سمير الباز
لم تعد السياسة في المغرب مجرد صراع حول السلطة أو تنافس انتخابي، بل أصبحت، بشكل متزايد، سؤالا حول من ينتج المعنى داخل هذا الحقل. لأن أخطر ما يمكن أن تعيشه السياسة ليس الاختلاف، بل الفراغ؛ فراغ في الرؤية، في النقاش، وفي القدرة على تأطير المجتمع فكريا.
في هذا السياق، يبرز معطى لافت: انسحاب تدريجي للمثقف من قلب الفعل السياسي، مقابل صعود فاعلين يشتغلون بمنطق التدبير أكثر من التفكير. لم يعد المثقف حاضرا داخل المؤسسات بنفس القوة، بل أصبح في كثير من الأحيان متموقعا خارجها، ناقدا أو مترددا، وهو ما يطرح سؤالا مقلقا: إذا غاب من ينتج الأفكار، فمن يصوغ المعنى؟
لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى سؤال النخبة نفسه: هل هي ضمير المجتمع وقوته العقلانية، أم مجرد فئة تعيد إنتاج مواقعها داخل بنية السلطة؟ منذ أفلاطون في الجمهورية، ارتبطت النخبة بفكرة المعرفة والقيادة الأخلاقية، حيث يفترض أن من يعرف أكثر، يتحمل مسؤولية أكبر. غير أن هذا التصور المعياري تراجع مع صعود الدولة الحديثة، حين فصل ميكافيلي في الأمير بين الأخلاق والسياسة، وجعل معيار الفعل السياسي هو القدرة على الحفاظ على الدولة.
ومع تطور التحليل السوسيولوجي، اعتبر “باريتو”أن النخب لا تختفي، بل تتبدل في إطار ما سماه “تداول النخب”. أي أن الفراغ لا يدوم؛ إذا انسحبت نخبة، عوّضتها أخرى، لكن ليس بالضرورة بنفس المستوى من الوعي أو الالتزام. وهذا ما يجعل السؤال اليوم في المغرب ليس حول وجود النخبة، بل حول نوعيتها ووظيفتها.
الدولة، من جهتها، تشتغل وفق منطق خاص بها. فهي معنية بالاستقرار، وبإدارة التوازنات، وباتخاذ قرارات تحكمها النتائج أكثر من النوايا. هذا ما عبّر عنه ماكس فيبر حين ميّز بين أخلاقيات المسؤولية وأخلاقيات القناعة. في هذا الإطار، تبدو الدولة فاعلا براغماتيا بامتياز، يقدّم ما هو ممكن على ما هو مثالي.
لكن السياسة، في جوهرها، ليست تدبيرا فقط. إنها أيضا إنتاج للمعنى، وصياغة للأفق، وبناء للسرديات التي تمنح الفعل السياسي مشروعيته. وهنا يظهر دور المثقف، لا كمعلق من الخارج، بل كفاعل قادر على تحويل المعرفة إلى قوة اقتراحية. غير أن هذا الدور يبدو اليوم في حالة تراجع.
جزء من النخبة اختار مسافة نقدية من المؤسسات، بدافع فقدان الثقة أو رفض منطق التدبير القائم. غير أن هذا الاختيار، رغم وجاهته في بعض الحالات، يتحول عمليا إلى عزوف يترك المجال مفتوحا أمام فاعلين أكثر قدرة على التكيف مع قواعد اللعبة. وهكذا، لا يتوقف إنتاج المعنى، بل يعاد تشكيله داخل دوائر ضيقة، غالبا بمنطق تقني أو براغماتي، لا بمنطق فكري نقدي.
في هذا السياق، نبّه أنطونيو غرامشي إلى أن الصراع السياسي ليس فقط صراعا على السلطة، بل أيضا على المعنى. فالنخب، أو ما سماه “المثقفين العضويين”، تلعب دورا في توجيه الوعي وتشكيل التصورات. وعندما يغيب هذا الدور، لا يختفي التأثير، بل ينتقل إلى فاعلين آخرين، قد لا يكونون معنيين بنفس الأسئلة القيمية.
كما أشار بيير بورديو إلى أن النخب تعيد إنتاج نفسها عبر آليات خفية، تجعل حضورها يبدو طبيعيا. وفي حالات كثيرة، تتحول الكفاءة إلى رأسمال مغلق، وتصبح السياسة مجالا لإعادة توزيع المواقع بدل إنتاج الأفكار. هذا ما يعمّق الإحساس لدى جزء من النخبة بأن المشاركة غير مجدية، فيتكرّس العزوف أكثر.
في السياقات التي تتداخل فيها السياسة مع منطق الزبونية والريع، يزداد هذا الإشكال تعقيدا. وقد عبّر فرانتز فانون عن ذلك بوضوح، حين أشار إلى أن بعض النخب قد تتحول إلى مجرد وسيط يعيد إنتاج نفس البنيات بدل تغييرها. وهنا تفقد النخبة وظيفتها التمثيلية، وتتحول في نظر المجتمع إلى جزء من المشكلة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في النخبة وحدها. فالعزوف هو أيضا نتيجة سياق عام: ضعف الثقة، محدودية الأثر، وإحساس متزايد بأن قواعد اللعبة لا تسمح دائما بتحويل الأفكار إلى سياسات. لكن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالا حاسما: هل يمكن للسياسة أن تستمر دون فكر؟
الجواب الواقعي هو أنها تستمر، لكن بشكل مختلف: سياسة تُدار أكثر مما تُفكر، وتُنتج قرارات أكثر مما تُنتج معنى. وهذا ربما أخطر ما يمكن أن تصل إليه الحياة السياسية، لأن غياب المعنى يفرغ الفعل السياسي من قدرته على الإقناع والتأطير.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بعودة المثقف إلى السياسة، بل بإعادة تعريف دوره داخلها. فالمثقف ليس من يكتفي بالنقد، ولا من يذوب في منطق السلطة، بل من يحوّل القيم إلى اقتراح، والمعرفة إلى تأثير، والمسافة النقدية إلى فعل.