زينب شكري
تنطلق، اليوم الجمعة، فعاليات الدورة الخامسة من المهرجان الدولي للسينما المستقلة بالدار البيضاء، باختيار يحمل دلالات واضحة، إذ يرتقب أن يكون فيلم “فلسطين 36” في واجهة الافتتاح، في عرض يحتضنه المركب الثقافي زفزاف، بحضور صناع العمل إلى جانب مهنيين وضيوف من المغرب وعدد من الدول.
ويأتي برمجة هذا الفيلم في افتتاح التظاهرة كإشارة فنية تعكس توجه المهرجان نحو الأعمال التي تعيد مساءلة القضايا التاريخية والإنسانية الكبرى، حيث يقدم “فلسطين 36” معالجة سينمائية مختلفة للقضية الفلسطينية، بعيدا عن الزوايا التقليدية التي ركزت لسنوات على أحداث النكبة وما بعدها، ليعود بالمتلقي إلى جذور الصراع في ثلاثينيات القرن الماضي.
الفيلم، من توقيع المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، ويندرج ضمن إنتاج دولي مشترك جمع بين فلسطين والمملكة المتحدة وفرنسا والدنمارك وقطر والسعودية والأردن، وهو ما يعكس حجم الرهان الفني والإنتاجي الذي رافق هذا المشروع، كما يستند إلى طاقم تمثيلي يضم أسماء بارزة في الساحة العربية والدولية، من بينها هيام عباس، كامل الباشا، ظافر العابدين، ياسمين المصري، صالح بكري، إلى جانب ممثلين أجانب.
وتدور أحداث العمل خلال فترة الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، حيث يغوص في تفاصيل مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين، اتسمت بتصاعد المقاومة ضد الانتداب البريطاني، في سياق سياسي معقد تداخلت فيه سياسات الاستعمار مع تدفق الهجرة اليهودية من أوروبا، وهو ما زاد من حدة التوتر داخل المجتمع الفلسطيني وأجج المخاوف المرتبطة بفقدان الأرض.
ويعتمد الفيلم على بناء سردي متعدد الشخصيات، ينقل صورة بانورامية عن المجتمع الفلسطيني آنذاك، من القرى إلى المدن، ومن الفلاحين إلى النخب، مرورا برجال الدين والمقاومين. ويبرز من خلال هذه المقاربة تنوع المواقف واختلافها، بين من اختار المواجهة المسلحة ومن وجد نفسه في علاقات ملتبسة مع سلطات الانتداب.
وفي قلب هذا النسيج الدرامي، تبرز شخصية “يوسف”، الشاب القادم من بيئة قروية، الذي يجد نفسه ممزقا بين واقعه الجديد في القدس، حيث يشتغل لدى صاحب صحيفة، وبين ارتباطه العميق بجذوره ومع تطور الأحداث، ينخرط تدريجيا في مسار المقاومة، في تجسيد لتحول فردي يعكس في العمق تحولات جماعية عاشها الفلسطينيون خلال تلك المرحلة، قبل أن تنتهي رحلته بالشهادة.
ويقدم “فلسطين 36” صورة مكثفة عن الحياة اليومية تحت الحكم الاستعماري، حيث تتحول تفاصيل بسيطة، كحرية التنقل أو العيش بأمان داخل الفضاء الخاص، إلى مطالب بعيدة المنال.
كما يرصد العمل أشكال القمع التي واجه بها الانتداب البريطاني تصاعد المقاومة، من اعتقالات جماعية وتعنيف ميداني إلى عمليات هدم وإحراق للمنازل، في مشاهد تعكس قسوة المرحلة.

ولا يكتفي الفيلم بتوثيق الأحداث، بل يطرح أيضا أسئلة مرتبطة بالذاكرة والتاريخ، من خلال إعادة قراءة تلك الحقبة بعين نقدية.
وفي هذا السياق، كانت المخرجة آن ماري جاسر قد أكدت، خلال العرض العالمي الأول للعمل ضمن مهرجان تورونتو السينمائي الدولي في 5 شتنبر 2025، أن هدفها من هذا المشروع يتمثل في مساءلة الدور البريطاني تاريخيا، ومحاولة وضعه في مواجهة مسؤوليته تجاه ما آلت إليه الأوضاع اليوم.
ويسجل للفيلم اختياره الاشتغال على مرحلة قلما حظيت بالاهتمام في السينما، رغم أهميتها في تشكيل ملامح الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث شهدت تلك الفترة أولى ملامح الانتفاضة المنظمة ضد الانتداب، في ظل تصاعد الوعي الجماعي بخطر فقدان الأرض والهوية.
وعلى مستوى التتويجات، بصم الفيلم على حضور لافت في عدد من التظاهرات السينمائية الدولية، حيث عرض في مهرجانات كبرى بعد مشاركته الأولى في تورونتو، من بينها مهرجانات أوروبية وعربية، كما حصد إشادات نقدية مهمة بفضل معالجته البصرية وعمقه التاريخي.
وتوج بعدة جوائز، خاصة في فئات الإخراج والسيناريو والتمثيل، ما يعزز مكانته كأحد أبرز الأعمال السينمائية التي أعادت طرح القضية الفلسطينية من منظور مختلف، يجمع بين التوثيق الفني والطرح الإنساني.