أحمد الفراك
في المشهد الفني المعاصر، يبرز اسم رشيد غلام ليس مجرد صوتٍ شجي، بل ظاهرة وجودية تجمع بين رقيّ الجمال النفيس وعمق التربية الأخلاقية. إنه يمثل تلك الوحدة العضوية بين الذوق الرفيع والهمة العالية والاطلاع الموسوعي، حيث يتحول الغناء عنده من مجرد طرب عابر وحرفة للتكسب إلى فعل “تنوير” روحي و”تثوير” معرفي.
كينونة الموقف: وجه واحد في عالم متعدد الوجوه
يعيش رشيد غلام مفارقة الوجود بين هويتين وجنسيتين: المغربية والبريطانية. غير أن هذه الثنائية لا تعكس انشطاراً في الذات؛ بل على العكس، هي تجسيد لرفض “الازدواجية الأخلاقية”. إنه الإنسان الذي يعيش بجنسيتين اضطرارا ولكنه لا يعيش بوجهين.
في فلسفة الوجود، يمثل غلام “الصدق المخبري”، حيث تتطابق الكلمة مع الممارسة، والأخلاق مع الرسالية، وتتحد الذات مع المبدأ، ضارباً عُرض الحائط بكل أشكال النفاق الاجتماعي أو السياسي. كما يقول هيجل: “إذا كنا نريد أن نعزو إلى الفن هدفا نهائيا فإنه لا يمكن أن يكون سوى هدف كشف الحقيقة”1.
صوت المستضعفين: الالتزام وتبعات الكلمة
اشتهر غلام عالمياً ودخل قلوب الملايين قبل بيوتهم، رغم كونه عاش تجربة “الاضطهاد” والتضييق طيلة مساره الفني، وهي مفارقة تؤكد أن “الكلمة المسؤولة” لا تُحاصر، بل تكتسب قوتها من شدة الضغط عليها. لقد اختار بفنه القيام في وجه القهر، متبنياً قضايا المظلومين والمستضعفين، ولم يكن غناؤه مجرد استعراض للحناجر، بل كان “مانيفستو” (بياناً) للقيم النبيلة: المحبة والعدل والأمن والسلام.
لقد تجشم الغلامُ عناء “تبعات الكلمة”، مدركاً أن الفن الحقيقي هو الذي يحمل قضيته على عاتقه، ويسير في درب الآلام دفاعاً عن كرامة الإنسان، ولا يزال كذلك حتى يكون مثَلا في فنه، وهو كذلك كان.
تراتيل المحبة: من الأنطولوجيا إلى الغيب
تتجلى عبقرية غلام في قدرته على تسريد الحب الإلهي والحب النبوي بلغة فنية رفيعة، محولاً الأشواق الروحية إلى لغة كونية يفهمها الجميع. ومع ذلك فغناؤه ليس انعزالاً عن الواقع، بل هو بحثٌ حثيث عن “المطلق” في زمن “النسبي”. إنه يغني للسلام ولكن ليس بوصفه شعارا باردا واستسلاما بليدا، بل لأنه يليق بكرامة الإنسان وضرورة وجودية لتحقيق إنسانيته.
وختاما، إن رشيد غلام المؤمن الصابر، والشخص الشهم، والفنان المثقف، قاوم ثقافة الاسترذال ولم يسقط في فخ الابتذال، عاش كريما بأدبه الراقي وأخلاقه النبيلة، أثبت أن الفن يمكن أن يكون أداة للتحرر، وأن الصوت عندما يصدر عن قلب مخموم ويمتزج بوعي رسالي واطلاع واسع، يصبح جسراً يربط الأرض بالسماء، والذات بالآخر، في وحدة إنسانية متعالية لا تقبل التجزئة.
شافاك الله وعافاك أخي العزيز رشيد ورفع قدرك وأجزل لك العطاء دنيا وأخرى، وأن إلى ربك المنتهى.
1– هيغل، فريدريك. المدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 1988م، ص 100