
رشيد بوهدوز
قراءة نقدية في موقف المعهد الملكي وأثره على أمازيغية الريف لماذا يُعد “الشوا” (ⴻ) رئة اللغة الرقمية؟
ليست الكتابة مجرد طريقة لرسم اللغة. إنها، قبل ذلك، طريقة في تخيّل القارئ.
من هو هذا القارئ الذي نكتب له؟
هل هو المتكلم الأصلي الذي يعرف النطق بالسليقة؟ هل هو الطفل الذي يفتح كتاب الأمازيغية لأول مرة؟ هل هو الناطق الشفهي الذي يتحدث الأمازيغية في البيت والشارع، لكنه لم يألف بعد قراءتها بتيفيناغ؟ أم هي الآلة التي نطلب منها اليوم أن تقرأ نصاً أمازيغياً وتحوّله إلى كلام؟
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
من هنا تبدأ مشكلة الشوا في الأمازيغية. ذلك المصوت المركزي القصير [ə]، الممثل في تيفيناغ بالرمز ⴻ، ليس مجرد حرف صغير يمكن المرور عليه كما لو كان تفصيلاً ثانوياً. إنه، في مواضع كثيرة، الحدّ الفاصل بين كتابة تُرى وكتابة تُقرأ.
هل نكتب الأمازيغية لكي تبدو موحدة أمام العين، أم لكي تنفتح بوضوح على اللسان؟
حين أستعمل عبارة “إعدام الشوا”، لا أقصد أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حذف ⴻ حذفاً مطلقاً. هذا غير صحيح. المعهد أبقى عليه في حالات محدودة، خاصة حين يفرض ذلك تفادي الثقل الصامتي أو ضمان المقروئية. لكن ما حدث، في تقديري، هو أن الشوا تحوّل إلى استثناء ضيق، بينما صار الاقتصاد فيه هو الأصل.
وهذا الاقتصاد ليس بريئاً دائماً.
في أمازيغية الريف تحديداً، له كلفة واضحة.
نعم، لقد ظُلمت الريفية معيارياً؛ لا لأنها استُهدفت، بل لأن حاجتها الصوتية لم تُحتسب كما ينبغي.
حجة المعهد وحدودها
لنبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ أي نقد جاد: من إنصاف الحجة المقابلة.
المعهد لم يختر الاقتصاد في الشوا عبثاً. لقد انطلق من تصور فونولوجي يرى أن الكتابة المعيارية لا ينبغي أن تسجل كل تفاصيل النطق المحلي، بل تكتفي بالعناصر الصوتية التي تميز المعنى. وبما أن الشوا في عدد من التحليلات يُعد صوتاً إقحامياً، يظهر لتيسير النطق بين الصوامت، لا فونيماً مستقلاً في كل المواضع، فقد بدا حذفه نوعاً من الاقتصاد.
هذا مفهوم.
لا يمكن لأي معيار وطني أن يكتب كل التفصيلات الصوتية لكل المتغيرات. ولو فعل ذلك، لتحولت الكتابة إلى نسخ صوتي ضيق، ولصعب بناء معيار مشترك. غير أن ما يبدو معقولاً في المبدأ قد يصبح قاسياً حين يُطبَّق على متغيرات لا تحتمل القدر نفسه من الحذف.
السؤال إذن ليس فقط: هل الشوا يميز المعنى دائماً؟
السؤال الأهم: ماذا يحدث للقراءة حين نحذفه؟
هل تصبح الكلمة أثقل على الطفل؟
هل يرتبك غير الناطق؟
هل تضطر الآلة إلى التخمين؟
هل تفقد الريفية شيئاً من إيقاعها ونَفَسها؟
الكتابة ليست مختبراً للفونولوجيا وحدها. إنها أداة تعليم وقراءة وأدب ورقمنة. وقد يكون الصوت غير مميز للمعنى، لكنه مع ذلك ضروري للمقروئية. هذه نقطة لا ينبغي التهوين منها.
وقد يقال إن الأمازيغية، بانتمائها إلى الأسرة الأفروآسيوية، تستطيع أن تتحمل اقتصاداً واسعاً في المصوتات كما تتحمله العربية أو العبرية. غير أن الانتماء العائلي لا يعني التطابق البنيوي. ما يسمح للعربية، مثلاً، بدرجة عالية من الكتابة الكونسوناتية هو نظام جذري وصرفي يمنح القارئ مراسي دلالية وصرفية يستعيد من خلالها كثيراً من المحذوف. أما الأمازيغية، وخاصة في استعمالاتها الريفية والتعليمية والرقمية، فلا يجوز أن تُعامَل كما لو كانت نسخة أخرى من منطق الكتابة السامية. القياس هنا مضلل؛ فالمعيار لا ينبغي أن يستعير صمت غيره إذا كانت بنيته هو تحتاج إلى نفسٍ أوضح.
