المذهب المالكي كأرضية للتدافع السياسي

Écrit par

dans

زكرياء البركاوي

الملخص

يهدف هذا المقال الى مساءلة المذهب المالكي من زاوية مغايرة للقراءات الفقهية التقليدية؛ إذ لا يتناوله بوصفه منظومةً عقديةً مكتفية بذاتها، بل يقاربه بوصفه أرضيةً حجاجيةً ومرجعيةً مرنة للتدافع السياسي والاجتهاد المجالي في السياق المغربي عبر تاريخه. وتنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن المالكية المغربية كانت تاريخياً فقهَ تدبير التعدد الاجتماعي والسياسي، وأنها تنطوي داخلياً — عبر مفاهيم المصلحة المرسلة والمآلات والعرف المعتبر والسياسة الشرعية — على إمكانات اجتهادية كامنة تُتيح تطوير المجال العمومي والسياسي من داخل المرجعية الإسلامية لا من خارجها.

تستند الورقة في بناء حججها إلى ثلاثة مستويات أولها تاريخي وسيولوجي يُعاد فيه قراءة استقرار المالكية بالمغرب في ضوء أعمال مونطاني وبيرك والجابري والعروي؛ وثانيها أصولي يُحلِّل الفلسفة الاجتهادية في نصوص الشاطبي والقرافي وابن القيم؛ وثالثها معاصر ينهل من هذه الأرضية في التفكير في مسألتين راهنتين الجهوية المتقدمة بوصفها نموذجاً لإدارة التنوع المجالي، والملكية البرلمانية بوصفها أفقاً دستورياً يُمكن تأصيله من داخل المذهب كثابت من ثوابت الامة التي احمع عليها و كذلك ايضا من تمييز القرافي الشهير بين تصرف النبي ﷺ بالإمامة وتصرفه بالرسالة والقضاء.

ينتهي المقال إلى أن الخطاب السياسي المغربي المعاصر في تياريه الإسلامي والحداثي معاً لم يوظف بعد الفلسفة الحجاجية التي يُتيحها الموروث المالكي كتراث لامادي ، وأن الأجدى من تغليب الأطروحتين المتقابلتين (الفقه ضد الحداثة / الحداثة ضد الفقه) هو الاشتغال من داخل المرجعية نفسها لإنتاج تجديد يستند إلى أعماق الموروث لا إلى مواجهته.

أولاً: إشكالية البحث وفرضيته المركزية

1. في ضرورة قراءة المالكية سياسياً

ظل دائما البعد الديني غائبا عند الفاعل السياسي، و الغريب ان لم يحتج يوما الاسلاميين بالمذهب المالكي لتحديث الدولة، ولا تبناه الصف الحداثي كنمدخل لتجديد الخطاب الديني من داخل المذهب المالكي الذي اعتبر من العناصر الموحدة للامة، دون ان نغفل ايضا سبب اختيار “العقيدة الاشعرية” و “طريق الجنيد السالك” و لو أنهما ليسا موضوع المقال فقط على سبيل التذكير بهم كجزء مهم من التراث اللامادي للأمة، و هذا الغياب للفاعل السياسي عن النقاش الفقهي كرس للمقاربة الفقهية التقليدية التي جعلت المذهب محتكرا كن كرف قراءة واحدة ، فتُمحورت الإشكاليات حول الترجيح والتخريج الأصولي. غير أن ثمة مستوىً تحليلياً مُغفَلاً يسأل كيف اشتغل هذا المذهب تاريخياً كأداةً للتدافع السياسي وإدارة التنوع الاجتماعي؟ وما المنطق الاجتهادي المؤسس في بنيته الأصولية التي تُتيح تطوير المجال السياسي من داخله لا من خارجه؟

يقتضي هذا الانتقال الى إعادة توجيه النظر من ‘المضامين النصية’ للفقه المالكي إلى ‘آليات اشتغاله’ في بيئات التعدد المجالي وفضّ النزاعات. وبناءً عليه، يتبدّى المذهب إطار مانع للحراك السياسي، ثم قابليته ليصبح منظومة استدلالية لصياغة الحكامة الشرعية لتنبثق من صلب المرجعية الإسلامية

2. الفرضية المركزية للمقال

تقوم فرضية هذا المقال على ثلاث مستويات:

● أن المالكية المغربية كانت تاريخياً فقهَ تدبير التعدد المجالي والقبلي، لا فقه مركزة وإخضاع؛ وأن هذه الخاصية ليست عارضة بل تنبثق من صميم المنهج المالكي في الاستدلال.

● أن البنية الأصولية للمذهب بمفاهيم المصلحة المرسلة والمآلات والعرف المعتبر والسياسة الشرعية تنطوي على إمكانات اجتهادية كامنة تُتيح توسيع المجال السياسي والحقوقي من داخل المرجعية الإسلامية.

● أن استثمار هذه الإمكانات في النقاش السياسي المغربي المعاصر يستلزم تجاوز الثنائية العقيمة بين “الإسلام السياسي” و”الحداثة الوافدة”، نحو اشتغال داخلي يُنتج تجديداً من الأعماق.

