محمد النجدي
قد لا يسعنا المجال للحديث عن تعريف الأمة لغة واصطلاحا، غير أنها تطلق على الجماعة من الناس تجمعهم عوامل مشتركة كالدين واللغة والتاريخ والثقافة، أما في السياق الإسلامي فتعني جماعة المسلمين “المؤمنين بالله ربا واحدا لا شريك له، وبمحمد رسولا ونبيا لا نبي بعده، وبالإسلام دينا جامعا لا دين حقا سواه. فالأمة مراد بها عموم المسلمين وكافتهم”، وكما أشرنا سابقا، فالخطاب الشرعي في أمور السياسة وفي غيرها كذلك موجه للأمة، باعتبارها هي الأصل وصاحبة الشأن العام، “والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكنه مستناب في تنفيذ الأحكام”، كما أن”هناك عدد كثير من النصوص التكليفية الشرعية تفهم وتؤخذ عادة على أنها خطاب خاص ومباشر لأولي الأمر من ذوي السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، أي أنها من شؤون الدولة واختصاصاتها، مثل النصوص المتعلقة بإقامة العدل والقسط والجهاد والقتال، وتنفيذ الحدود والحكم بما أنزل الله وتنظيم شؤون الزكاة والأسرة والمجتمع… ولكن الخطاب فيها هو أساسا وابتداء للأمة ولجماعة المسلمين، وعن هذا الأصل يتفرع الاختصاص بقدر ما تقتضيه المصلحة وتمليه الضرورة”، أي أن النصوص الشرعية المتعلقة بقضايا الحكم والسياسة والعدل ونبذ الظلم والأسرة والمجتمع نصوصا متعلقة وموجهة للأمة والمسلمين.
الأمة في الإسلام نشأت قبل الدولة وخصها الله بالخيرية ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ ٱُمَّةٖ ۷خْرۣجَــتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ۱لْمُنكَرۣ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِؐ ﴾ آل عمران: 110، “ومن هنا أهمية البدء بها تأصيلا وتحصيلا”، فهي التي تاريخيا كانت تدبر وتدير شؤونها الدينية والثقافية والتعليمية، وتحل مشاكلها المعيشية، وتلبي حاجاتها الاجتماعية، وتنهض بمشاريعها العلمية، وتحقق إنجازاتها الحضارية المختلفة، و”كانت الدولة تشجع وتساعد وتنظم فقط، وقد تضعف، فتصبح عالة على المجتمع، وقد تنحرف، فتصبح عائقا في طريقه، أو تطغى، فتصبح سيفا على رقاب أبنائه، ولكن المجتمع رغم هذا كان يظل نشيطا متجددا في طاقاته وعطاءاته”، فالأمة عندما يمكّن لها وتكون في موقع القيادة، ولها من القوة والمناعة تصبح هي المتحكمة في الشأن العام والموجهة للدولة ومؤسساتها وضامنة لاستمراريتها واستقامتها، بل حتى درع حمايتها وسر استقرارها وديمومتها.
فبما أن الأمة هي الأصل فهي مصدر السلطة وعنوان الشرعية حيث لا يمكن تصور قيام نظام سياسي شرعي دون تأشيرة الأمة وموافقتها ورضاها “فهي مصدر السلطة ابتداء وانتهاء، كما قال تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورۭيٰ بَيْنَهُمْ ﴾ الشورى: 38، بما في ذلك اختيار السلطة، فالشورى كانت من أسس الخطاب السياسي وتعني حق الأمة في اختيار الإمام ابتداء، وحقها أن لا يقطع أمرا دون إذنها ورضاها انتهاء،” لذلك فالأمة هي صاحبة الأمر “والتوجيه لسلطات الدولة السياسية والتنفيذية”. فالأمة المسلمة “ضرورة وفريضة، والسلطة المسلمة.. كذلك ضرورة وفريضة..”، أي ضرورية ومهمة لقيام الدين وتنزيل وظيفة الاستخلاف في الأرض وعمارتها، وفريضة أي لا وجود للدولة التي بدورها تعتبر ضرورة وفريضة إلا بوجود الأمة، فهي مصدر وجودها واستقرارها واستمراريتها. “فلقد جاء الإسلام بهدم الهرمية الفرعونية وقلب الهرم السلطوي رأسا على عقب فجعل قاعدته فوق قيمته، وذلك حين وضع المنصب السياسي بيد الأمة، تستأمن عليه من تشاء وتنزعه ممن تشاء، باعتبارها صاحبة السيادة ومصدر الشرعية السياسية، وجعل الأمير مجرد أجير لديها”، أي أن الأمة هي صاحبة القرار السياسي وصاحبة التفويض، توليه من تشاء، وتنزعه ممن تشاء.
