إلى ذات الوزرة البيضاء والخلخال…!!!

Écrit par

dans

الأحداث بقلم محمد اعويفية

الوزرة البيضاء ليست مجرد لباس مهني، بل علامة مشحونة بالدلالات. فعندما يرتديها المعلم/ة، يبعث برسائل مهمة ومتعددة، تتراوح بين استعادة الهيبة والتعبير عن الانتماء.

الوزرة البيضاء، في بعدها البسيط، تعني النظام والانضباط. فحين يدخل المعلم/ة إلى القسم بلباسه، فإنه يعلن، بشكل غير مباشر، أن الفضاء التعليمي ليس مجالا للعبث والفوضى ، بل هو مجال له قواعد وضوابط لا بد من احترامها. هي أشبه بحجاب غير مرئي يفصل بين الشارع والمدرسة، بين ما هو عادي وما هو استثنائي. فالتلميذ الذي يرى أستاذه بوزرته البيضاء قد يلتقط رسالة مفادها أن ما يحدث داخل القسم يستحق فعلا التركيز والجدية والتوقير.

لكن هذه الوزرة ليست فقط أداة لضبط الإيقاع داخل الفصول الدراسية، بل تحمل أيضا بعدا رمزيا عميقا. اللون الأبيض، المرتبط بالنقاء والسلم وطهر الرسالة، يحيل على أدوار نبيلة وأساسية في الحياة، لمهنة لها قدسيتها ومكانتها كالتعليم . وعندما يرتديه المعلم/ة، كأنه يعلن انتماءه إلى مهنة ليست مجرد وظيفة عادية، بل رسالة تنوير، صنع للحياة وبناء للإنسان. إنها محاولة لاستعادة صورة المدرس كفاعل أساسي في المجتمع، لا كموظف هامشي بلا أدوار.

تبقى الوزرة البيضاء أكثر من مجرد قطعة ثوب؛ إنها مرآة تعكس وضع التعليم، ومكانة المعلم/ة، وتطلعات مجتمع بأكمله. وبين من يراها رمزا للهيبة، تظل حقيقة أن المدرسة في حاجة ملحة إلى ما هو أعمق من هذه الرموز في هذا الزمن الذي تتآكل فيه هذه الهيبة شيئا فشيئا. إذ لم يعد الخطر فقط في تراجع المناهج أو ضعف الإمكانات، بل تسلل أيضا إلى هذه الرمزية، إلى هذا النموذج الذي يفترض أن يجسد الوقار والانضباط داخل الفصل. فظهور أستاذة بلباس يختلط فيه الخلخال بالوزرة لا يمكن اعتباره مجرد حادثا عابرا، بل رسالة مشوشة تبعث إلى كل العقول لردعها وردها عن غيها.

الوزرة البيضاء رمز للعلم، للرصانة، للوقار والانضباط. فحين تفرغ من معناها، وتلبس فوق مظهر استعراضي مثير لا يليق إطلاقا بحرمة القسم، فإننا لا نكون أمام حرية شخصية بقدر ما نكون أمام استهتار بدور تربوي مهم و حساس.

ليس المطلوب من الأستاذة أن تتخلى عن أنوثتها، وتتحول إلى كائن جامد بلا روح ؛ لكن هناك خيطا رفيعا بين الأناقة والابتذال، بين الحرية والواجب. القسم ليس منصة عرض أزياء، والتلميذ ليس متفرجا، بل هو عقل يبنى ووعي يتشكل بعين يقضة تلتقط كل التفاصيل، حتى تلك التي نظنها جزئية بلا معنى.

المؤلم في الأمر أن مثل هذه السلوكيات تساهم في ضرب صورة نساء ورجال التعليم في العمق، في وقت هم أحوج فيه إلى استعادة المكانة والاعتبار. فكيف نطالب التلميذ بالانضباط ونحن نقدم له نموذجا مرتبكا؟ وكيف نغرس فيه القيم الأخلاقية ونحن نخلط الأمور في فضاءات يفترض أن يتم فيها هذا الغرس بقواعد سليمة وضوابط صارمة؟

المدرسة ليست مكانا للدلال والغنج، لإظهار مفاتن الأنوثة أو لإثبات الاختلاف والتميز في الشكل والقوام بأي ثمن، بل هي مؤسسة لها قدسيتها وحرمتها وقواعدها التي تحفظ توازنها وقيمتها في المجتمع. وحين تداس وتكسر هذه القواعد، ولو في تفاصيل صغيرة، فإن الشرخ يكبر و الهوة تتسع.

القضية هنا ليست خلخالا في حد ذاته، بل ما يرمز إليه من استهتار واستسهال، ومن تراجع في تقدير موقع الأستاذ داخل الفصل و المجتمع. وإذا استمر هذا الانحدار في السلوك، فلن نستغرب أن تضيع الهبة أكثر، وأن يتحول القسم إلى فضاء بلا هوية ولا حصانة.

الاحترام يفرض ويبنى بالنموذج في التصرفات والسلوكيات. من يقف أمام التلاميذ عليه أن يدرك أنه ليس فردا عاديا في الشارع، بل قدوة يجب أن تكون حسنة في كل شيء شاء ذلك أم أبى .

هيئة التحرير5 مايو، 2026

إقرأ الخبر من مصدره