زينب شكري
أعاد الجدل الذي رافق جنازة الفنان الراحل عبد الوهاب الدكالي النقاش مجددا حول الطريقة التي يعامل بها الفنانون في المغرب وحجم الاعتراف الذي تحظى به الأسماء التي صنعت جزءا كبيرا من الذاكرة الفنية للمغاربة.
ورغم مرور أيام على رحيله، ما تزال صور الوداع الأخير للدكالي تثير ردود فعل واسعة داخل الأوساط الفنية والثقافية، في ظل شعور عدد من المبدعين بأن واحدا من أبرز رموز الأغنية المغربية لم ينل التكريم الذي يوازي مساره الطويل وتأثيره الكبير في أجيال متعاقبة من المغاربة، ليعيد إلى الأذهان وقائع مماثلة حدثت مع رواد كبار، كان آخرهم الهرمين نعيمة سميح وعبد الهادي بلخياط.”
وأثارت الأجواء التي مرت فيها جنازة الدكالي موجة من التساؤلات بشأن مكانة الثقافة داخل الوعي المؤسساتي، خاصة أن كثيرين يعتبرون أن الفنانين الكبار لا يمثلون أسماء فنية فقط، بل يشكلون جزءا من تاريخ البلاد وذاكرتها الجماعية.
كما يرى متابعون أن لحظات الوداع الرسمية للفنانين تتحول في عدد من الدول إلى رسائل رمزية تعكس تقدير الدولة لمن ساهموا في تشكيل وجدان المجتمع وصورته الثقافية، وهو ما جعل جنازة الدكالي تتحول بدورها إلى موضوع نقاش يتجاوز تفاصيل التشييع نحو سؤال أوسع يتعلق بموقع الفن داخل المجتمع المغربي.
وفي هذا السياق، عبر المخرج عبد السلام الكلاعي عن موقفه من الأجواء التي مرت فيها جنازة الدكالي، معتبرا أن “رحيل عبد الوهاب الدكالي دون جنازة رسمية تليق بمكانته، أو دون حضور واضح وتمثيلية على أعلى مستوى للمسؤولين الحكوميين، لا يجب أن يُفهم فقط كواقعة بروتوكولية عابرة، بل كصورة رمزية تكشف طبيعة العلاقة المرتبكة التي تربط السلطة بالذاكرة الثقافية للأمة المغربية”.
وأضاف الكلاعي، أن “الجنازات الكبرى ليست مجرد طقوس دفن، بل لحظات تعلن فيها الأمم عمن تعتبرهم جزءا من تاريخها العميق، ومن حكايتها الوطنية”، مشيرا إلى أن غياب هذا الاعتراف يجعل الناس يشعرون بأن “جزءا من ذاكرتهم الجماعية يُدفن بصمت”.
وتوقف المخرج المغربي عند المسار الفني الطويل الذي راكمه الدكالي، معتبرا أنه “كان أكثر من مطرب أو ملحن ناجح”، بل “صوتا رافق تحولات المغرب الحديثة، ووجها لزمن كانت فيه الأغنية المغربية تحمل مشروعا جماليا ولغويا وثقافيا واضحا”.
كما شدد الكلاعي في تدوينة عبر حسابه على “فيسبوك” على أن الأعمال الفنية للدكالي لم تكن “مجرد مواد للاستهلاك السريع”، بل شكلت بالنسبة لأجيال من المغاربة “جزءا من تربية عاطفية كاملة”.
وأوضح الكلاعي، أن المغاربة تعلموا من خلال أغاني عبد الوهاب الدكالي “معنى الرقة، والحنين، والحب المؤجل، والكلمة الأنيقة، واللحن الذي يمنح للحياة اليومية بعدا شاعريا”، معتبرا أن غياب وداع رسمي يوازي هذا الأثر الفني “يبدو كما يبدو للكثيرين وكأنه ليس تجاهلا لفرد فقط، بل تجاهل للتاريخ الثقافي المغربي كله، وتجاهل لكل من يصنعونه”.
كما قارن المتحدث بين ما يقع في المغرب وما يحدث داخل دول يعتبرها أكثر وعيا بقيمة الثقافة والفن، قائلا إن “جنازات الفنانين الكبار تتحول إلى طقس وطني للاعتراف”، لأن الدولة -بحسب تعبيره- “لا تكرّم الجسد الراحل فقط، بل تكرّم ما مثله ذلك الفنان في الوعي الجمعي”.
وأشار إلى أن الأغنية، مثل الرواية والسينما والمسرح والشعر، “ليست ترفا جانبيا”، وإنما “إحدى الأدوات التي تُصاغ بها صورة الوطن في خيال أبنائه”، مؤكدا أن الفنانين الكبار يخلقون “لغة مشتركة بين الناس، وذكريات مشتركة، وأحاسيس مشتركة”، بل إنهم ينجحون أحيانا “في توحيد الشعور الوطني أكثر مما تفعله الخطب السياسية”.
واعتبر الكلاعي، أن النقاش لا يتعلق فقط بالأسماء التي حضرت أو غابت عن جنازة معينة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يرتبط بكيفية تعامل الدول مع ذاكرتها الفنية، موضحا أن هناك مجتمعات “تعتبر الفنانين جزءا من تاريخها السيادي، تماما مثل الشخصيات السياسية الكبرى”، لأنهم يساهمون في تشكيل “روح الأمة”.
في المقابل، يرى المخرج المغربي أن الفن داخل مجتمعات أخرى، “مثل مجتمعنا”، يُترك غالبا “في دائرة العاطفة الشعبية وحدها”، وكأن الدولة “تستفيد من إشعاعه الرمزي دون أن تتحمل مسؤولية حفظ مكانته التاريخية”. وهي الفكرة التي أعادت إلى الواجهة مطالب متكررة بضرورة رد الاعتبار للفنان المغربي، سواء في حياته أو بعد رحيله، من خلال مبادرات رسمية تحفظ الذاكرة الثقافية الوطنية وتمنح رموزها ما يليق بهم من تكريم واعتراف.
ورغم كل الجدل الذي رافق جنازة الفنان الراحل، شدد عبد السلام الكلاعي على أن قيمة الفنان الحقيقي لا تُقاس فقط بحجم المراسيم الرسمية، بل أيضا بقدرته على البقاء داخل وجدان الناس، قائلا إن صوت عبد الوهاب الدكالي “سيبقى حاضرا في البيوت المغربية، وفي ذاكرة الناس، وسيصاحبهم لسنوات أخرى في لحظات الحب والفقد والحنين”.
وختم الكلاعي حديثه بالتأكيد على أن الحزن الذي عبّر عنه كثير من المغاربة بعد جنازة الدكالي يرتبط أساسا بإحساس جماعي بأن فنانا “عاش في وجدانهم بهذا العمق، كان يستحق لحظة وداع تقول بوضوح إن الفن أيضا يصنع الأوطان”.