زينب شكري
أثار حضور الفنان القدير حسن الفد ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، وما رافقه من تقديم كتاب أكاديمي حول تجربته بعنوان “الذاكرة والمجتمع والمقدس في المشروع الكوميدي لحسن الفد”، نقاشا واسعا تجاوز حدود الحدث الثقافي، ليتحول إلى لحظة مواجهة مع أسئلة أعمق تتعلق بمكانة الكوميديا داخل الثقافة، وبطبيعة الأدوار التي يمكن أن يلعبها الفنان في قراءة المجتمع وتشريح سلوكياته، وحدود الفن في نقد السلوك المجتمعي.
ولم يقف النقاش عند حدود مشروعية الاشتغال الأكاديمي على تجربة كوميدية، بل امتد ليشمل مفاهيم أطلقها الفد خلال مداخلته، وعلى رأسها مصطلح “التهرگاويت”.
هذا المفهوم، الذي برز كحجر زاوية في الجدل الصاخب، تحول في ظرف وجيز إلى محور سجال اجتماعي واسع اختلط فيه النقد المشروع بسوء الفهم والتأويلات المتسرعة، ليضعنا وجها لوجه أمام صراع الرؤى بين من يدافع عن الفد كـ “أنثروبولوجي” بزي فنان، ومن يراه “متعاليا” يعيد إنتاج النظرة الطبقية من خلال قراءات مجتزأة لمشروعه.
واستقبل البعض صدور كتاب أكاديمي أصدره باحثون يحلل تجربة حسن الفد بنوع من الاستغراب الممزوج بالاستصغار، متسائلين: “من هو الفد ليُنجز حوله كتاب؟”.
هذا السؤال في جوهره يعكس أزمة وعي عميقة، فنحن ما زلنا نربط “الأكاديميا” بالدراسات الجادة في الفلسفة والعلوم، ونقصي الكوميديا كشكل من أشكال “الهزل” العابر، وكأن الضحك، في المخيال الجماعي، لا يمكن أن يكون مدخلا لفهم المجتمع.
ويغفل هذا الطرح تقاليد راسخة في الفكر الإنساني، حيث شكلت الكوميديا، عبر التاريخ، مادة خصبة للتحليل السوسيولوجي واللساني، باعتبارها مرآة تعكس اختلالات المجتمع وتناقضاته.
وفي هذا السياق، لا يبدو الاشتغال الأكاديمي على تجربة حسن الفد أمرا استثنائيا، بل نموذج من بين نماذج فنية تُدرس لأنها نجحت في ترك أثر واضح في الوعي الجماعي، تماما كما حدث مع تجارب عالمية عديدة اشتغلت عليها الجامعات من زوايا سوسيولوجية ولسانية وثقافية.
فالعالم احتفى بتجربة “تشارلي شابلن” من منظور سوسيولوجي ونقد للرأسمالية، ودرست كليات اللسانيات والسياسة نصوص الكوميدي الأمريكي “جورج كارلين” لعمق نقدها اللغوي، وفي فرنسا، يعتبر “موليير” و”كولوش” مراجع لفهم تحولات المجتمع.
إن الفد، من خلال شخصيات مثل “كبور”، لم يكتف بصناعة الضحك، بل اشتغل على تفكيك أنماط سلوكية متجذرة، مستعينا بلغة خاصة، ومخزون ثقافي محلي، وقدرة لافتة على التقاط التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية، فتمكن من استخراج مصطلحات منسية وبنى شخصيات بمثابة مرآة تعكس علاقتنا بالسلطة، والمرأة، والمال، وهو ما يستحق فعلا التحليل التقني والأكاديمي، ليصبح من هذا المنطلق الكتاب موضوع الجدل محاولة لفهم “الظاهرة” وليس تمجيد “الشخص”، أي قراءة المشروع الكوميدي باعتباره خطابا اجتماعيا قائما بذاته.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين ننتقل إلى جوهر الجدل الثاني المرتبط بمصطلح “التهرگاويت”، الذي اعتبره حسن الفد توصيفا سوسيولوجيا وليس نعتا قدحيا، أو تصنيفا طبقيا، مشددا على أن “الهرگاوي” هو المواطن المتمرد على المؤسسات والقوانين التي تؤطر العيش المشترك، والذي يرفض الضوابط المجتمعية و”الصواب” الذي ميز المغاربة تاريخيا.
