عبد الصمد سكال
الرئيس السابق لمجلس جهة الرباط سلا القنيطرة
بعد الاطلاع على مشروع القانون التنظيمي رقم 26 031 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 14-111 المتعلق بالجهات فوجئت بحجم التراجعات التي يتضمنها عن المشروع الطموح للجهوية المتقدمة، وعن الوضع الحالي، وعدم مراعاة واحترام لعدد للمقتضيات الدستورية ذات الصلة بالجهوية، وخاصة ما تعلق بالمبادئ الدستورية التالية:
الموقع المركزي للجهوية المتقدمة: حيث نص البند الأخير من المادة الأولى من الدستور على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة.”
مبدأ التدبير الحر: حيث نصت المادة 136 من الدستور على أن ” التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن؛ ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة.”
مبدأ التفريع: حيث نصت المادة 140 من الدستور على أن “للجماعات الترابية، وبناء على مبدإ التفريع، اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة”.
وسيتم إبراز هذه التراجعات والمخالفات عبر تناول أربعة محاور من مضامين مشروع القانون التنظيمي رقم 26 031 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 14-111 المتعلق بالجهات، وهي تلك المتعلقة بالمواضيع التالية:
– الاختصاصات؛
– التعاقد بين الجهات والدولة؛
– تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع؛
– ممارسة السلطة التنظيمية فيما يهم الجهات من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.
I. في موضوع الاختصاصات:
– تقليص كبير في الاختصاصات الذاتية من 19 إلى 6 اختصاصات فقط، وذلك عبر:
الإلغاء الكلي لستة اختصاصات هي:
1. جذب الاستثمار ؛
2. إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية؛
3. إحداث مراكز جهوية للتكوين وكذا مراكز جهوية للتشغيل وتطوير الكفاءات من أجل الإدماج في سوق الشغل ؛
4. الإشراف على التكوين المستمر لفائدة أعضاء المجالس وموظفي الجماعات الترابية؛
5. – إعداد تصميم النقل داخل الدائرة الترابية للجهة ؛
6. – تنظيم خدمات النقل الطرقي غير الحضري للأشخاص بين الجماعات الترابية داخل الجهة.
وتحويل 8 اختصاصات من ذاتية إلى مشتركة، ويتعلق الأمر ب:
1. تهيئة الطرق والمسالك السياحية في العالم القروي؛
2. إحداث مناطق للأنشطة التقليدية والحرفية؛
3. إنعاش الأنشطة غير الفلاحية بالوسط القروي ؛
4. الإسهام في المحافظة على المواقع الأثرية والترويج لها ؛
5. تنظيم المهرجانات الثقافية والترفيهية؛
6. تهيئة وتدبير المنتزهات الجهوية ؛
7. وضع استراتيجية جهوية لاقتصاد الطاقة والماء ؛
8. إنعاش المبادرات المرتبطة بالطاقة المتجددة.
وملائمة أو تدقيق بعض الاختصاصات، وهي كالتالي:
– تغيير “دعم المقاولات” ب “دعم االاستثمار المنتج وتحفيز المبادرة المقاولاتية” وفق معايير وشروط تحدد بنص تنظيمي.
– “إنعاش أسواق الجملة الجهوية” ب “إحداث المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية وتدبيرها.”
– “بناء وتحسين وصيانة الطرق غير المصنفة” ب “بناء وتهيئة وصيانة الطرق غير المصنفة التي يشمل مجالها الترابي أكثر من عمالة أو إقليم.”
وإضافة اختصاصيين جديدين:
– الإسهام في تعبئة العقار اللازم لإحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية بالجهة؛
– إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية وتنفيذه.
وقد حددت المادة 80 من القانون التنظيمي للجهات تعريف الاختصاصات الذاتية والمشتركة كما يلي: ” تشتمل الاختصاصات الذاتية على الاختصاصات الموكولة للجهة في مجال معين بما يمكنها من القيام، في حدود مواردها، وداخل دائرتها الترابية، بالأعمال الخاصة بهذا المجال، ولا سيما التخطيط والبرمجة والإنجاز والتدبير والصيانة.
