفس الوجوه، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن ذاكرة المواطنين ذاكرة سمك.
ما يسمى لقاء مفتوحا يبدو تمرينا لتلميع صورة متعبة، ومحاولة يائسة لاسترجاع ثقة تبخرت، أكثر منه رغبة صادقة في فتح نقاش سياسي ديمقراطي حقيقي. بين خطاب يقال ومنطق مورس عنوة وقد يمارس مجددا .
تبقى الهوة واسعة، وتبقى الأسئلة المؤجلة أكبر من كل المنصات الخطابية، مفتوحة كانت أو مغلقة.
“انتهى الكلام… واش فهمتي ولا لا؟؟”
هيئة التحرير22 أبريل، 2026
إقرأ الخبر من مصدره