المغرب بين النفط والشمس

Écrit par

dans


الحسن أبكاس
مدخل: عندما يصطدم الواقع الجيوسياسي بالطموح الطاقي

في 28 فبراير 2026، لم يكن العالم على موعد مع مجرد تصعيد عسكري آخر في منطقة الخليج، بل مع لحظة فارقة أعادت تعريف مفهوم “الأمن الطاقي” ذاته. الضربات المنسقة التي تبادلها الأمريكان والإسرائيليون والإيرانيون، وما تلاها من ردود طالت الملاحة البحرية في مضيق هرمز، لم تكن مجرد حلقة في سلسلة التوترات الإقليمية، بل كانت اختباراً حقيقياً لهشاشة البنى التحتية الطاقية للدول المستوردة للنفط والغاز، وعلى رأسها المغرب.

هذه الورقة تحلل تداعيات أزمة هرمز على الأمن الطاقي المغربي من منظور القانون الدولي والعلاقات الدولية، وتتقصى مدى قدرة الاحتياطيات الاستراتيجية للمملكة على الصمود، وتقيّم ما إذا كانت هذه الأزمة ستشكل حافزاً حقيقياً لتسريع وتيرة التحول نحو الطاقات المتجددة.

أولاً: المغرب في لعبة الأمم الكبرى.. بين مبدأ عدم الانحياز وضرورات التحالف الطاقي إعادة تعريف الحياد الإيجابي في عصر الصراع على الموارد

في خضم أزمة هرمز، وجد المغرب نفسه مضطراً لخوض معادلة دبلوماسية معقدة: كيف يحافظ على إمداداته الطاقية دون أن يسحب إلى دائرة الصراع المباشر بين الغرب وإيران؟ الإجابة تجلت في استراتيجية أطلق عليها المراقبون اسم “الحياد النشط”، وهو تطور لسياسة “عدم الانحياز الإيجابي” التي طالما تبنّتها المملكة في ملف الصحراء المغربية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

من منظور النظرية الواقعية في العلاقات الدولية (Realism)، فإن الدول الصغرى والمتوسطة في أنظمة ثنائية القطب أو متعددة الأقطاب المتوترة تُجبر على ممارسة “التوازن و”الاستتباع” في آن واحد. فالمغرب، الذي تربطه علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلفائها، لم يستطع تقديم تنازلات تذكر تجاه طهران، التي تظل علاقاته معها محدودة ودون مستوى الطموح.

وبالمقابل، فإن المملكة، التي تستورد جزءاً كبيراً من نفطها من دول الخليج العربي (السعودية والإمارات)، وقفت مع مجلس التعاون الخليجي في إدانة التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية. هذا الموقف، وإن كان متوقعاً، جعل منها هدفاً غير مباشر للدعاية الإيرانية التي صنفت “الدول الداعمة للعدوان” على طهران.

خطاب الرباط وطهران: قراءة في الدبلوماسية الطاقية

كشفت أزمة هرمز عن تحول دقيق في الخطاب الدبلوماسي المغربي. فبينما كانت الرباط تلتزم الصمت حيال الصراع الإيراني-الغربي طوال عقد كامل، باستثناء انتقادات محدودة للتدخلات الإيرانية في الشأن اليمني واللبناني، تغير الأمر بعد فبراير 2026؛ ففي بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية المغربية بتاريخ 4 مارس 2026، لم تكتف الرباط بـ “الدعوة لضبط النفس” كالعادة، بل تحدثت بصراحة عن “تهديد خطير لأمن الطاقة العالمي يؤثر بشكل مباشر على الدول المستوردة للنفط، وعلى رأسها المغرب”. هذا التصعيد اللغوي، وإن كان محسوباً، يعكس إدراكاً بالمصالح الحيوية المباشرة.