تشمل الاختصاصات المشتركة بين الدولة والجهة الاختصاصات التي يتبين أن نجاعة ممارستها تكون بشكل مشترك. ويمكن أن تتم ممارسة هذه الاختصاصات المشتركة طبقا لمبدأي التدرج والتمايز. ”
مما يفيد أن الاختصاصات الذاتية هي الأصل، وهي ما يمنح للجهة التمايز من حيث الأدوار عن باقي المتدخلين في التنمية المجالية والتدبير المجالي، وبالتالي فالتقليص الكبير منها تقليص في أدوار الجهات، خصوصا عندما نجد أن مجالات كاملة لم تعد حاضرة في الاختصاصات الذاتية للجهات مقارنة بما هو عليه الوضع حاليا، ويتعلق الأمر بمجالات النقل والتكوين والبيئة والثقافة.
أما الاختصاصات المشتركة وكما وقع تعريفها، فيستفاد من ذلك أن دور الجهات فيها هو بالأساس دور تكميلي لدور الدولة، خاصة على مستوى التمويل، حيث تلجأ القطاعات الوزارية إلى مجالس الجهات لطلب دعمها في تمويل مشاريع أو برامج أو مرافق وخدمات هي من صميم اختصاصها.
وحيث تم تحويل الجزء الأكبر من الاختصاصات الذاتية للجهات من اختصاصات ذاتية إلى اختصاصات مشتركة، فإن من شأن ذلك أن يقلص من دورها كفاعل تنموي مستقل، له رؤيته ومقاربته للتنمية المجالية إلى أن تصبح أقرب إلى مجرد مصدر تمويل إضافي لبرامج القطاعات الوزارية. مما يعني تخليا عن جوهر الجهوية المتقدمة واللامركزية ، بما هي إعطاء أدوار وصلاحيات واسعة للجماعات الترابية لاتخاذ القرار في مجال التنمية وتدبير شؤون المواطنين، في إطار من التكامل والانسجام مع باقي المتدخلين وعلى رأسهم الحكومة، وفق المبدأ الدستوري للتفريع.
كما أن في ذلك ضربا لمبدأ التفريع كمبدأ دستوري يفيد وجوب إحداث تمايز واضح في أدوار الجماعات الترابية والدولة، وبين المستويات الثلاث للجماعات الترابية (الجهات ومجالس العمالات والأقاليم والجماعات).
والتمايز في الأدوار مؤشره هو تقليص مجالات التداخل والاختصاصات المشتركة بين مختلف الفاعلين المذكورين أعلاه. والحاصل أن مشروع القانون التعديلي عوض أن يعالج الإشكالات التي كانت مطروحة على هذا المستوى فاقم منها بتوسيع مجال الاختصاصات المشتركة عوض التقليص منها.
كما أن أحد أهم الإشكالات التي تعاني منها تجربة الجهوية في المغرب كانت، وما تزال هي عدم النقل الفعلي للاختصاصات الذاتية للجهات إلى هذه الأخيرة لتتكلف حصريا بممارستها، وتدقيق مضامينها، وهو ما شكل موضوع عمل كثيف بين جمعىة الجهات بالمغرب والقطاعات الوزارية المعنية، وأساسا قطاع الداخلية، في الولاية السابقة لمجالس الجهات، دون التمكن من تحقيق النتائج المتوخاة، لأسباب لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال. وكان من المفترض أن تشكل المراجعة الحالية فرصة للقيام بذلك، وقد بذل مجهود محدود جدا في هذا الشأن عبر بعض التدقيقات في تعريف بعض الاختصاصات، ولكن ذلك يبقى غير كاف.
كما أن الحل السهل المتمثل في إلغاء عدد من الاختصاصات، لا ينسجم مع مبدأ التفريع، ويضعف من موقع الجهات كما أسلفنا.
II. التعاقد: تحويل المبادرة من مجالس الجهات إلى الدولة وإلغاء الضوابط المحددة لمجالاته
التوجه الذي استنتجناه من القراءة في التعديلات ذات الصلة بالاختصاصات، يتأكد عندما نتأمل في التعديلات ذات الصلة بالتعاقد.
وقبل التطرق لمضامين التعديلات التي همت موضوع التعاقد، (المادة 93 من القانون التنظيمي)، لا بد من الوقوف عند منطق اعتماد التعاقد بين الدولة والجهات.
لقد نصت المادة 80 من القانون التنظيمي 14 111 المتعلق بالجهات على أنه يناط بالجهة داخل دائرتها الترابية مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها. ومن أجل ذلك فهي تعد المخطط الجهوي لإعداد التراب وبرنامج التنمية الجهوية.