حين يعترف المعهد بما يريد تضييقه
في كتاب La nouvelle grammaire de l’amazighe الصادر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2008، يقر التصور المعياري بأن النظام الإملائي يميل إلى الفونولوجية، لكنه ليس فونولوجياً بصرامة. هذه ليست ملاحظة تقنية عابرة. إنها اعتراف بأن الكتابة، حين تتصل بالتعليم والقراءة، لا تستطيع أن تكون مختبراً صارماً.
لذلك يثبت المعهد الشوا في بعض المواضع حين يخدم المقروئية Lisibilité، خاصة عند توالي صوامت متطابقة أو حين يؤدي غيابه إلى التباس أو ثقل في القراءة.
هذه هي الثغرة التي يجب أن نقرأ منها موقف المعهد.
إذا كان ⴻ مشروعاً حين ينقذ القراءة من التعثر في مواضع محدودة، فلماذا لا يكون مشروعاً حين ينقذ قراءة الريفية في مواضع أوسع؟ لماذا تُفهم المقروئية فقط داخل حالات صرفية ضيقة، ولا تُفهم حين يصبح القارئ طفلاً، أو غير ناطق، أو ناطقاً شفهياً لم يتدرب على تيفيناغ، أو آلة؟
نحن لا نطالب بإلغاء المعيار. نطالب بتوسيع مبدأ اعترف به المعيار نفسه.
إذا كان المعهد يقر بأن نظامه غير فونولوجي بصرامة حمايةً للمقروئية، فإن هذا الإقرار يفتح الباب شرعياً لمطالبة المعيار بالاعتراف بالمقروئية الريفية والرقمية، لا بوصفها نزوة محلية، بل بوصفها حالات استحقاق مساوية للحالات التي استثناها المعيار أصلاً.
كتابة تمتحن القارئ
في اللسانيات النفسية، يُستعمل مفهوم العمق الإملائي للتمييز بين أنظمة كتابية شفافة وأخرى عميقة. الكتابة الشفافة تقرّب المسافة بين الحرف والصوت. أما الكتابة العميقة فتخفي جزءاً من المعلومات الصوتية وتطلب من القارئ أن يستعيدها من معرفته السابقة.
العربية غير المشكولة مثال معروف. وكذلك العبرية دون علامات الحركات. القارئ المتمرس يقرأ بسهولة، أما المتعلم فيحتاج إلى ذاكرة وسياق وتوقع.
حين نقتصد الشوا أكثر مما ينبغي، ندفع الأمازيغية نحو عمق إملائي إضافي. تصبح الكلمة أقل إرشاداً للقارئ، وأكثر اعتماداً على سليقة لا يملكها الجميع.
وهذا قد يكون مقبولاً عند المتكلم الأصلي المتمرس. لكنه مكلف عند الطفل. ومربك عند غير الناطق. ومغلق أحياناً أمام من يعرف الأمازيغية صوتاً ولا يعرفها كتابة. وصعب على الآلة.
الأمازيغية، في وضعها الراهن، لا تحتاج إلى كتابة تمتحن القارئ. تحتاج إلى كتابة تفتح له الباب.
الكتابة المقتصدة كتابة للنخبة
الكتابة التي تقتصد كثيراً في الشوا تفترض قارئاً مثالياً: قارئاً أمازيغياً متمرساً، يعرف النطق مسبقاً، ويستطيع أن يعيد بناء ما حُذف اعتماداً على ذاكرته الصوتية.
هذا القارئ موجود.
لكنه ليس وحده.
هناك طفل يتعلم تيفيناغ لأول مرة. هناك متعلم عربي اللسان يقترب من الأمازيغية بوصفها لغة وطنية. هناك مواطن يرى حروف تيفيناغ على واجهة مؤسسة، فيريد أن يقرأها لا أن يكتفي برؤيتها. وهناك أيضاً الناطق الشفهي بالأمازيغية: يتحدثها في البيت والحي والعائلة، ويفهم نبرتها وإيقاعها بالسليقة، لكنه حين يواجه نصاً مكتوباً بتيفيناغ يجد نفسه أمام عتبة أخرى، هي عتبة الانتقال من اللغة المنطوقة إلى اللغة المقروءة. فهذا القارئ لا تنقصه الأمازيغية؛ ما ينقصه أحياناً هو الجسر بين الصوت والحرف.
