حزب العدالة والتنمية: التوظيف السياسي للفن بين فجاجة الاستغلال والانفتاح المفاجئ

Écrit par

dans

الأحداث بقلم محمد اعويفية

المواطن البسيط قد يبدو له خبر تزكية حزب العدالة والتنمية للفنانة الآسفية فاطمة وشاي وكأنه لحظة انفتاح غير منتظرة لكنها مستحبة، أما عند المتتبعين لشؤون الأحزاب وتقلباتها البراجماتية مع اقتراب الانتخابات، فيبدو أنهم أمام واحدة من أبشع صور التوظيف السياسي للفن، وضوحا وفجاجة. تزكية الفنانة الآسفية وشاي من طرف حزب العدالة والتنمية ليست، كما يسوق لها، انتصارا و تمجيدا للفن الملتزم أو اعترافا بقيمة المرأة المغربية الفنانة والمبدعة، بقدر ما هي محاولة مكشوفة لإعادة تدوير صورة حزب أنهكته الإخفاقات والتناقضات، وأضعفه كثيرا جهران الكوادر المعروفة الوازنة والمؤثرة.

فالحزب الذي ظل لسنوات يبعث برسائل ملتبسة وغامضة تجاه الوسط الفني، واحتضن في خطابه تيارات لا تخفي تحفظها على الفن، بل ذهبت في سنة 2011 إلى حد المطالبة بفرض قيود مشددة على الإنتاج السينمائي ،ومنع عرض بعض الأفلام “كحجاب الحب ” و فلم “أزرق القفطان ” يعود اليوم الحزب بمرجعيته الإسلامية ليقدم فنانة كواجهة انتخابية. هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تغير حزب المصباح كليا، أم أن قناعته فقط هي التي تغيرت؟ لأن الفرق كبير بين قناعة فكرية راسخة بقيمة الفن وجدواه في تهذيب الحياة العامة، وبين استدعائه في موسم الانتخابات كأداة لحصد الأصوات واستغلال النجومية من أجل مقعد في قبة البرلمان.

الحديث عن دعم الفن الملتزم يثير، بدوره، كثيرا من الشك والريبة. فمن يحدد معنى الالتزام هذا؟ ومن يمنح صكوكه؟ أليس في هذا الوصف اختزالا للفن في وظيفة إشهارية ودعائية ضيقة، بدل اعتباره فضاء حرا للتعبير والنقد والاختلاف؟ حين يصبح الفنان ملتزما وفق مقاييس محددة لحزب سياسي، فإننا نكون قد نقلنا الإبداع من مجال الحرية الواسع إلى خانة التوظيف السياسي الضيقة.

ثم إن تقديم هذا الترشيح كانفتاح في آخر لحظة على فئة اجتماعية هو في حد ذاته، اعتراف ضمني بأن العلاقة مع الفن كانت متوترة، أو على الأقل غير طبيعية. والانفتاح الحقيقي لا يقاس بترشيح فرد بعينه، و مهما كانت قيمته في عالم النجومية، بل بمواقف ثابتة وسياسات واضحة تحترم التنوع الثقافي والفني دون انتقائية أو انتهازية.

أما التهليل لهذا الترشيح باعتباره مكسبا لمدينة آسفي، تبعا لأصول الفنانة وشاي فهو بدوره، خطاب عاطفي أكثر منه واقعي. فالمعيار في التمثيل النيابي ليس الشهرة ولا الحضور الفني الوازن ، بل القدرة على الترافع كما يجب عن قضايا المواطنين داخل مؤسسة تشريعية معقدة تتطلب تكوينا وخبرة سياسية وتشريعية، لا مجرد اسم برصيد رمزي.

يبدو أن حزب العدالة والتنمية يحاول، مرة أخرى، القفز على الأسئلة المؤرقة المطروحة أمامه، عبر صناعة لحظة إعلامية مثيرة وجذابة. لكن الرهان على الرمزية بدل المضمون، وعلى الصورة بدل المشروع السياسي والبرامج التنموية، قد يمنح نقاطا سريعة في بداية معركة التواصل، لكنه نادرا ما يصمد أمام الوعي السياسي المتنامي للمواطنين، حتى البسطاء منهم.

الرهان الحقيقي ليس في استقطاب الممثلة القديرة فاطمة وشاي أو غيرها من الفنانين، بل في الاعتراف الصريح، ووضوح الرؤية، وصدق المواقف، وقبل كل شيء، احترام ذكاء المغاربة، والناخبين الشباب على الخصوص. وما عدا ذلك، يبقى أمر توزيع التزكيات مجرد إخراج هاو غير متقن لمشهد قديم… بوجوه جديدة.

هيئة التحرير4 مايو، 2026

إقرأ الخبر من مصدره