والأكيد أن صياغة برنامج مندمج للتنمية الجهوية، سوف يستوجب تضمينه بعض المشاريع والبرامج والإجراءات التي لا تدخل بالضرورة في الاختصاصات الذاتية للجهة، ولكن المقاربة المندمجة للتنمية تستوجب تنفيذها، من هنا سمحت المادة 93 القانون التنظيمي 14 111 المتعلق بالجهات لهذه الأخيرة بإمكانية إنجازها، ولو كانت من ضمن الاختصاصات المشتركة، أو حتى المنقولة، بشرط أن يتم ذلك في إطار تعاقدي مع الدولة.
وهكذا نصت هذه المادة على ما يلي: ” يمكن للجهة، بمبادرة منها، واعتمادا على مواردها الذاتية، أن تتولى تمويل أو تشارك في تمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية بشكل تعاقدي مع الدولة إذا تبين أن هذا التمويل يساهم في بلوغ أهدافها.”
مما يعتبر مقاربة متقدمة، تعطي الأولوية لاندماجية وانسجام برامج التنمية، مع جعل المبادرة في يد مجلس الجهة، المسؤول، بنص القانون على ” النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها” (المادة 80 من القانون التنظيمي للجهات).
غير أن التعديل المقترح على هذه المادة جاء على الشكل التالي: ” يمكن للجهة، بمبادرة من الدولة، أن تساهم في تمويل إنجاز مشروع أو برنامج وطني داخل دائرتها الترابية، لا يدخل ضمن اختصاصاتها.”
وهكذا وبعدما كان التعاقد بين الجهة والدولة يتم بمبادرة من الجهة، أصبح الأمر في التعديل بمبادرة من الدولة، مع إلغاء الضابط الذي يتمثل في اشتراط أن يكون تمويل الجهة لما لا يدخل في اختصاصاتها الذاتية مشروطا بأن تكون المشاركة في تمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية بأن يكون من شأنه أن يساهم في بلوغ أهدافها كما في المادة الأصلية. أي الأهداف المحددة في برنامج التنمية الجهوية.
ليصبح الأمر مفتوحا لتقدير الدولة ( ممثلة بطبيعة الحال بوالي الجهة) دون قيد أو شرط. بحيث يمكنها أن تبادر لاقتراح ما تراه من مشاريع وبرامج على الجهات بغض النظر عن اندراجها من عدمه في الرؤية والبرنامج التنموي للجهة.
ولكن إذا استحضرنا أن مشروع تعديل القانون التنظيمي جاء في سياق توفير شروط تنفيذ ما سمي ب “الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة”، والذي أشرف الولاة والعمال على إعداده، يصبح واضحا أن هذا التعديل جاء لتوفير “مرجعية قانونية” وإجرائية “للدولة “ممثلة ب “الولاة” من أجل إشراك مجالس الجهات في تمويل وإنجاز هذه البرامج، التي ستحل بطبيعة الحال فعليا محل برامج التنمية الجهوية لمات بقى من الولاية الحالية لمجالس الجهات، وستشكل مرجعية برامج التنمية الجهوية للمجالس التي ستنتخب سنة 2027، ما دامت مدة تنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة قد حددت حسب بلاغ المجلس الوزاري الأخير في 8 سنوات، أي أنها تغطي ما تبقى من الولاية الحالية لمجالس الجهات، وكل الولاية 2027-2033.
وهكذا ننتقل من منطق التعاقد لتنفيذ رؤية وبرنامج الجهة، إلى تحويل الجهة إلى مجرد مشارك في تمويل وتنفيذ برنامج الدولة على مستوى الجهة، المعد أساسا من طرف الولاة والعمال.
III. تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع، أو السحب الناعم للأداة التنفيذية من الجهة.
يشكل التنصيص على إحداث الوكالات الجهوية لإنجاز المشاريع، أحد أهم الإبداعات التي جاء بها مشروع الجهوية المتقدمة، باعتبارها أداة مؤسساتية تابعة لمجلس الجهة وتحت سلطته الكاملة، ومكلفة ب:
– مد مجلس الجهة، كلما طلب رئيسه ذلك، بكل أشكال المساعدة القانونية والهندسة التقنية-المالية عند دراسة وإعداد المشاريع وبرامج التنمية؛
– تنفيذ مشاريع وبرامج التنمية التي يقرها مجلس الجهة.