يعرف الكلمة حين يسمعها، لكنه قد يتردد حين يراها مكتوبة بلا المصوتات التي تعينه على إعادة بنائها. وهناك، أخيراً، الآلة، التي لا تملك ذاكرة ولا جدة ريفية تعلّمها أين تضع النفس.
لهؤلاء جميعاً، يصبح الاقتصاد المفرط في الشوا عائقاً.
الكتابة التي تفترض السليقة السابقة كتابة نخبوية، حتى لو بدت بسيطة في عدد حروفها. أما الكتابة الشفافة فهي كتابة ديمقراطية، لأنها تسمح للقارئ الجديد بأن يدخل اللغة من النص نفسه، لا من ذاكرة لا يملكها.
إذا أردنا للأمازيغية أن تكون لغة وطنية مشتركة، لا لغة نخبة متكلمة فقط، فعلينا أن نجعل كتابتها أكثر رحمة بمن لا يملك سليقتها.
وليس هذا المطلب غريباً عن التقليد الأمازيغي نفسه. فقد سبق مولود معمري، في Tajeṛṛumt n tmaziɣt سنة 1976، إلى اختيار كتابة الشوا في القبائلية بالحرف e. لم يكن ذلك جهلاً بالنقاش الفونولوجي، بل وعياً مبكراً بأن النص الذي يصمت أكثر مما ينبغي يمتحن قارئه. لذلك فالدفاع عن الشوا ليس استيراداً لمبدأ خارجي، بل امتداد لوعي أمازيغي داخلي قديم: الكتابة ينبغي أن تساعد القارئ، لا أن تفترض أنه يعرف كل شيء قبل أن يقرأ.
الريفية ليست تاشلحيت
من أخطاء المعيرة المركزية أنها قد تتعامل مع الأمازيغية كما لو كانت بنية صوتية واحدة.
ليست كذلك.
بعض التحليلات اللسانية لتاشلحيت بينت أن الصوامت قد تؤدي أحياناً دوراً مقطعياً واسعاً، وأن بعض السلاسل الصامتية يمكن أن تنتظم دون الحاجة إلى مصوت ظاهر في كل موضع. هناك، قد يجد الاقتصاد في الشوا شيئاً من التبرير.
لكن الريفية ليست تاشلحيت.
في أمازيغية الريف، يشتغل الشوا، في مواضع كثيرة، بوصفه آلية مقطعية تساعد الكلمة على الانتظام. ليس صوتاً زائداً يُضاف للراحة فقط. إنه عنصر صغير يفتح الكلمة ويمنحها قابلية النطق.
حين نعمم سياسة اقتصاد قد تبدو مناسبة في متغير معين على متغير آخر يختلف عنه، فنحن لا نوحد اللغة. نحن نسوّي بين حاجات مختلفة.
وهنا يظهر ما أسميه الحيف المعياري البنيوي. فالريفية لم تُقصَ بالاسم، ولم تُستهدف صراحة. لكنها تضررت من قاعدة تبدو عامة ومحايدة، لأنها تحمل كلفة أكبر على المتغير الذي يحتاج الشوا أكثر من غيره.
لا يحتاج الحيف البنيوي إلى نية سيئة. يكفي أن تطبق القاعدة نفسها على متغيرات لا تملك الحاجة نفسها.
أمازيغية الريف: حين يصبح الصمت عائقاً أمام النطق
تتضاعف أهمية الشوا في الريفية بسبب طبيعة نسيجها الصوتي. فالريفية تعرف ظواهر تجعل الصوامت أكثر احتكاكية ورخاوة، ومنها ظاهرة الارتقاق. وحين تتراكم هذه الصوامت، يحتاج اللسان إلى عتبات صغيرة تساعده على الانتقال من صوت إلى آخر.
هنا يعمل الشوا كإسمنت مقطعي. قد لا يكون بارزاً دائماً، لكنه يحفظ تماسك البناء.
لنأخذ المثال المعروف:
ⵜⵓⴷⵔⵜ
القارئ الريفي المتمرس قد يقرأها بسهولة، لأنه يعرف الكلمة من قبل. لكنه لا يقرأها من النص وحده؛ يقرأها من ذاكرته.