ولتأكيد مكانة الأمة واعتباريتها في إدارة شؤون الأمة انتقد ابن تيمية ما كان سائدا قبله بأن الإمام هو خليفة رسول الله في حفظ الدين وسياسة الدنيا كما هو معروف عند الماوردي، “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة بحراسة الدين وسياسة الدنيا”، بينما الأمر يختلف عند ابن تيمية حيث قامت الأمة عنده مقام الخليفة عند الفقهاء. “ومن هنا يمكن القول بأن نظرية ابن تيمية نظرية في خلافة الأمة بينما نظرية الفقهاء نظرية في خلافة الفرد” وشتان بين خلافة الإمام وخلافة الأمة، فهذه الأخيرة وبالموجب الشرعي هي من تكلفت بحفظ الدين وسياسة الدنيا إما مباشرة أو بتفويض منها، “فسيادة الأمة هي الأصل، وهي الأحفظ والأبقى لتطبيق الشريعة وسيادتها، فهي الأسلم للشريعة من عوارض الهوى، والاستغلال والتلاعب من سيادة الحاكم الفرد المستبد المتغلب”. حيت جرى تاريخيا تسمية الحاكم السياسي خليفة للرسول “ولكن من حيث الوظيفة وليس من حيث الاختصاص، فالأمة بمجموعها هي المختصة بالخلافة عن الرسول وليس لأحد من الناس الخصوصية في ذلك وهي التي تختار عن شورى ورضى من يقوم عنها بهذه الوظيفة (وظيفة الخلافة ) وكالة ونيابة وليس أصالة” وضرورة التفريق والتمييز بين الوظيفة والاختصام تمييز منهجي وأساسي في بناء التصور.
فالتصور الإسلامي الذي تم طمسه وتغييبه تاريخيا مما أثّر على شرعية الاجتماع السياسي هو “أن الأمة هي صاحبة السيادة ولا يحق لأحد أن يستأثر بهذه السيادة من دونها وليس في الإسلام ما يدل على أن السيادة محصورة في فرد معين أو في سلالة معينة أو في طائفة معينة أو في جنس معين بل بالعكس، تضافرت النصوص والأدلة على تأكيد أن الأمة بمجموعها هي الأصل، وأنها مصدر السلطات ومنبع الشرعية السياسية”، وهذا لا يتحقق إلا إذا مكّنت لنفسها وامتلكت الشروط اللازمة لذلك، وهي الوعي أولا بدورها، ثم امتلاك القوة والريادة، واستقلالية قرارها، وغيرها من الشروط الضرورية لتضطلع بأدوارها. “فسيادة الأمة مقدمة أولية وضرورية لأجل تطبيق الشريعة “، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لذلك “فالأمة هي صاحبة السلطة والحفيظة عليها، ومن حق الأمة وواجبها أن تظل حارسة على مواطن الاستعمال لما هو منها وإليها” أي إن مؤسسات الحكم بما في ذلك سلطة الحكم التنفيذية ليست هي الدولة بل هي إحدى مؤسسات نظام الحكم في الدولة. والأمة والشعب هما الأساس والعنصر الأهم في توجيه السياسة العامة، وفي تكوين الدولة، ومنهم وحدهم تستمد شرعية الحكام والأحكام وهذا من هدي مفاهيم الدين وقيمه ومقاصده”.
ومن دلالات خطاب الله تعالى للمؤمنين بطاعة (أولي الأمر) “أن السلطة العليا في الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي لابد أن تكون جماعية شورية، لا فردية استبدادية ﴿يَـٰٓـأَيُّهَا ۰لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ۴للَّهَ وَأَطِيعُواْ ۴لرَّسُـولَ وَٱُوْلِى ۱لاَمْرۣ مِنكُمْؐ ﴾ النساء: 59.”، كما تدل على أن “أولي الأمر الذين يتولون السلطة في الدولة والمجتمع والأمة، الذين لهم الطاعة، لابد أن يكونوا من الأمة مختارين منها بالشورى والاختيار والبيعة، ومعبرين عن هويتها الحضارية، ومصالحها الشرعية المعتبرة، لا مفروضين عليها بسلطة القهر والتغلب أو بوسائل الغش والتزوير. بمعنى أن التعبير عن سلطة الأمة يتم باختيار من تفوضهم الأمة للنيابة عليها، ويجب أن يختاروا بالشورى الجماعية عبر آلية البيعة التي هي عقد بين طرفين. “فمن المداخل التي تؤكد سيادة الأمة هو عقد البيعة، فالعلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقد بين طرفين تكون الأمة فيه هي الأصل والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شؤونها، فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي وليس بالحق الموروث، بل بعقد البيعة بين الأمة والإمام”، فهي المؤسس وصاحب الحق والضامن لاستمرار الشرعية وديمومتها.