كما يمكن لمجلس الجهة أن يعهد إلى الوكالة باستغلال أو تدبير بعض المشاريع لحساب الجهة، طبقا للشروط والكيفيات التي يحددها بمقرر . (المادة 130)
حيث نصت المادة 129 من القانون التنظيمي للجهات على أن الوكالة تخضع لوصاية مجلس الجهة. ويكون الغرض من هذه الوصاية العمل على احترام أجهزتها المختصة لأحكام هذا القانون التنظيمي، وخاصة ما يتعلق منها بالمهام المنوطة بها.
وتخضع الوكالة أيضا للمراقبة المالية للدولة المطبقة على المنشآت العامة وهيئات أخرى طبقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل.
وحدد القانون الإشراف على الوكالة في لجنة للإشراف والمراقبة تتألف تحت رئاسة رئيس مجلس الجهة من الأعضاء المزاولين مهامهم التالي بيانهم:
– عضوين من مكتب مجلس الجهة يعينهما الرئيس ؛
– عضو من فرق المعارضة يعينه المجلس ؛
– رئيس لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة للجهة ؛
– رئيس لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للجهة ؛
– رئيس لجنة إعداد التراب للجهة ؛ (المادة 132)
مما يفيد أن الوكالة تسير حصريا من طرف أعضاء مجلس الجهة.
كما أن تعيين مدير الوكالة يتم بقرار لرئيس المجلس، بعد فتح الترشيح لشغل هذا المنصب. (المادة 138)
غير أن تحويل هذه الوكالات الجهوية إلى شركات جهوية، كما جاء في مشروع تعديل القانون، جاء منظما بعدد من المقتضيات نذكر منها:
– تحول الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع المحدثة لدى كل جهة إلى شركة مساهمة ذات مجلس إدارة تحمل تسمية “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع ” تخضع لأحكام هذا القانون التنظيمي والقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة ولنظامها الأساسي ويشار إليها في هذا القانون التنظيمي باسم الشركة الجهوية. (المادة 128)
– تملك الجهة أغلبية رأسمال الشركة الجهوية وتملك أشخاص اعتبارية أخرى خاضعة للقانون العام النسبة المتبقية من رأسمال الشركة المذكورة. (المادة 130)
– استثناء من أحكام القانون رقم 17.95 السالف الذكر، يحدد، بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، النظام الأساسي الأول للشركة الجهوية، الذي يتضمن على وجه الخصوص، قائمة أعضاء مجلس الإدارة الأوائل ومبلغ رأسمالها الأول. (المادة 130)
– توسيع مجال تدخلها ليشمل تنفيذ البرامج والمشاريع لحساب الدولة والجماعات الترابية وكل شخص اعتباري خاضع للقانون العام، وذلك في إطار اتفاقيات تبرم لهذا الغرض. (المادة 132)
– يطلع المدير العام للشركة الجهوية مجلس الجهة، خلال الدورة العادية لشهر أكتوبر على حصيلة الأنشطة المتعلقة بإنجاز البرامج والمشاريع المعهود عليها بها من لدن الجهة.
– يعين المدير العام للشركة الجهوية بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. المادة 135)
– تعرض على مصادقة والي الجهة مقررات مجلس إدارة الشركة الجهوية المتعلقة بما يلي:
o ميزانية الشركة الجهوية؛
o برنامج عمل الشركة الجهوية؛
o الاتفاقيات المتعلقة بإنجاز البرامج والمشاريع المشار إليها في «البند «ج» من المادة 129 أعلاه ؛
o النظام المحدد لقواعد وطرق إبرام الصفقات الخاص بالشركة الجهوية. (المادة 137)
من هذه المقتضيات يستفاد ما يلي:
– فتح رأس مال الشركة لمساهمين آخرين، يعني أن مجلس الإدارة سيتضمن أعضاء آخرين يمثلون باقي المساهمين، بعدما كانت لجنة الإشراف والتسيير للوكالات الجهوية مشكلة حصريا من منتخبي مجلس الجهة.
– النظام الأساسي لهذه الشركات سيتم إعداده بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، كما تم الحرص على إضافة جملة: “الذي يتضمن على وجه الخصوص، قائمة أعضاء مجلس الإدارة الأوائل ومبلغ رأسمالها الأول “، في نص المادة 130 من الصيغة المعدلة للقانون، مما يعطي لوزارة الداخلية كامل الصلاحية والسلطة لتقرير ما تراه فيما يتعلق بتشكيلة المجلس الإداري ومختلف المقتضيات المنظمة لعمل هذه الشركات.