أما الطفل، أو غير الناطق، أو الآلة، فيرون سلسلة صوامت تحتاج إلى تفكيك.
حين نكتب:
ⵜⵓⴷⴻⵔⵜ
فنحن لا نضيف حشواً. نحن نكشف البنية المنطوقة: tu-dert. نمنح القارئ دليلاً بصرياً على موضع النفس. نمنح المتعلم فرصة أن يقرأ دون تخمين. ونمنح الآلة معلومة مقطعية كانت ستبحث عنها بجهد أكبر.
والكلمة تعني “الحياة”.
لا تخلو المفارقة من دلالة: أحياناً تحتاج الحياة في النص إلى حرف صغير كي تتنفس.
إزران: حين تبدو الموسيقى ناقصة في العين
تظهر أهمية الشوا أيضاً في إزران، الشعر الغنائي الريفي. والإزري لا يقوم على المعنى وحده، بل على الإيقاع، والنفس، وتوزيع المقاطع.
المنشد الريفي لا يحتاج إلى رؤية الشوا كي ينطقه؛ الذاكرة الشفوية تحفظه. لكن حين ينتقل الإزري من الفم إلى الورقة، يصبح حذف الشوا مشكلة.
لا نبالغ هنا. حذف الشوا لا يهدم وزن إزران في الأداء الشفهي. المنشد سيظل ينشد كما اعتاد. ما يتضرر هو تمثيل الوزن كتابياً. لأن إزران يعتمد، في جانب من موسيقاه، على المقاطع الصوتية. فإذا حُذف الشوا، قد يبدو البيت في العين ناقصاً: خمسة مقاطع حيث يسمع المنشد سبعة، أو تتابعاً صامتاً حيث يوجد في الفم موضع نفس.
هنا ينشأ انفصام بين بصرية النص وموسيقاه.
الفم يعرف ما يفعل.
الورقة لا ترشد من لم يسمع.
والباحث في العروض يجد نفسه مضطراً إلى إعادة بناء ما حذفه الإملاء. والآلة، إن طُلب منها تقطيع الإزري أو قراءته، لن تجد في النص ما يكفي من العلامات.
التراث الشفهي يحفظ الشوا لأن الغناء يحتاجه. أما المعيار المكتوب فيقتصده باسم التوحيد. فإذا كانت إزران ذاكرة الريف الإيقاعية، فإن ⴻ أحد المفاتيح الصغيرة التي تسمح لهذه الذاكرة بأن تعبر من الصوت إلى النص دون أن تفقد نفسَها.
الأدب الريفي ليس استمارة إدارية
في النص الإداري قد يكون الاختصار مفهوماً. أما الأدب فليس استمارة لغوية باردة.
الأدب لا ينقل المعنى وحده. ينقل الصوت، والنبرة، والرجفة، والتردد، والحميمية.
في رواية أمازيغية ريفية، حين يهمس البطل بكلمة ⵜⵓⴷⴻⵔⵜ، فهو لا ينطق صوامت جافة. إنه يرسل زفرة وجودية يمثلها ذلك الشوا الصغير. تجريد هذه الكلمة من مصوتها في النص الأدبي ليس مجرد اقتصاد إملائي؛ إنه، في مواضع كثيرة، تجريد للشخصية من نبرتها البشرية، وتحويل للأدب إلى كتابة أبرد مما ينبغي.
الأدب صوت.
ومن حق الصوت أن يترك أثره في الكتابة.
حين تصبح تيفيناغ حروفاً صامتة
تتضاعف المشكلة حين نخرج من دائرة الناطق الأصلي. الأمازيغية اليوم لم تعد لغة البيت أو القرية فقط. إنها لغة المدرسة، والواجهات، والإدارة، والمنصات الرقمية.
يراها غير الناطق على شاشة أو لافتة أو وثيقة، فيريد أن يقرأها.
لكن ماذا يحدث حين يرى سلسلة من حروف تيفيناغ وقد حُذفت منها المصوتات التي تساعد على النطق؟ تتحول الكتابة في عينه إلى علامات صامتة: جميلة بصرياً، حاضرة رمزياً، لكنها لا تقوده إلى الصوت. تصبح تيفيناغ أقرب إلى أبجدية معروضة لا إلى لغة مقروءة.
وهذا خطر حقيقي.
الأبجدية التي لا تُقرأ لا تنقل اللغة. إنها تعرضها فقط.