في المقابل، كان الرد الإيراني غير مسبوق في حدته. فوكالة “تسنيم” شبه الرسمية وصفت المغرب في افتتاحية لها بأنه “دولة تابعة لأجندة واشنطن وحلفائها”، ويجب ألا تُعامل بطريقة أفضل من دول الخليج”. كما هددت مصادر دبلوماسية إيرانية، في اتصالات غير رسمية، “بمراجعة حسابات طهران تجاه الدول التي ساندت الحصار البحري على إيران”. هذه التهديدات تحمل أبعاداً طاقية واضحة؛ فإيران كانت، عبر شركات تصدير النفط التابعة للحرس الثوري، أحد الموردين المحتملين للمغرب بأسعار مخفضة، عبر وسطاء في سلطنة عُمان أو تركيا. وبعد الأزمة، أصبح هذا الخيار شبه مستحيل.

الدروس المستفادة: نحو دبلوماسية طاقية استباقية

أثبتت الأزمة أن وثائق الاستراتيجيات الطاقية وحدها لن تحمي الدولة من الصدمات الجيوسياسية. ما يحتاجه المغرب هو “دبلوماسية طاقية استباقية” تقوم على ثلاث ركائز:

تعميق التحالفات مع الدول المالكة للممرات البديلة، عبر تعزيز التعاون مع موريتانيا والسنغال (في المحيط الأطلسي) ومع إسبانيا والبرتغال (كبوابتين للغاز الطبيعي المسال القادم من أمريكا)؛

آلية للتخفيف من آثار العقوبات، والاستفادة من تجارب دول مثل تركيا والهند في إنشاء آليات مالية ومصرفية بديلة للتعامل مع الدول الخاضعة للعقوبات (كإيران وروسيا) بما لا ينتهك الأطر الدولية؛

تأمين البنى التحتية كأهداف محتملة، بتحويل موانئ الطاقة (كالجرف الأصفر وميناء طنجة المتوسط) إلى مناطق عسكرية محصنة، وتدريجياً تحويلها إلى “جزر طاقة” متكاملة للتحلية والتخزين.

ثانياً: تداعيات الأزمة على الأمن الطاقي المغربي.. قراءة في الأرقام حجم الاحتياطيات الاستراتيجية: بين الالتزام القانوني والواقع العملي

شكّلت أزمة هرمز اختباراً حقيقياً للمنظومة الطاقية المغربية، التي تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد من الخارج. فالمغرب يستورد حوالي 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعله عرضة بشكل كبير لأي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية.

في هذا السياق، طمأنت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، الرأي العام المغربي إلى أن المخزونات الوطنية من المواد البترولية تظل في وضع طبيعي، وأن المملكة تتوفر على احتياطيات تغطي حوالي 30 يوماً من الاستهلاك لمعظم المواد البترولية، وهو مستوى قد يتجاوز 60 يوماً لبعض المواد، مع الأخذ بعين الاعتبار الشحنات الموجودة في الموانئ.

وبعد شهر من تفاقم الأزمة، قدّمت الوزيرة أرقاماً محدّثة أمام مجلس النواب في 13 أبريل 2026، حيث أفادت أن مستوى احتياطيات المنتجات النفطية بلغ 47 يوماً من الاستهلاك الوطني بالنسبة للغازوال (الديزل)، وأكثر من 49 يوماً بالنسبة للبنزين.

هذه الأرقام، رغم كونها مطمئنة نسبياً، تثير تساؤلات قانونية وسياسية مهمة. فالقانون المغربي رقم 71.09 المتعلق بتخزين المواد البترولية يُلزم الفاعلين في القطاع بتوفير مخزون احتياطي يغطي ستين يوماً من الاستهلاك. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل التزمت الشركات بهذا الالتزام القانوني؟ أم أن الأزمة كشفت وجود فجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي؟

تُظهر التصريحات الرسمية وجود تباين في الأرقام، حيث تتحدث الوزيرة أحياناً عن 30 يوماً وأحياناً أخرى عن 47 أو 49 يوماً، بينما ينص القانون على 60 يوماً. قد يُفسّر هذا التباين باعتبار أن الأرقام المعلنة لا تشمل جميع المنتجات، أو أنها تعكس واقعاً متغيراً بسبب استنزاف المخزون دون قدرة على التعويض بسبب إغلاق المضيق. كما أن الاعتماد على الشحنات “الموجودة في الموانئ” كمخزون هو أمر محفوف بالمخاطر، فالموانئ نفسها قد تكون هدفاً محتملاً أو تعاني من ازدحام شديد.

