رسالة “زعيم” البوليساريو إلى الأمم المتحدة… آخر أوراق اليأس وصدى الإملاءات الجزائرية

Écrit par

dans

د. عبد القادر الحافظ بريهما

في خضم التحولات السياسية والدبلوماسية التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، تبدو الرسالة التي بعث بها إبراهيم غالي إلى الأمين العام للأمم المتحدة وكأنها محاولة متأخرة لإعادة خلط الأوراق بعد أن أصبحت ملامح الحل الواقعي تتضح أكثر فأكثر داخل المنتظم الدولي. فبدل أن تحمل الرسالة رؤية سياسية جديدة أو مقترحات عملية تواكب المرحلة، جاءت مليئة بالتكرار والخطابات الخشبية المتكلسة والشعارات المستهلكة التي تجاوزها الزمن، وكأن صاحبها يعيش خارج السياق الدولي الحالي الذي بات يميل بوضوح نحو الواقعية السياسية والحلول العملية القابلة للتطبيق.

وعندما يقرأ المتتبع مضمون الرسالة وما بين سطورها، يلاحظ بسهولة الحضور القوي للبصمة الجزائرية، سواء في اللغة المستعملة أو في طبيعة الاتهامات أو حتى في ترتيب الأفكار والرسائل المبطنة. فالوثيقة لا تعكس خطاب “قيادة” صحراوية تبحث عن تسوية تحفظ كرامة اللاجئات والشيوخ والاطفال المغلوبين عن أمرهم، بقدر ما تعكس حالة ارتباك سياسي ومحاولة يائسة للدفاع عن أجندة إقليمية جزائرية أصبحت مكشوفة أمام العالم. ولهذا بدت الرسالة أقرب إلى بيان صادر عن دوائر المخابرات الجزائرية منه إلى خطاب قيادة تدعي تمثيل الصحراويين.

الرسالة تحدثت كثيرا لكنها في النهاية لم تقل شيئا جديدا، إذ أعادت اجترار نفس الأسطوانة القديمة حول الحرب ووقف إطلاق النار والاتهامات المتبادلة، دون تقديم أي تصور سياسي واقعي ينسجم مع التطورات الأخيرة التي تعرفها القضية المتمثلة في القرار الاممي رقم 2797 القاضي باعتماد مشروع للحكم الذاتي. والأخطر من ذلك أنها تجاهلت بشكل كامل التحولات الدولية المتسارعة، والدعم المتزايد لهذه المبادرة باعتبارها الحل الجاد وذي المصداقية، واختارت بدل ذلك لغة التصعيد والإنكار والهروب إلى الأمام، وهو ما يكشف حجم العزلة السياسية التي تعيشها قيادة البوليساريو.

كما أن هذه الرسالة البئيسة عكست بوضوح حالة عدم الرضى والتذمر داخل جزء واسع من الصحراويين، سواء داخل الأقاليم الجنوبية أو حتى داخل مخيمات تندوف بفيافي الحمادة، لأن الناس أصبحت تبحث عن حلول حقيقية تنهي عقود المعاناة، لا عن رسائل دعائية لا تقدم ولا تؤخر. فالأوضاع الاجتماعية الصعبة داخل المخيمات، واستمرار الاحتجاز السياسي والإنساني للساكنة، جعلت الكثيرين يدركون أن القيادة الحالية استنفدت كل أوراقها ولم يعد لديها ما تقدمه سوى المزيد من الخطابات المتشنجة التي لا تخدم مستقبل الصحراويين.

ومن خلال الصياغة المرتبكة للمراسلة، يظهر بوضوح أن هناك “لمسة جزائرية” طاغية في اختيار المفردات والمضامين والأهداف الخفية، وكأن الرسالة كتبت على عجل لإرضاء النظام الجزائري أكثر مما كتبت للدفاع عن الصحراويين. فبدل تشجيع مسار التفاوض الذي ترعاه الأمم المتحدة، حاولت الرسالة إحياء أجواء التوتر والتصعيد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة والانخراط المسؤول في المسار السياسي. وهذا ما يجعل كثيرين يعتبرون الرسالة واحدة من آخر الأوراق التي يتم توظيفها بعد تضاؤل هامش المناورة السياسية والدبلوماسية.

واليوم، أصبح من الضروري التحلي بالشجاعة السياسية والاعتراف بأن مستقبل الصحراويين لا يمكن أن يبنى على منطق الحرب أو الارتهان لأجندات خارجية، بل على الحوار والواقعية والانخراط الجدي في الحلول الممكنة. وعلى إبراهيم غالي وصحبه من القيادة الفاشلة للبوليساريو أن يدرك أن الوقوف إلى جانب معاناة اللاجئين والدفاع عن كرامتهم وحقهم في العيش الكريم أهم بكثير من الاستمرار في خدمة حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الصحراويين. فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بات بالنسبة لكثير من المتابعين من ابناء المنطقة على المحيط الأطلسي وشرق الجدار الحل الأكثر واقعية وقدرة على ضمان الاستقرار والتنمية والكرامة لأبناء الصحراء المغربية.

إقرأ الخبر من مصدره