الخط : A- A+
أجمع خبراء دوليون في الجلسة الثانية من ندوة الشؤون البحرية الإفريقية (AMS)، التي يحتضنها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بجامعة محمد السادس بالرباط، اليوم الأربعاء 13 ماي 2026، على أن القارة الإفريقية، تقف اليوم أمام منعطف تنموي جديد قوامه الاقتصاد الأزرق، حيث لم يعد الرهان مقتصر على مجرد امتلاك سواحل ممتدة بل أصبح مرتبط بالقدرة على تحويل هذه المساحات إلى محركات حقيقية للنمو، وقد برز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي كعنوان بارز لهذه التحولات الاستراتيجية نظرا لقدرته على الربط بين دول القارة وصولا إلى أوروبا، مما يجعله مشروعا مهيكلا قادرا على تغيير الخارطة الطاقية واللوجستية للمنطقة وتوفير بدائل تنموية تتجاوز الحدود التقليدية للدول.
وفي هذا السياق، فقد شهدت الفترة ما بين 2022 و2030 بروز ديناميكيات طاقية غير مسبوقة تعيد تشكيل وجه القارة، حيث يمثل حقل “بالين” في ساحل العاج طفرة كبرى يتوقع أن تبلغ ذروتها في 2027، بينما تكرس نيجيريا مكانتها عبر مصفاة “دانغوتي” الأكبر قاريا والتي بدأت فعليا في تصدير المنتجات المكررة بحرا، وفي ذات السياق دخلت الكونغو برازافيل نادي مصدري الغاز الطبيعي المسال، وتلتها السنغال وموريتانيا بمشاريع كبرى مثل “سانغومار” ومشروع “GTA” الذي انطلق إنتاجه نهاية العام الماضي، ما يؤكد أن الثروات البحرية أصبحت الركيزة الأساسية للأمن الطاقي الإفريقي.

وأكدت تحليلات الخبراء تصاعد دور الأنشطة البحرية المعروفة بـ “الأوفشور” التي تسمح بإنتاج وتصدير الموارد مباشرة من أعماق المحيط دون الحاجة للمرور عبر اليابسة، وهذا التوجه يعكس تنوعا جغرافيا لافتا ينتظم حول أربعة تكتلات رئيسية تشمل شمال إفريقيا وخليج غينيا والجنوب والشرق الإفريقي، مما يقلص من التبعية للبنيات التحتية البرية التقليدية ويمنح القارة مرونة أكبر في التعامل مع الأسواق الدولية، ويجعل من المحيط ساحة مفتوحة للاستثمار التقني العالي الذي يتطلب تنسيقا سياسيا وأمنيا محكما بين مختلف الفاعلين الإقليميين.
أكدت ماجدة معروف المديرة العامة للوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية بالمغرب أن قطاعي الصيد والتربية المائية يمثلان الجسر الحقيقي الذي يربط المواطن البسيط بمفهوم الاقتصاد الأزرق، فهي قطاعات لا تكتفي بتوفير الأمن الغذائي بل تخلق فرص عمل محلية مستدامة وتنعش الاقتصادات الترابية بطريقة لا يمكن نقلها للخارج، ولتحقيق ذلك لا بد من الارتكاز على ستة ركائز أساسية تشمل التخطيط البحري والبنية التحتية والإطار القانوني الصارم، بالإضافة إلى التكوين المستمر والبحث العلمي وتوفير التحفيزات المالية التي تشجع المستثمرين على خوض غمار هذا المجال الواعد.

ووفقا للمسؤولة المغربية، تواجه القارة تحديا ديموغرافيا هائل مع توقع وصول عدد المستهلكين إلى مليارين ونصف المليار نسمة بحلول عام ألفين وخمسين، مما يفرض ضرورة ملحة لرفع حصة البروتينات البحرية في النظام الغذائي المستقبلي للأفارقة، ورغم أن إفريقيا تمتلك ثلاثين في المئة من الخط الساحلي العالمي، إلا أن المحيط لا يزال يفتقد للمكانة التي يستحقها كأصل استراتيجي في السياسات العمومية لجل الدول، وهو ما يستوجب توحيد التعريفات القانونية وتجاوز التشتت التنظيمي الحالي الذي يعيق التكامل القاري ويمنع الاستفادة القصوى من هذه الثروات الممتدة على طول ثمانية وثلاثين ألف كيلومتر.
ومن جهتها، أوضحت سناء العمراني مديرة الموانئ والملك العمومي البحري أن تثمين المجالات البحرية لا يمكن أن ينجح دون السيطرة الكاملة على البيانات والتحكم في الخرائط البحرية قبل البدء في أي مشروع تطويري، فالمعرفة الدقيقة بالمجال هي الضمان الوحيد لتحقيق نمو عادل ومستدام يحفظ حقوق الأجيال القادمة، خاصة في ظل سياق عالمي مضطرب يتسم بارتفاع تكاليف الشحن وتغير المسارات التجارية الكبرى، حيث تمتلك إفريقيا فرصة ذهبية لتقديم بدائل لوجستية متطورة تضعها في قلب التجارة العالمية شريطة الانتقال من مربع الانتظار إلى مربع الفعل.
وحذرت القيادات المسؤولة من الانجراف وراء شراكات القطاع العام والخاص دون ضمانات سيادية كافية، حيث أن البنيات التحتية المينائية يجب أن تظل تحت السيطرة الوطنية لضمان استقلال القرار الاقتصادي، وهذا يتطلب تسلحا قانونيا قويا ومهارات تفاوضية عالية قادرة على حماية الطابع العمومي للموانئ وتأمين مصالح الدول، فالميناء ليس مجرد رصيف للسفن بل هو بوابة سيادية وشريان حيوي لا يمكن رهنه لإرادات أجنبية قد تتقاطع مع المصالح الوطنية العليا، مما يجعل من التجربة المغربية في هذا الباب مرجعا يحتذى به.

وأشار الخبراء الماليون إلى أن الاقتصاد الأزرق يشمل منظومة متكاملة تضم التشغيل والسياحة والأمن الغذائي واللوجستيك، حيث يطمح الاتحاد الإفريقي للوصول إلى قيمة سوقية تتجاوز أربعمائة مليار دولار في هذا القطاع، وهذا الهدف الطموح يفرض اتباع نماذج ملهمة مثل تجربة السيشيل في “السندات الزرقاء” أو النموذج المغربي في التدبير المندمج، فالدول التي نجحت في رفع مساهمة الاقتصاد البحري في ناتجها المحلي مثل موريتانيا، تدرك أن المستقبل يكمن في التحويل المحلي للمنتجات وترميم النظم البيئية، لضمان استدامة الموارد في عالم لم يعد يعترف إلا بالأقطاب القوية.