– أكثر من ذلك فوزير الداخلية هو الذي يعين مدير الشركة بقرار، ودون حتى ان يكلف المشروع نفسه التنصيص على ان ذلك يكون باقتراح من رئيس المجلس!!
– الشركات الجهوية يمكنها ان تنجز مشاريع لصالح الدولة وباقي الجماعات الترابية الأخرى، بعدما كان دورها منحصرا في تنفيذ مشاريع مجلس الجهة؛
– بعدما كان مدير الوكالة الجهوية ملزما بإطلاع المجلس بحصيلة عمل الوكالة كاملا في دورة أكتوبر، الشركة لا تطلعه إلا على حصيلة الأنشطة المتعلقة بإنجاز البرامج والمشاريع المعهود عليها بها من لدن الجهة فقط ؛
– أهم مقررات مجلس إدارة الشركة الجهوية خاضعة لمصادقة والي الجهة (الميزانية، برنامج العمل, الاتفاقيات، نظام الصفقات) وليس على مجلس أو رئيس الجهة.
– وأخذا بعين الاعتبار ما جرى به العمل بالنسبة لشركات التنمية التي تحدثها الجماعات الترابية من إسناد رئاستها للولاة والعمال كلما تعدد الشركاء فيها، بداعي أن الولاة والعمال، وباعتبارهم ممثلين للسلطة المركزية ومكلفين بالمراقبة الإدارية للجماعات الترابية بنص الدستور، هم من يتعين أن يترأسوا المجالس الإدارية للشركات التابعة للجماعات الترابية عندما تكون الوزارات أو المؤسسات العمومية أو الشركات التابعة للدولة شركاء فيها. فالغالب أن ذلك ما سيتم بالنسبة لهذه لشركات. وما الحرص على جعل أهم القرارات ذات الصلة بهذه الشركات (النظام الأساسي للشركات، تعيين المدير) كلها تتم بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية إلا مؤشر واضح على ذلك.
وبذلك ستصبح هذه الشركات التابعة قانونيا لمجالس الجهات، لكنها عمليا خاضعة للإشراف الكامل لوزارة الداخلية وممثلها بالجهة.
كما أن تخويل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية ممارسة صلاحيات “السلطة التنظيمية” في مؤسسات تابعة للجهة، لا سند دستوري له، ويعد مخالفة واضحة لمبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في الدستور.
وهذه النقط سيتم تناولها بتدقيق وتفصيل في العنوان التالي.
IV. الإحالة على نصوص وقرارات تنظيمية في مجال الجهات والجماعات الترابية: لا سند دستوري له ويخرق المبدا الدستوري للتدبير الحر.
من خلال قراءة مواد مشروع القانون يلاحظ كثافة الإحالة على نصوص تنظيمية وقرارات للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية فيما له علاقة بالجهات والمؤسسات التابعة لها، رغم أنه من الناحية الدستورية، لا وجود لما يبرر ذلك أو يسمح بذلك.
وبيان ذلك كالتالي:
الدستور المغربي مقسم لأبواب منفصلة، حيث السلطة التنفيذية مفصلة في باب والجماعات الترابية في باب آخر.
نص الفصل 136من الدستور على ارتكاز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، والذي يعني تمتعها باستقلالية تامة عن السلطة التنفيذية وتوفرها على كل الصلاحيات والهياكل التي تمكنها من تدبير شؤونها بشكل مستقل.
نص الفصل 71 من الدستور على أن نظام الجماعات الترابية ومبادئ تحديد دوائرها الترابية يندرج في إطار اختصاص التشريع. وجاءت الإشارة لنظام الجماعات الترابية عامة.