2. آلية الاستجابة للأزمة: خلية اليقظة وتنويع المصادر

لم تقتصر استجابة الحكومة المغربية على طمأنة الرأي العام، بل اتخذت إجراءات عملية لمواجهة الأزمة. فقد تم تفعيل “خلية يقظة “(Cellule de veille) مكلفة بمتابعة تطورات الأسواق الطاقية بشكل يومي والتنسيق مع فاعلي القطاع. كما اعتمدت المملكة على استراتيجية تنويع مصادر التوريد، بالتحول نحو الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية. هذا التنويع يندرج في إطار استراتيجية أوسع للحد من الاعتماد على منطقة الخليج، التي أثبتت الأزمة مدى هشاشة الإمدادات القادمة منها.

وعلى صعيد حماية القدرة الشرائية، خصصت الحكومة ميزانية تقدر بـ 1.6 مليار درهم لدعم أسعار المواد الطاقية، منها 600 مليون درهم موجهة لدعم قنينات غاز البوتان، ومليار درهم لدعم قطاع الكهرباء والنقل. هذا الدعم، رغم كونه ضرورياً للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، يُثقل كاهل الميزانية العامة ويطرح تساؤلات حول استدامته على المدى الطويل.

ثالثاً: الاختبار الحقيقي.. هشاشة البنية أم حافز للتغيير؟ نقاط الضعف التي كشفتها الأزمة

كشفت أزمة هرمز عن ثلاث نقاط ضعف جوهرية في المنظومة الطاقية المغربية:

– محدودية القدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية؛ ذلك أن الاحتياطيات الحالية، حتى لو بلغت 60 يوماً، تظل محدودة في مواجهة أزمة قد تطول لأشهر. فالعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، والحظر النفطي، والصراع العسكري المفتوح، كلها عوامل قد تؤدي إلى إغلاق طويل الأمد للمضيق، وهو ما يتجاوز قدرة أي دولة ذات مخزون محدود على الصمود.

– الاعتماد شبه الكامل على استيراد المحروقات؛ على عكس دول الجوار التي تمتلك احتياطيات نفطية أو غازية، يظل المغرب رهيناً للتقلبات الجيوسياسية والأسعار العالمية. وزيرة الانتقال الطاقي نفسها اعترفت بأن فاتورة الطاقة تظل “مرتفعة جداً”.

– هشاشة البنية التحتية الاستراتيجية، حيث تتركز معظم المنشآت النفطية والغازية في الموانئ الرئيسية، مما يجعلها أهدافاً محتملة في حال امتداد الصراع. كما أن الاعتماد على مخزون “في الموانئ” يعني أن أي هجوم أو حصار لتلك الموانئ سيؤدي إلى شلل فوري في الإمدادات.

الطريق نحو السيادة الطاقية: التحول المؤسسي والتنظيمي

في مواجهة هذه التحديات، بدأ المغرب في اتخاذ خطوات جادة نحو تعزيز سيادته الطاقية، مستلهماً نموذج نجاح مجموعة OCP للفوسفاط، التي أصبحت أكثر تنافسية دولية بعد تحولها إلى شركة مساهمة.
فمشروع القانون رقم 56.24، الذي يقضي بتحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة يخضع للرقابة العامة، يُعد خطوة استراتيجية بهذا الاتجاه. وزيرة الانتقال الطاقي شددت على أن هذا التحول “ليس خوصصة ولا استسلاماً”، بل هو “تعزيز لأسس السيادة الطاقية والمعدنية للدولة”.

هذه الرؤية تجسد مقولة “المساعدة الذاتية “(Self-help) في نظرية العلاقات الدولية الواقعية، حيث تسعى الدولة إلى تعزيز قدراتها الداخلية للحد من هشاشتها في وجه التهديدات الخارجية، بدلاً من الاعتماد على الضمانات القانونية الدولية التي أثبتت الأزمة محدودية فعاليتها.

