وشاي تهاجم شركات تنفيذ الإنتاج: الفن أصبح رهينة الربح التجاري الصرف

Écrit par

dans

زينب شكري

يتواصل الجدل داخل الأوساط الفنية المغربية حول واقع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي في ظل تنامي الانتقادات الموجهة إلى ما تصفه أصوات مهنية بتحول عدد من شركات تنفيذ الإنتاج إلى فاعل يتحكم في تفاصيل العملية الفنية بمنطق تجاري صرف، يضع الربح في مقدمة الأولويات على حساب جودة الأعمال وظروف اشتغال الفنانين والتقنيين وكتاب السيناريو.

وترى الممثلة المغربية فاطمة وشاي، أن قطاع الإنتاج يعيش اليوم مرحلة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الفنية مع الحسابات المالية، وسط واقع تعتبر فيه أن “الفن أصبح رهينة الربح”، في إشارة إلى التحولات التي شهدها مجال تنفيذ الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، سواء في التلفزيون أو السينما.

وأوضحت الممثلة المغربية أن المنتج الحقيقي في المغرب يظل، في الأصل، هو القطاع العمومي، سواء عبر الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة والقناة الثانية في ما يتعلق بالأعمال التلفزيونية، أو عبر المركز السينمائي المغربي بالنسبة للإنتاج السينمائي، باعتبار هذه المؤسسات هي التي تمول المشاريع وترصد الميزانيات وتمنح طلبات العروض، بينما تتولى شركات خاصة مهمة تنفيذ الإنتاج على المستوى الإداري والتقني والفني.

واعتبرت، أن الصورة لم تكن دائما على هذا الشكل، مشيرة إلى أن الفنان في مراحل سابقة كان غالبا صاحب المشروع والمشرف المباشر على تفاصيل إنجازه، سواء كممثل أو مخرج أو منتج، وهو ما كان يمنح العمل “روحا مختلفة”، لأن صاحب الفكرة كان حاضرا في كل المراحل، من الكتابة إلى التنفيذ، وكانت الأولوية -حسب تصورها- لنجاح العمل فنيا وثقافيا قبل أي اعتبارات تجارية.

وعادت وشاي للحديث عن التحولات التي عرفها القطاع بعد اعتماد دفاتر التحملات وصيغة طلبات العروض ولجان الانتقاء، معتبرة أن هذه الإجراءات، رغم ارتباطها بشعارات الشفافية والحكامة، أفرزت في المقابل واقعا جديدا أصبحت فيه شركات تنفيذ الإنتاج تمتلك قدرة كبيرة على التحكم في المشاريع بفضل خبرتها الإدارية والمالية ومعرفتها بالمساطر التقنية.

وترى المتحدثة، أن هذه الشركات لم تعد مجرد منفذ تقني، بل تحولت في عدد من الحالات إلى طرف مؤثر في مختلف تفاصيل العملية الإنتاجية، بداية من تدبير الميزانيات وصولا إلى اختيار الطواقم الفنية والتقنية وتحديد ظروف التصوير والتنفيذ، في وقت يثار فيه داخل الوسط المهني، نقاش واسع حول محدودية التتبع والمراقبة بعد منح المشاريع.

وأكدت أن جزءا من الإشكال يرتبط بكيفية صرف الميزانيات العمومية المخصصة للإنتاج، موضحة في تدوينة مطولة نشرتها عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”،أن بعض تجارب التنفيذ أصبحت محكومة بهاجس تقليص النفقات إلى أقصى حد ممكن بهدف توسيع هامش الربح، وهو ما ينعكس -بحسبها- بشكل مباشر على جودة الأعمال الفنية وعلى أوضاع العاملين داخل القطاع.

وفي هذا السياق، أشارت وشاي إلى أن عددا من الممثلين يجدون أنفسهم أمام عروض مالية لا تعكس قيمتهم الفنية ولا مسارهم المهني، مضيفة أن محدودية فرص العمل واحتكار جزء من السوق من طرف عدد محدود من شركات التنفيذ يجعل قبول هذه الشروط في كثير من الأحيان “خيارا اضطراريا وليس اختيارا حرا”.

كما توقفت عند ما وصفته بالممارسات التي أصبحت تثير نقاشا متزايدا داخل الوسط الفني، والمتعلقة بإقناع بعض الفنانين بقبول أجور منخفضة مقابل التلميح إلى استفادتهم لاحقا من الحقوق المجاورة، معتبرة أن هذه الحقوق “ليست منحة أو امتيازا تفاوضيا”، بل حق مهني وفكري أصيل مرتبط باستغلال الأداء الفني وبثه وإعادة استثماره.

وتحدثت كذلك عن ظروف التصوير التي يعيشها عدد من الفنانين والتقنيين، مشيرة إلى أن ضغط إنهاء الأعمال في أقل عدد ممكن من الأيام يدفع، في بعض الحالات، إلى العمل لساعات طويلة ومتواصلة في ظروف مرهقة، إضافة إلى الاقتصاد في المعدات التقنية وعدد العاملين والزمن المخصص للتحضير، وهو ما ينعكس على الجودة النهائية للأعمال.

ولم تقف عند ظروف مواقع التصوير فقط، بل تطرقت أيضا إلى أوضاع الإقامة والتنقل، مشيرة إلى أن بعض الفنانين والتقنيين يشتغلون في ظروف “لا تعكس حجم المجهود الذي يقدمونه ولا قيمة المشاريع التي يشاركون فيها”، رغم الميزانيات المهمة التي تخصصها المؤسسات العمومية لهذه الأعمال.

كما أثارت الممثلة المغربية إشكالات مرتبطة بالعقود المهنية، لافتة إلى أن عددا من الفنانين والتقنيين يواجهون عقودا محدودة الشروط وأجورا وصفتها بالزهيدة، مع غياب أحيانا لضمانات واضحة مرتبطة بالحقوق الاجتماعية والتعويضات المهنية، إلى جانب تأخر صرف المستحقات المالية بعد انتهاء التصوير، رغم وفاء الجهات العمومية بالتزاماتها تجاه المشاريع.

ولم تستثن وشاي كتاب السيناريو من هذه الإكراهات، إذ اعتبرت أن بعض النصوص تخضع لتعديلات تفرضها اعتبارات مرتبطة بتقليص التكاليف أكثر من ارتباطها بالجودة الفنية، الأمر الذي يؤثر-حسب رأيها- على البناء الدرامي والقيمة الإبداعية للأعمال.

وترى الممثلة المغربية أن الإشكال القائم اليوم لا يتعلق بغياب التمويل العمومي، بل بطريقة تنفيذ المشاريع ومدى احترام روح العمل الفني والعنصر البشري داخل مختلف مراحل الإنتاج، معتبرة أن تحويل الربح إلى “البوصلة الوحيدة” داخل بعض تجارب التنفيذ يجعل الفنان يتحول من شريك في صناعة الإبداع إلى مجرد عنصر داخل معادلة تجارية.

وختمت وشاي حديثها بالتأكيد على ضرورة إعادة التوازن بين المال العمومي ورسالة الفن، وبين المنتج الفعلي والمنفذ، بما يضمن حماية القيمة الفنية للأعمال وصون كرامة الفنانين والتقنيين، حتى يستعيد القطاع -وفق تعبيرها- مكانته كقوة ثقافية وإبداعية تعكس صورة المغرب وطموحاته.

إقرأ الخبر من مصدره