كما أن الفصل 146 من الدستور حدد بوضوح أن قانونا تنظيميا سيحدد بصفة خاصة:
– شروط تدبير الجهات والجماعات الترابية الأخرى لشؤونها بكيفية ديمقراطية، وعدد أعضاء مجالسها، والقواعد المتعلقة بأهلية الترشيح، وحالات التنافي، وحالات منع الجمع بين الانتدابات، وكذا النظام الانتخابي، وأحكام تحسين تمثيلية النساء داخل المجالس المذكورة؛- شروط تنفيذ رؤساء مجالس الجهات ورؤساء مجالس الجماعات الترابية الأخرى لمداولات هذه المجالس ومقرراتها، طبقا للفصل 138؛
– شروط تقديم العرائض المنصوص عليها في الفصل 139، من قبل المواطنات والمواطنين والجمعيات؛
– الاختصاصات الذاتية لفائدة الجهات والجماعات الترابية الأخرى، والاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة والاختصاصات المنقولة إليها من هذه الأخيرة طبقا للفصل 140؛
– النظام المالي للجهات والجماعات الترابية الأخرى؛
– مصدر الموارد المالية للجهات وللجماعات الترابية الأخرى، المنصوص عليها في الفصل 141؛
– موارد وكيفيات تسيير كل من صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات المنصوص عليها في الفصل 142؛
– شروط وكيفيات تأسيس المجموعات المشار إليها في الفصل 144؛
– المقتضيات الهادفة إلى تشجيع تنمية التعاون بين الجماعات، وكذا الآليات الرامية إلى ضمان تكييف تطور التنظيم الترابي في هذا الاتجاه؛
– قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدإ التدبير الحر، وكذا مراقبة تدبير الصناديق والبرامج وتقييم الأعمال وإجراءات المحاسبة.
أي أن كل ما يهم تنظيم عمل الجهات الأصل أن يحدد في القانون التنظيمي. ولهذا تلجأ الدول المتقدمة في هذا المجال إلى صياغة مدونات قانونية مفصلة جدا وليس مجرد نصوص قانونية عادية.
أما ما هو ذو صبغة تنظيمية تفصيلية فهو يعود لصاحب هذه السلطة دستوريا، أي رئيس مجلس الجهة طبقا لمقتضيات المادة 140 من الدستور التي تنص على أنه “تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى، في مجالات اختصاصاتها، وداخل دائرتها الترابية، على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها.”
بالمقابل فقد نص الفصل 72 على أن المجال التنظيمي يختص بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون.
وحدد الفصل 89 اختصاص الحكومة في ممارسة السلطة التنفيذية، مع تدقيق أن الحكومة تعمل، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.
ولم يتم إدراج الجماعات الترابية نهائيا في هذا الباب، مما يجعلها خارج السلطة التنظيمية للحكومة، وبالتبع فحدود تدخل الحكومة بنصوص تنظيمية وجب أن يقتصر على المقتضيات ذات العلاقة بتدخل الحكومة في علاقتها بالجماعات الترابية، دون التوسع لتنظيم ما يتعلق بالجماعات الترابية، الذي يبقى حصريا من اختصاص التشريع، مع مراعاة توفر هذه الجماعات على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها في مجالات اختصاصاتها، وداخل دائرتها الترابية، طبقا لمقتضيات الفصل 140 من الدستور. مما لا يعطي الحق لأي سلطة من غير رئاسة مجالس الجماعات الترابية صلاحية ممارسة السلطة التنظيمية فيما يتعلق بالجماعات الترابية ومؤسساتها.
خاصة أن الفصل 90 من الدستور قد حدد أن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية، ويمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء. وأن المقررات التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة تحمل التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها. ومن البديهي أن كل ما يتعلق بالجماعات الترابية سلطة التنفيذ فيه هي اختصاص للجماعات الترابية بمقتضى نص المادة 140 من الدستور وفق ما هو مشار إليه في الفقرة السابقة.
كما أن الدستور حدد بوضوح في فصله 93 اختصاصات الوزراء على الشكل التالي: الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي. يقوم الوزراء بأداء المهام المسندة إليهم من قبل رئيس الحكومة، ويطلعون مجلس الحكومة على ذلك. وهو ما يؤكد أنهم مسؤولون عن تنفيذ ما يهم قطاعاتهم وبالتبع ليس من اختصاصهم تنظيم أو وضع قواعد تنظيم عمل الجماعات الترابية التي توجد خارج سلطتهم وتتمتع بالتدبير الحر.
وقد حدد الدستور في الفصل 145بوضوح الجهة الطبيعة العلاقة بين الجماعات الترابية والسلطة التنفيذية، في أنها تقتصر على ممارسة المراقبة الإدارية من طرف الولاة والعمال، والتي تقتصر على مراقبة مشروعية القرارات، بحيث أنه حتى بالنسبة للمقررات الخاضعة لنوع من المراقبة تم التنصيص على التأشير عليها وليس المصادقة عليها.