إذا كان هدف ترسيم الأمازيغية وتعليمها هو جعلها لغة وطنية مشتركة، فلا يكفي أن تظهر حروفها على الواجهات. يجب أن يستطيع غير الناطق أن يقترب من نطقها.
الشوا، في مواضعه الوظيفية، يساعد على ذلك. إنه يقول للقارئ الجديد: هنا افتح الكلمة، هنا ضع النفس، هنا لا تجعل الصوامت كتلة واحدة.
الأمازيغية والذكاء الاصطناعي: هل نُطعم الآلة نصوصاً خرساء؟
كل ما قلناه عن غير الناطق ينطبق، بدرجة أشد، على الآلة.
فالآلة لا تعرف أين تضع الشوا إلا إذا أعطيناها قاعدة أو بيانات. حين نطلب من محرك قراءة آلية أن يقرأ نصاً أمازيغياً، لا يمكنه أن يعتمد على ذاكرة الجدة، ولا على أذن ريفية، ولا على خبرة شفوية. إنه يتعامل مع ما نكتبه له.
إذا كتبنا نصاً أمازيغياً باقتصاد مفرط في الشوا، فنحن نطلب من الآلة أن تخمّن. وهذا التخمين مكلف. في اللغات الكبرى، قد تعوض الخوارزميات هذا النقص بموارد ضخمة:
قواميس نطق، ومدونات صوتية، وملايين الجمل. أما الأمازيغية، وهي لغة قليلة الموارد الرقمية، فلا تملك ترف إخفاء المعلومة الصوتية ثم مطالبة الذكاء الاصطناعي باستعادتها وحده.
حذف الشوا كتابياً يُجبر المطورين على بناء خوارزميات معقدة للتنبؤ بما حُذف: أين تُدرج الحركة؟ أين يبدأ المقطع؟ أين ينبغي لمحرك القراءة الآلية أن يفتح الصوت؟
في المقابل، يمكن بلمسة إملائية واحدة، أي بإثبات ⴻ حيث يلزم، أن نوفر هذه البيانات سيادياً داخل النص نفسه، وأن نجعل الأمازيغية أكثر سلاسة في التفاعل مع الذكاء الاصطناعي. هذه السيادة الصوتية شرط لا غنى عنه لأيّ لغة قليلة الموارد تريد أن تحضر في العصر الرقمي بكامل تفاصيلها لا بشبحها فقط. ما يختصره الكاتب بحرف واحد قد يدفع المطور ثمنه طبقات من التخمين والمعالجة.
وقد أظهرت دراسة Afkir & Zellou المنشورة في Phonetica سنة 2026 حول الكلام الموجّه إلى الروبوت في التاريفيت نتيجة ذات دلالة كبيرة: حين خاطب المتكلمون الريفيون روبوتاً، لم ينتجوا الأشكال اللاصوتية قطّ، رغم ظهورها بنسب محدودة في القراءة العادية؛ بل زادوا إدراج الشوا، وأطالوا مدته في السياق الروبوتي. بعبارة أوضح: حين يشعر المتكلم الريفي أن مخاطبه ضعيف الكفاءة، لا يحذف الشوا، بل يعززه. وهذه نتيجة تقلب منطق الاقتصاد الرسمي رأساً على عقب: الإنسان يضيف ما يحتاجه الوضوح، بينما المعيار يحذف ما تحتاجه الآلة.
المفارقة واضحة:
المتكلم الريفي يُظهر الشوا حين يريد أن تفهمه الآلة، بينما المعيار يقتصد الشوا في النص الذي ستعالجه الآلة.
هذه ليست مفارقة لغوية فقط. إنها مفارقة رقمية أيضاً. فإذا كنا نريد أمازيغية قابلة للقراءة الآلية، وتحويل النص إلى كلام، والتعرف الآلي على الكلام، فعلينا ألا نخفي عن الآلة مفاتيح النطق.
نحو معيار لا يظلم الريفية
لا أدعو هنا إلى فوضى إملائية، ولا إلى رفض تيفيناغ، ولا إلى كتابة الشوا في كل موضع بلا قاعدة.
المطلوب أهدأ وأعمق: مراجعة مبدأ الاقتصاد المفرط في الشوا.