هذا التوضيح من الفد لم يمنع من اندلاع موجة انتقادات واسعة، وصلت أحيانا إلى حد إطلاق أحكام قاسية، بل وترويج معلومات غير دقيقة، في ظل قراءة مجتزأة للتصريح، وفصل المفهوم عن سياقه، فقد تم ربط “التهرگاويت” بشكل مباشر بفئات اجتماعية معينة، خاصة الفئات الشعبية أو القروية، وهو ربط يبدو متسرعا ولا يستند إلى ما قدمه الفد فعليا، بقدر ما يعكس حساسية طبقية كامنة في التلقي.
وإذا ما تم تجاوز هذا الالتباس وتفكيك هذا المفهوم بعيدا عن الانفعال، فيتضح أن “التهركاويت” ظاهرة سلوكية يومية، تتجلى في ممارسات يعرفها الجميع، لكنها غالبا ما تمر دون تسمية واضحة، وتحيل على أزمة أخلاقية تتجاوز الانتماء الطبقي أو المستوى المادي. فـ”التهرگاويت”، ليست سمة “الفقر” ولا نتيجة “الهامشية”، بل هي سلوك يمكن أن يصدر عن أي فرد، بغض النظر عن موقعه الاجتماعي، وهي”خليط من الجهل المركب وقلة الأدب”.
ومن مظاهر “التهرگاويت” مثلا، عدم احترام الطوابير في الإدارات أو المتاجر، حيث يتحول “تجاوز الدور” إلى نوع من “الذكاء الاجتماعي” في نظر البعض، رغم كونه اعتداء صريحا على حق الآخرين، وكذا الفوضى الصوتية في الفضاءات المشتركة، كتشغيل المقاطع الصوتية أو إجراء مكالمات بصوت مرتفع في وسائل النقل، دون اعتبار لراحة الآخرين، ورمي الأزبال من النافذة، وعدم احترام إشارة المرور وهي كلها سلوكات يمكن أن يقوم بها شخص يقود سيارة فاخرة وآخر بدراجة بسيطة.
إن هذا التمييز ضروري لفهم جوهر النقاش، لأن ربط الظاهرة بالفئات الشعبية لا يسيء فقط إلى هذه الفئات، بل يحجب بعدها الحقيقي بوصفها خللا في منظومة القيم، فالتاريخ الاجتماعي المغربي يزخر بنماذج من “الصواب” و”تمغربيت” داخل الأوساط البسيطة، حيث تشكل قيم الاحترام، وحسن الجوار، وضبط السلوك، جزءا أساسيا من الهوية الجماعية. ومن ثم، فإن اختزال الظاهرة في بعد طبقي، هو في حد ذاته نوع من التبسيط المخل.
إن أكبر مغالطة سقط فيها منتقدو الفد هي ربط “التهرگاويت” بالطبقة الفقيرة أو “العروبية”، إذ أدى هذا الخلط إلى “حساسية مفرطة” جعلت البعض يرى في كل نقد لسلوك سيء هجوما على “ولاد الشعب”، لكن الواقع يؤكد أن الفقر ليس مبررا لقلة الأدب.
تاريخيا، كان “العروبي” وأهل البادية هم منبع “الصواب” والحياء، فالبدوي الأصيل هو الذي لا يرفع صوته إزعاجا لطلبة المسجد، وهو الذي يستر مقتنياته في أكياس غير شفافة احتراما لمشاعر الجيران، ما يعني أن “التهرگاويت” بهذا المعنى هي نقيض “تمغربيت” الأصيلة التي تقوم على المروءة.
