
الخط : A- A+
تتخبط الساحة العمالية في المغرب على وقع تراجع تدريجي في زخم الفعاليات النقابية الميدانية التي نُظمت تزامنا مع فاتح ماي، حيث تلاشت حدة التعبئة التي كانت تطبع هذا الموعد الأممي سنة بعد أخرى بفعل المشاكل التنظيمية العميقة التي تنخر جسد الإطارات النقابية الأكثر تمثيلية، وهذا الفتور التنظيمي ساهم في إضعاف القدرة على حشد الشغيلة، وتحولت المسيرات في كثير من الحواضر إلى مجرد بروتوكولات سنوية تفتقد للروح النضالية المطلوبة.
وفي هذا السياق، سجلت شوارع العاصمة الرباط في ذكرى العيد الأممي للعمال، اليوم الجمعة 01 ماي 2026، حضورا باهتا عكس تراجعا حادا في منسوب الحشد النقابي، حيث عاين موقع “برلمان.كوم” هذا التراجع الميداني في التعبئة، وهو الذي لم يرقَ إلى زخم السنوات الماضية، حيث بدت المنصات المخصصة للتجمعات أقل صخبا، في مؤشر واضح على تقهقر القدرة التأطيرية للمركزيات النقابية، وهو ما يترجم حالة “الفتور” التي أصابت القواعد العمالية.
ورغم ذلك، تعالت أصوات الطبقة العاملة للمطالبة بإنصافها وحماية مكتسباتها التاريخية أمام موجات الغلاء المتلاطمة، وفي هذا الصدد أعرب سفيان الرباج، عضو اللجنة الإدارية للشبيبة العاملة المغربية والكاتب الإقليمي للشبيبة التعليمية بطنجة أصيلة “umt”، في تصريح لموقع “برلمان.كوم” عن قلق بالغ يعتري الشغيلة التعليمية وعموم الأجراء جراء الارتفاعات المتواصلة في الأسعار وأسعار المحروقات بالمغرب، معتبرا أن هذا الوضع بات يهدد بشكل مباشر التوازن المعيشي للأسر المغربية، ويستنزف الدخل الحقيقي للعمال الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة أزمة اجتماعية متأزمة تستدعي حلولا عاجلة لا تحتمل التأجيل.
ويرى القيادي في الجامعة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، أن تحميل المواطن البسيط تبعات التقلبات المتقلبة في السوق الدولية يفتقد لروح العدالة والإنصاف، فالرهان اليوم يقع على عاتق الدولة لممارسة دورها السيادي في ضبط الأسعار ولجم جماح المضاربات التي تعبث بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وهو ما يتطلب تفعيل آليات حقيقية للحماية الاجتماعية تضمن صون كرامة المواطن وحق الأجيال القادمة في العيش الكريم بعيدا عن سياسات تقشفية تزيد من حدة الفوارق الطبقية.
وفلسفة الإصلاح المنشود تمر حتما عبر بوابة الحوار الاجتماعي المسؤول والجدي، وهو المطلب الذي يشدد عليه الرباج كمدخل “أساسي لمعالجة تداعيات غلاء المعيشة التي أضحت تؤرق بال الجميع دون استثناء، فبناء استقرار اجتماعي دائم لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التوزيع العادل للأعباء الاقتصادية بين مختلف مكونات المجتمع، ومن هنا تأتي ضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات بنية صادقة تهدف إلى إيجاد مخرجات ملموسة تنهي حالة الاحتقان وتؤسس لمرحلة جديدة من الثقة المتبادلة بين المؤسسات والشغيلة”.
وفي صلب هذه المطالب العمالية، يبرز مقترح الرفع من الأجور كضرورة حتمية تفرضها ظروف الواقع الراهن، حيث لم تعد المداخيل الحالية قادرة على مسايرة الارتفاع المهول في تكاليف الحياة الأساسية، كما أن الشغيلة التعليمية تضع ملف إصلاح نظام التعاقد على رأس أولوياتها، مطالبة بنظام أساسي يضمن الكرامة والعدالة الوظيفية ويحقق الأمان المهني بعد سنوات من العطاء في خدمة الناشئة، وهو ما يمثل حجر الزاوية في بناء منظومة تربوية قوية قادرة على رفع تحديات المستقبل.
ومن جهة أخرى شدد المتحدث على أن المدرسة العمومية تظل هي الحصن الأخير للديمقراطية والارتقاء الاجتماعي، والدفاع عنها وعن كرامة نساء ورجال التعليم هو جوهر الرسالة التي يحملها سفيان الرباج ورفاقه في المركزية النقابية، فالكلمة اليوم في ميادين فاتح ماي تنطق بلسان الحال والمقال لتؤكد أن صون السلم الاجتماعي رهين بمدى استجابة الحكومة للمطالب العادلة والمشروعة، وتنزيل سياسات عمومية تضع الإنسان في صلب اهتماماتها، لتستمر رحلة البناء الوطني على أسس متينة من الحق والقانون والسيادة المهنية المستقلة.