ولا يعني ذلك أن نستبدل اقتصاداً مفرطاً بفوضى مقابلة؛ فتحديد المواضع الدقيقة لإثبات ⴻ سؤال تقعيدي مستقل، يحتاج إلى دراسات صوتية، وتجارب قراءة، ومعاجم معيارية. ما يهم هذا المقال أسبق من ذلك: أن نقر أولاً بأن الاقتصاد الواسع في الشوا ليس محايداً، وأنه يخلّف كلفة خاصة على الريفية، وعلى المتعلم، وعلى غير الناطق، وعلى الآلة.
يمكن الحفاظ على تيفيناغ خطاً موحداً، وعلى المعيرة إطاراً مشتركاً، لكن مع اعتماد تصور أكثر مرونة. في بعض المتغيرات أو المواضع، قد يكون الاقتصاد في الشوا مقبولاً. أما في أمازيغية الريف، وفي التعليم، وفي النصوص الأدبية، وفي إزران، وفي المعاجم، وفي تطبيقات تحويل النص إلى كلام، وفي الواجهات الرقمية، فإن الشفافية أولى.
ما أقترحه هو معيار أمازيغي مرن متعدد المستويات. لا لتفتيت اللغة، بل لتنظيم التعدد.
يمكن تشبيه الأمر بالخرائط: هناك خريطة سياسية تُظهر الحدود العامة، وخريطة طبوغرافية تُظهر التضاريس. لا تلغي إحداهما الأخرى؛ كل واحدة تخدم غرضاً مختلفاً.
كذلك يمكن أن يكون لدينا معيار إداري مقتصد في بعض السياقات، ومعيار شفاف للتعليم والأدب والرقمنة، حيث يحتاج القارئ والآلة إلى تفاصيل صوتية أوضح.
ولنكن دقيقين: المطلوب ليس إثبات الشوا حيثما وُجد صوتياً بشكل عشوائي، بل التفكير في إثباته وظيفياً حيث تكون كلفة حذفه واضحة: في تفكيك التراكمات الصامتية الثقيلة، ومنع التباس الحروف المتماثلة، وحفظ بعض الحدود الصرفية، وتمثيل الإيقاع في النصوص الشعرية والتراثية. أما تحديد القواعد الدقيقة لذلك فيحتاج إلى عمل معياري مستقل.
بهذا لا يكون الشوا تهديداً للوحدة، بل أداة لتنظيم التعدد. الوحدة الحقيقية لا تعني أن تتنفس كل المتغيرات بالطريقة نفسها. الوحدة الحقيقية تعني أن نجد نظاماً يسمح لكل متغير بأن يُقرأ بوضوح داخل مظلة مشتركة.
معيار يعرف متى يتنفس
إعدام الشوا، أو الاقتصاد المفرط فيه، لم يكن مجرد قرار إملائي محدود الأثر. في أمازيغية الريف، ترك هذا الاختيار أثراً واضحاً: جعل القراءة أثقل، وجعل تيفيناغ أحياناً أقرب إلى حضور بصري منه إلى أداة نطق، وجعل غير الناطق والآلة يدفعان كلفة ما كان يمكن للكتابة أن توضحه.
المعهد لم يخطئ لأنه أراد الوحدة. أخطأ حين جعل وحدة العين أحياناً أعلى من وضوح اللسان. وأخطأ حين افترض قارئاً يملك السليقة، بينما الأمازيغية اليوم تُكتب أيضاً لمن لا يملك سليقتها الكتابية: الطفل، والمتعلم، والناطق الشفهي، والقارئ غير الناطق، والآلة.
الدفاع عن ⴻ ليس دفاعاً عن حرف صغير، ولا هجوماً على المعيرة، ولا دعوة إلى الفوضى. إنه دفاع عن كتابة أمازيغية أذكى: تعرف متى تختصر، ومتى تُظهر؛ متى تصمت، ومتى تتنفس.
نحن لا نطلب معياراً أكثر حروفاً.
نطلب معياراً أكثر عدلاً مع الريفية، وأكثر رحمة بغير الناطق، وأكثر استعداداً للرقمنة.
فالمعيار الذي نريده ليس معياراً يكتب كل شيء، ولا معياراً يحذف أكثر مما ينبغي.
إنه معيار يعرف متى يصمت، ومتى يترك للغة أن تتنفس.
شفافية الكتابة ليست ترفاً لسانياً للنخبة، بل حق ديمقراطي للمتعلم، وشرط رقمي للغة تريد أن تدخل المستقبل بصوتها، لا برسمها فقط.
-باحث في النقد الأدبي الأمازيغي والرقمنة
إقرأ الخبر من مصدره