المصطلح الذي أثار جدلا واسعا يمس الجميع “تهرگاويت الأغنياء” التي تظهر في عقلية “واش عرفتي شكون أنا؟”، وتخرق القوانين استنادا للمال، وإذلال العمال والخدم بلغة دونية، و”تهرگاويت الفقراء” والتي تظهر في التعدي على الملك العام وثقافة “التبركيك” واعتراض سبيل الناس بالأسئلة الشخصية وغيرها من السلوكيات التي تعتدي على الآخر.
هل التعليم والسياسات الحكومية مسؤولة عن “التهرگاويت”؟
إن محاولة تعليق “التهرگاويت” على شماعة الحكومة أو المنظومة التعليمية هو طرح مشروع جزئيا، لكنه يظل قاصرا عن تفسير الجوهر الحقيقي للظاهرة، فمن السهل دائما إسقاط كل عجز سلوكي على مشاجب الفشل في التعليم أو الصحة أو البطالة، ورغم أن هذه الأزمات حقيقية، إلا أنها لا يمكن أن تبرر “الهمجية السلوكية”. فالمدرسة، في نهاية المطاف، قد تمنح “المعلومات” لكنها لا تزرع بالضرورة “القيم” التي تبدأ من الأسرة وتتجسد في الممارسة اليومية.
إن احترام إشارة المرور، أو الامتناع عن إزعاج الآخرين، أو الحفاظ على نظافة الفضاء العام، هي سلوكيات لا تحتاج إلى قرار رسمي أو سياسات عمومية بقدر ما تحتاج إلى وعي فردي ورقابة ذاتية، فهل الدولة هي من تأمر صاحب دراجة نارية بالسير في الاتجاه المعاكس؟ أو هي من تطلب من مواطن تخريب كراسي الحدائق العامة؟.
التاريخ يثبت أن الرقي السلوكي كان حاضرا بقوة في غياب الجامعات والمؤسسات الحديثة، حيث وضع “أدب النبوة” دستورا أخلاقيا علم الأعرابي القادم من عمق الصحراء خفض الصوت وإماطة الأذى عن الطريق كجزء من إيمانه، كما جسدت المجتمعات البدوية القديمة أسمى قيم “الصواب” والعيش المشترك. بالتالي، فإن “التهرگاويت” هي في عمقها أزمة أخلاق وفراغ في الحياء، والهروب نحو لوم الدولة ليس سوى محاولة للتنصل من المسؤولية الفردية في حماية الفضاء العام الذي ينتمي لنا جميعا.
أما فيما يتعلق بالانتقادات التي وُجهت للفد، خاصة تلك التي طالبت بضرورة انخراطه في نقد سياسي مباشر، فهي تعكس تصورا محدودا لدور الكوميديا الغير ملزمة بالاشتغال على مستوى واحد لتعدد زوايا معالجتها، هناك من يختار نقد البنيات السياسية، وهناك من يشتغل على السلوك اليومي، وكلاهما يقدمان قراءة للمجتمع، لكن من مستويات مختلفة.
وفي حالة الفد، يبدو أن اختياره التركيز على التفاصيل اليومية يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”تشريح الحياة العادية”، حيث تتحول الممارسات البسيطة إلى مدخل لفهم أعمق.
وهذا الاختيار لا يعني غياب العمق، بل يعكس زاوية مختلفة في المقاربة، تقوم على ملاحظة السلوك بدل الخطاب، وعلى التقاط ما هو مألوف وتحويله إلى مادة للتفكير. فالكوميديا التي تشتغل على العادات والتفاصيل اليومية، غالبا ما تكون أكثر قربا من الناس، لأنها تعكس تجاربهم المباشرة، وتضعهم أمام مرآة قد تكون مزعجة أحيانا، لكنها ضرورية.
وفي النهاية، يمكن القول إن الجدل الدائر حول حسن الفد، سواء تعلق بالكتاب الأكاديمي أو بمصطلح “التهرگاويت”، يكشف عن حيوية النقاش العمومي، لكنه يعكس أيضا حاجة ملحة إلى الارتقاء بمستوى هذا النقاش، فبدل الانشغال بالشخص، يبدو الأجدر الانخراط في مساءلة الأفكار، ومحاولة فهم الظواهر في تعقيدها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.