والأمة هي من تعطي للدولة الإسلامية طبيعتها المدنية، التي تقوم على المؤسسات “والشورى هي آلية اتخاذ القرارات في جميع مؤسساتها، والأمة فيها هي مصدر السلطات، شريطة أن لا تحل حراما أو تحرم حلالا جاءت به النصوص الدينية قطعية الدلالة والثبوت…فهي دولة مدنية لأن النظم والمؤسسات والآليات فيها تصنعها الأمة وتطورها وتغيرها بواسطة ممثليها…” .
فالآثار المترتبة على كون الأمة مصدر السلطات “جعل الخلافة بالبيعة والعقد والاختيار من ممثلي الأمة، وجعل للأمة الحق في مراقبة الحاكم ومحاسبته، بل توجب ذلك عليها … ،فالإمارة بعد النبي صلى الله عليه وسلم شورى بينهم، فهم الذين يختارون خليفتهم برضاهم وشوراهم، فلا ملوك ولا ورثة، ولا قهر، ولا مغالبة، كما أن الأمر شورى في كل أمر من أمور حياتهم، مما لا نص فيه، إذ أن حق التشريع المطلق لله وحده، أما الأمة فلها حق التشريع المقيد، كالشورى في اختيار السلطة، وفي التشريع فيما لا تشريع فيه، وفيما فيه تشريع يحتاج في تطبيقه وتنزيله على أرض الواقع إلى اجتهاد وشورى” ومما يجعل الأمة قائمة بهذا الحق عصمتها،”فعصمة الأمة مغنية عن عصمته (أي الإمام) وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة، فقالوا: لأن من كان من الأمم قبلنا كانوا إذا بدلوا دينهم بعث الله نبيا يبين الحق وهذه الأمة لا نبي بعد نبيها، فكانت عصمتها تقوم مقام النبوة”، ليبقى المجتمع هو الأهم والأدوم، وهو الأصل والمنبع. فالأمة هي من تحمي الشرعية وتحمي أمن الدولة والمجتمع واستقرارهما معا، وهي من يحقق التنمية بإشرافها وهيمنتها على الدولة.
1- الريسوني، الأمة هي الأصل، ص: 9.
2- الجويني، غياث الأمم، ص: 276.
3- الريسوني، الأمة هي الأصل، ص: 12.
4- هبة رؤوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت – القاهرة، ط 1، 2015م، ص: 117.
5- الريسوني، الأمة هي الأصل، ص:27.
6- حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان، ص: 30.
7- عبد الحميد أحمد أبو سليمان، إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي، ص: 24.
8- علي جريشة، أركان الشرعية الإسلامية حدودها وآثارها، ص:33.
9- الشنقيطي، الأزمة الدستورية، ص: 120.
10- الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص: 3.
11- حسن كانوكاتا، النظرية السياسية عند ابن تيمية، ص: 114.
12- عبد الله المالكي، سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، ص: 4.
13- عبد الله المالكي،المرجع نفسه، ص: 130.
14- عبد الله المالكي، المرجع نفسه، ص: 120.
15- عبد الله المالكي، المرجع نفسه، ص: 143.
16- علال الفاسي، النقد الذاتي، ص: 137.
17- عبد الحميد أحمد أبو سليمان، إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا
– الولايات المتحدة الأمريكية، ط: 2، 1433هـ – 2012م، ص: 29.
18- محمد عمارة، ثورة 25 يناير وكسر حاجز الخوف، ص: 14.
19- محمد عمارة، المرجع نفسه، ص: 14.
20- عبد الله المالكي، سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، ص: 132.
21- محمد عمارة، ثورة 25 يناير، ص: 86.
22- حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان، ص: 153.
23- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 3/ 272-273.
24- الريسوني، فقه الاحتجاج والتغيير،ص: 124.