تسريع التحول الطاقي: من الالتزام الدولي إلى الضرورة الوجودية

لطالما كان المغرب رائداً في مجال الطاقات المتجددة على المستوى الإقليمي، حيث تشكل المصادر المتجددة حالياً حوالي 45% من المزيج الكهربائي. لكن أزمة هرمز أعطت زخماً جديداً لهذا التوجه، محولة إياه من التزام طوعي في إطار اتفاقية باريس للمناخ إلى ضرورة وجودية مرتبطة بالأمن القومي.

جاء تفعيل الإطار القانوني للإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية (القانون 82-21 والمرسوم 2-25-100) في هذا التوقيت ليشكل نقلة نوعية في السياسة الطاقية المغربية. هذا الإطار يسمح للمنشآت الصناعية والتجارية وللأسر بإنتاج الكهرباء للاستهلاك الذاتي من مصادر متجددة، وبيع الفائض إلى الشبكة الوطنية.

من منظور القانون الدولي، هذا التوجه يتسق مع مبادئ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية (Permanent Sovereignty over Natural Resources)، وهو مبدأ من مبادئ القانون الدولي العام الذي يؤكد حق كل دولة في استخدام واستغلال مواردها الطبيعية وفقاً لأولوياتها الوطنية، دون إكراه خارجي. فبالانتقال إلى الاعتماد على الشمس والرياح، وهما موردان متجددان لا يمكن احتكارهما أو تقييدهما بواسطة قوى خارجية، يعزز المغرب سيادته الطاقية بشكل لا يمكن لأي قوة عسكرية أو جيوسياسية انتهاكه.

كما أن استراتيجية المغرب لا تقتصر على التوليد الذاتي، بل تمتد إلى بناء بنية تحتية بديلة، أبرزها مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال الأولى بطاقة 5 مليار متر مكعب سنوياً في ميناء وادي الذهب الجديد، والتي من المتوقع أن تدخل الخدمة في الربع الرابع من 2026. هذا المشروع، رغم كونه مرتبطاً بالغاز الأحفوري، يمثل خطوة انتقالية مهمة نحو تنويع مصادر الإمداد والحد من الاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من الشرق.

الخلاصة.. نحو نموذج جديد للدولة الطاقية

لم تكن أزمة هرمز مجرد حلقة عابرة في تاريخ التوترات الجيوسياسية، بل كانت اختباراً حقيقياً لهشاشة الدولة القومية في وجه قوى العولمة والصراع، كما تصف نظرية العلاقات الدولية. فالمغرب، رغم كل إجراءات الطمأنة والمرونة التي أبدتها حكومته، لا يمكنه أن ينعم بالأمان الطاقي الكامل طالما ظل رهيناً لمضيق يبعد عنه آلاف الكيلومترات.

لكن، كما تحمل الأزمات في طياتها فرصاً للتغيير، فإن أزمة هرمز قد تكون الصدمة الخارجية التي يحتاجها المغرب لتسريع وتيرة تحوله الطاقي. فالانتقال من منطق “المستهلك السلبي” إلى منطق “المنتج النشط” للطاقة لم يعد ترفاً اقتصادياً أو التزاماً بيئياً، بل أصبح ضرورة سيادية وجودية.

المسار الذي رسمته الحكومة، مدعوماً بالدروس المستفادة من لعبة الأمم الكبرى، يضع المملكة أمام فرصة تاريخية: إما البقاء رهينة للممرات المائية البعيدة، أو قيادة نموذج إفريقي-متوسطي جديد للسيادة الطاقية القائمة على اللامركزية والطبيعة والتكنولوجيا.

في النهاية، الاختبار الوطني الحقيقي ليس في قدرة المغرب على تجاوز هذه الأزمة العابرة، بل في مدى استفادته منها لبناء دولة لا تُهدد احتياطياتها الاستراتيجية إلا إذا تعرضت الشمس والرياح للنفاد.

إقرأ الخبر من مصدره