عبد الحق بلفقيه
من يحرس الحارس؟ هل المحكمة الدستورية معصومة من الخطأ؟ وهل قضاة المحكمة الدستورية يُنزلون منزلة الأنبياء المعصومين؟ ومن أين تستمد هذه المؤسسة شرعية عملها؟ وهل تستمد القرارات الدستورية قوتها من مطابقتها لحقيقة موضوعية، أم من كونها تمثّل نقطة النهاية في النقاش داخل بنية السلطة القانونية؟ ثم، هل يُفترض – في المقابل – أن ينفرد المشرّع بسلطته التشريعية، فيسنّ القوانين دون قيد أو رقابة؟
ليست هذه الأسئلة وليدة اللحظة، بل هي من الإشكالات الكلاسيكية التي حسمها مسار تطور القضاء الدستوري في الأنظمة المقارنة، ضمن توازن دقيق بين مبدأ سمو الدستور ومتطلبات الشرعية الديمقراطية. غير أنّ التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير العدل خلال مداخلته بكلية الحقوق بالسويسي أعادت إحياء هذا النقاش، وأعادت طرح أسئلة كان يُفترض أنّها استقرت فقهاً وممارسة، في إطار مقاربات عقلانية ومؤسساتية.
تفاعلا مع هذا الموضوع، حيث اعتبر السيد الوزير أنّ ثمانية قضاة بالمحكمة الدستورية قد يحسمون في قضايا تشريعية خلافاً لما وصفه بـ”جيش المتدخلين في مسطرة التشريع”، مضيفاً أنهم “يفهمون ويقبلون ويلغون بطريقتهم”، بل وذهب إلى حد توصيفهم بـ”الأنبياء المعصومين” أو “آيات الله القانونيين”؛ وبغضّ النظر عن الأسلوب المعتمد والسياق السياسي الذي صدرت فيه هذه التصريحات، ولا سيما في ظل اقتراب نهاية الولاية التشريعية، فإن صدورها عن رجل دولة يشغل موقع وزير العدل يثير جملة من الإشكالات العميقة.
إذ يطرح ذلك تساؤلات جوهرية حول مدى استيعاب طبيعة القضاء الدستوري وحدود نقده، كما يستدعي إعمال نقاش علمي رصين بشأن أسس شرعية عمل المحكمة الدستورية وآليات مساءلتها. ولا يقتصر هذا النقاش على الحالة المغربية، بل يمتد إلى مختلف التجارب الدستورية المقارنة، حيث ظل سؤال «من يحرس الحارس؟» أحد الإشكالات المركزية في النظرية الدستورية الحديثة.
حول شرعية عمل المحكمة الدستورية
عندما يُقال إن قرارات القاضي تُفرض بقوة السلطة المؤسسية، فالمقصود أن إلزاميتها لا تستمد مشروعيتها من كونها تمثّل «الحقيقة القانونية» في ذاتها، بل من صدورها عن جهة مختصة خُوِّلت، داخل النظام القانوني، سلطة الفصل النهائي في النزاعات، كما هو الشأن بالنسبة للمحكمة الدستورية. فالقاضي يمتلك الكلمة الأخيرة، لا لامتلاكه معرفة مطلقة، وإنما لأن النظام القانوني أسند إليه وظيفة الحسم.
ولا خلاف في أن الممارسة القضائية الدستورية تُفرز ما يُصطلح عليه فقهاً بقرارات ذات أثر “مؤسِّس سلبي” وأخرى ذات أثر “مؤسِّس إيجابي”، بما يعني أن احتمالات الصواب والخطأ تظل قائمة في اجتهادات المحكمة، لاسيما عند تعقيبها على تقديرات المشرّع، باعتبارها عملاً بشرياً قابلاً للنقاش والتقييم. غير أنّ هذا النقاش يظل، في منطق دولة القانون، محكوماً بضوابط النقد العلمي الرصين، القائم على الحجة والدليل، لا على التعميم أو الانطباع.
وعليه، فإن نقد المحكمة الدستورية ينصرف، في جوهره، إلى نقد قراراتها، لا إلى تقييم العلاقات المؤسساتية المحيطة بها أو إصدار أحكام عامة بشأنها. ومن ثمّ، فإن من يتصدى لانتقاد قرار دستوري بعينه، يُفترض فيه أن ينخرط في تحليل دقيق لحيثياته، عبر تفكيك تعليله، وبيان أوجه الاختلاف معه، واقتراح بدائل تفسيرية أو تشريعية، مع تحديد مكامن الخطأ أو مظاهر التجاوز – إن وُجدت.
وفي هذا السياق، وعلى سبيل المثال، فإن التعاطي مع القرارات المتعلقة بقانون المسطرة المدنية أو بقانون مجلس الصحافة، اللذين قررت المحكمة الدستورية إرجاعهما، كان يقتضي – في إطار نقد مؤسساتي مسؤول – الوقوف عند المقتضيات التي أثارت ملاحظات القاضي الدستوري، وتحليلها تحليلاً مفصلاً، مع بيان أوجه الاعتراض عليها بشكل دقيق. فبهذا المنهج وحده يتحقق التعليق الرصين، ويتأسس النقد البنّاء.