وعليه فلجوء الحكومة لاستعمال سلطتها التنظيمية وجب أن يراعي مبادئ الدستور وفصوله وأن ينحصر في القضايا المتعلقة بعلاقة السلطة التنفيذية بالجماعات الترابية.
والأكيد أن الإحالة على قرارات للوزراء في كل ما يتعلق بالجماعات الترابية لا سند دستوري له، ولو نصت عليه القوانين.
من هنا الحاجة لمراعاة مبدأ التدبير الحر في ضوء المقتضيات الدستورية والقانونية التي خولت لرؤساء الجماعات الترابية ممارسة السلطة التنظيمية في مجال اختصاصهم، مما يتطلب العمل على استكمال القوانين التنظيمية عند الاقتضاء أو إصدار قوانين تكميلية لضبط قواعد تدبير الجماعات الترابية، مع تدقيق الحالات التي يمكن إصدار مراسيم بشأنها، والتي لا يمكن إلا أن تكون محدودة ومرتبطة بالأساس بالمجالات المشتركة بين الحكومة والجماعات الترابية. وحتى في هذه الحالة وجب الانتباه إلى ضرورة الاحترام التام لمبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية واختصاصات باقي الهيئات كما هي مؤطرة في دستور المملكة.
الخلاصة
إن مجمل التعديلات المقترحة على القانون التنظيمي 14 111 المتعلق بالجهات جاءت بالأساس في سياق تقليص دور الجهات، عبر تقليص صلاحياتها الذاتية وعدم حل الإشكالات الجوهرية ذات الصلة بالنقل الفعلي للاختصاصات نحو الجهات وتيسير تفعيل ممارستها، وتكريس مؤسسة الوالي كمركز للثقل على المستوى المجالي، في تنفيذ برامج التنمية المجالية، استكمالا للتحويل الفعلي لمركز الثقل في إعداد هذه البرامج من مجالس الجهات إلى مؤسسة الوالي، والعودة لمنطق الوصاية عبر نقل سلطة التعيين في أهم مؤسسة لتنفيذ برامج التنمية من رئيس الجهة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، والعودة لمنطق الوصاية بفرض مصادقة الوالي على أهم قرارات الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع.
وهكذا وبعد عقد من الزمن تقريبا من إقرار الجهوية المتقدمة، وسط طموحات وآمال كبيرة، تتم العودة لوضع قريب من وضع ما قبل مشروع الجهوية المتقدمة. وإفراغ مجالس الجهات من أدوارها وجعلها عمليا مرة أخرى تحت الوصاية.
ولئن كانت مسؤولية الحكومة ووزارة الداخلية واضحة في هذا التراجع، فوجب الانتباه إلى أن الداخلية ومعها مختلف القطاعات الوزارية الأخرى بنسب أقل، لم يكن منتظرا منها إلا أن تقاوم النقل الفعلي للاختصاصات نحو الجهات وأن تقاوم تعزيز وتطوير أدوارها، مهما كانت الشعارات التي يتم رفعها.
فلا توجد مؤسسة تقبل التنازل بسهولة عن اختصاصات كانت تمارسها وسلطات تتمتع بها، إلا استثناء.
وهذا أمر عام في مختلف الدول، بما فيها الدول الغربية، حيث يشكل موضوع اختصاصات وأدوار الجهات والجماعات الترابية عموما والإمكانيات المالية المرصودة لها مجال تدافع قوي مع الحكومات، وتعرف حالات مد وجزر لا مجال لإيراد أمثلة عنها تجنا للإطالة.
والذي كان يفترض أن يقوم بالترافع والتدافع بقوة من أجل تفعيل مشروع الجهوية المتقدمة هو جمعية جهات المغرب ومعها الأحزاب السياسية ونخبها.
والتي كان عليها كذلك أن تجتهد في تقديم أداء متميز وناجح في تدبير مجالس الجهات، بما يسمح بتقدم مشروع الجهوية ولا يترك المبرر للسلطة التنفيذية وممثليها لتبرير التراجعات في موضوع الجهوية المتقدمة، بضعف النخب الجهوية وعدم قدرتها وجدارتها.
ومن هنا فالأحزاب السياسية ونخبها على مستوى مجالس الجهات تتحمل المسؤولية الأكبر فيما يعرفه مشروع الجهوية المتقدمة من تراجعات، بل وإجهاض للأسف الشديد.