أما القول بأن قضاة المحكمة “يفهمون بطريقتهم” وتوصيفهم بـ”الأنبياء المعصومين” أو “آيات الله القانونيين”، فيبقى حكماً عاماً يفتقر إلى السند التحليلي الدقيق؛ ذلك أن الاجتهاد القضائي الدستوري يقوم، بطبيعته، على التأويل، غير أن هذا التأويل ليس عملاً اعتباطياً، بل يخضع لمنهجيات قانونية راسخة ولمبادئ تفسير مستقرة في الفقه والقضاء الدستوريين. وكان الأجدر، من منظور علمي، توجيه النقد إلى قرارات بعينها، من خلال تحليل حيثياتها ومنطوقها، وبيان أوجه القصور أو التناقض فيها – إن وُجدت؛ فالنقاش القانوني الرصين لا يقوم على التوصيفات المجازية أو الأحكام القيمية، بل على الحجة المدعومة بالدليل.
وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بأن بعض اتجاهات الواقعية القانونية تذهب إلى أن قوة القاعدة القانونية لا تُقاس بمدى مطابقتها لحقيقة موضوعية مجردة، بقدر ما تُستمد من الاعتراف المؤسسي بها ومن قابليتها للنفاذ داخل بنية السلطة القانونية. ومن ثمّ، فإن إلزامية القرار الدستوري تجد أساسها في صدوره عن الجهة المختصة المخوّلة بالحسم، لا في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
من جهة ثانية، فإن ما ورد في هذه التصريحات لا يقف عند حدود النقد المشروع، بل يتجاوز ذلك إلى ملامسة مستوى التشكيك في كفاءة المحكمة الدستورية وقيمتها كمؤسسة تحتكم إلى الدستور وتعمل باسمه، وهو ما قد يُفهم منه – بصورة غير مباشرة – مساس بشرعية عملها. والحال أن هذه الشرعية لا تستند فقط إلى آليات التعيين أو الانتخاب، بل تقوم أيضاً على شرعية الكفاءة التي يفترضها الدستور في أعضاء هذه المؤسسة؛ ومن ثم، فإن التشكيك في هذه الكفاءة ينعكس بالضرورة على مصداقية المؤسسة برمتها.
أما من حيث تركيبتها، فإن شرعية المحكمة الدستورية مؤطرة دستورياً بشكل واضح، حيث يُعيَّن نصف أعضائها من قبل الملك، فيما يُنتخب النصف الآخر من طرف غرفتي البرلمان، بما يجسد توازناً مؤسساتياً مقصوداً يروم ضمان استقلالها وتعدد مرجعياتها. وعليه، فإن القبول بهذه الآلية والمساهمة في تفعيلها، ثم العودة إلى انتقاد مخرجاتها بصفة عامة ومجردة، يثير قدراً من التناقض على المستويين السياسي والمؤسساتي.
كما أن القوى السياسية، بما فيها الجهة التي ينتمي إليها الوزير، أسهمت بشكل مباشر في اختيار بعض أعضاء المحكمة عبر الانتخاب من داخل البرلمان، الأمر الذي يجعل من غير المنسجم توجيه نقد عام إلى المؤسسة دون مساءلة الاختيارات التي شاركت في تشكيلها.
إن نقد المحكمة الدستورية يظل أمراً مشروعاً، بل وضرورياً في إطار دولة القانون؛ إذ لا يمكن أن يتطور القضاء الدستوري دون تعليق علمي جاد على قراراته، ذلك أن قوة التجربة الدستورية تُقاس، في جانب معتبر منها، بمدى حيوية النقاش الفقهي والقضائي حولها. غير أنّ هذا النقد ينبغي أن يُمارَس ضمن ضوابط الخطاب القانوني والسياسي الرصين، القائم على التحليل الدقيق، والاجتهاد المؤسَّس، والقراءة السياسية المنضبطة. أما إطلاق الأحكام العامة أو اللجوء إلى توصيفات ذات طابع قدحي، فلا يسهم في إغناء النقاش الدستوري أو تطويره، بقدر ما يُضعف الثقة في المؤسسات، ويفتح المجال أمام تأويلات سياسية قد تمسّ بمبدأ سمو الدستور وباستقلال القضاء الدستوري.
في المحصلة، لا يُطرح سؤال «من يحرس الحارس؟» بوصفه مدخلاً للتشكيك في القضاء الدستوري، بقدر ما يُفهم باعتباره آلية فكرية لضبط توازنه داخل المنظومة الدستورية والسياسية. فالمحكمة الدستورية، شأنها شأن باقي مؤسسات الدولة، ليست معصومة من الخطأ، لكنها تظل مقيدة بمنظومة من الضوابط القانونية والمنهجية، وبثقافة قضائية تتأسس على التعليل والاجتهاد والانفتاح على النقد العلمي. ومن ثمّ، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تحصين هذه المؤسسة من النقد، ولا في إطلاقه دون قيود، بل في ترسيخ تقليد علمي ومؤسساتي قوامه النقد المسؤول، الذي يُمارس من داخل منطق الدستور لا من خارجه، ويستند إلى التحليل بدل الانطباع، وإلى الحجة بدل التوصيف.
إن بناء قضاء دستوري قوي لا يتحقق فقط بنصوص الدستور، بل أيضاً بجودة التفاعل معه: قضاءً، وفقهاً، وفاعلين سياسيين. وفي هذا الإطار، يظل تطوير النقاش العمومي حول القرارات الدستورية مؤشراً على حيوية الدولة الدستورية، شريطة أن يظل هذا النقاش منضبطاً لقواعده العلمية، ومحكوماً بهدف أساسي هو تعزيز سمو الدستور وصون توازن السلط، لا تقويض الثقة في مؤسساتها.