* * *

ثانياً: المالكية أرضيةً تاريخية للتعدد قراءة سوسيو-فقهية

1. الجغرافيا والفقه: كيف أنتج المجال حاجةً إلى وساطة فقهية

لا يمكن استيعاب ظاهرة استقرار المذهب المالكي بالمغرب بمعزل عن الشروط الموضوعية التي حكمت تشكّل بنية المجال المغربي في تعدده وتمايزاته الداخلية. فما يُصطلح عليه بـ”الاستقرار الفقهي” لم يكن قرارا سياسي أحاديا معزولا، إنما هو نتاج إجماع ديني خالص، بل يحق القول انه كان نتيجة حتمية لعلاقة مركّبة بين بنية جغرافية متمايزة وحاجة سياسية واجتماعية ملحّة إلى إنتاج الاتساق داخل مجال يفرض بطبيعته التنوع والتدرّج.

فهذا التدرج هو ما يمكن أن نستشفه خاصة من المصادر الكولونيالية التي ركزت اعلب كتاباتها على العلاقة بين المغاربة و الفقه من جهة و بين المغاربة و الفقه و بين السلطة و الفقه كآلية و الفقيه و شيخ الزاوية كوسطاء بين المخزن و الرعية.

من هذا البا يُميِّز روبير مونطاني في دراسته الكلاسيكية للجنوب المغربي بين مستويين متكاملين من التنظيم الاجتماعي لا بين نظام وفوضى: “بلاد المخزن” ذات الانفتاح الجغرافي والإدارة المباشرة، و”بلاد السيبة” ذات التنظيم القبلي الراسخ التي تستدعي صيغةً تنظيميةً مغايرة. والمذهب المالكي في هذه المعادلة هو الإطار الشرعي المشترك الذي يُتيح ضبط الحياة الداخلية للجماعة دون اشتراط الانصياع للإدارة المركزية.بهذا يكون قد أتاح المذهب المالكي ما لم يتحه غيره تنظيم المجال المغربي في كامل تعدده.

في هذا الإطار يكتسب تحليل عبد الله العروي لمسألة الدولة دلالةً مضاعفة؛ إذ يُنبّه إلى أن الدولة تفرض نفسها على الوعي الجمعي بوصفها معطىً سابقاً لكل تنظير، تواجهنا “كفكرة مسبقة، كمعطى بديهي، يطلب منا أن نقبله بلا نقاش”. فالمخزن بحاجة إلى المالكية لتأطير حضوره رمزياً، والمالكية بحاجة إلى المخزن لتُكرِّس انتشارها: تلازم وظيفي يُنتج الاستقرار عبر منطق البداهة التاريخية المُتشرَّبة، لا عبر الإكراه المجرد.

2. القبيلة بنيةً تنظيميةً والمذهب إطاراً للحاجة الجمعية

لكن محمد عابد الجابري رجح إلى أن العقل السياسي في السياق العربي الإسلامي يُوظِّف “مقولات وآليات مختلف النظم المعرفية حسب الحاجة”. وهذه القدرة التوليفية هي بالضبط ما أتاح للمذهب المالكي تلبية حاجات المجتمع المغربي في آنٍ واحد الإطار العقدي للهوية الجمعية، والأداة القانونية لفضّ النزاعات، والسند الشرعي لإضفاء المشروعية على السلطة.

يُميِّز الجابري ثلاثة محددات بنيوية لإنتاج الكيان السياسي: القبيلة والغنيمة والعقيدة. في الحالة المغربية، اتخذ هذا التركيب صيغةً خاصة: القبيلة الوعاءُ الاجتماعي، والمورد المادي المحرِّكُ الاقتصادي للتحالف، والعقيدة المالكية الإطارُ الجامع. وما يُفسِّر عمق استقرار هذا التركيب ليس التدبير السياسي المقصود، بل التوافق البنيوي بين المذهب ومتطلبات البنية الاجتماعية المغربية في تعددها الجغرافي والقبلي.

3. المالكية فقه استمرارية: العرف شرطَ الوحدة

يكشف جاك بيرك في تحليله للمجتمعات المغاربية أن المذهب المالكي لم يُقدِّم نفسه جهازاً تشريعياً مغلقاً، بل فقهاً للاستمرارية قادراً على صون تماسك الجماعات لأنه انتظم مع تقاليدها بدلاً من أن ينافسها. وهو ما يُفسَّر بارتباطه الوثيق بشبكات التضامن التقليدية وقيمها الحضارية الخاصة.

تأسيساً على ما سبق، تكشف دراسة بيرك لقبائل السكساوة في الأطلس الكبير عن آلية اجتماعية دقيقة: التنظيم الجماعي للموارد كان يقوم على تفاعل بين “الوضع الموروث” والاتفاقيات المُحيَّنة. يُوفِّر المذهب المالكي — بمفهومَي المصلحة ورفع الحرج — الغطاءَ الشرعي الذي يُسبغ على هذه الاتفاقيات طابع الاعتبار القانوني دون أن يستعيضها بأحكام مجرّدة. يترتب عن ذلك أن الاستيعاب لا الإلغاء هو الجوهر الذي نُسمِّيه الأرضيةَ المالكية للتدافع السياسي.

* * *

ثالثاً: الإمكانات الاجتهادية الكامنة — في الأصول المالكية ودلالاتها السياسية

1. المصلحة المرسلة: من الفقه إلى التشريع

يُؤسِّس الشاطبي في الموافقات لمفهوم المصلحة المرسلة تأسيساً يتجاوز الدلالة الفقهية الضيقة نحو فلسفة اجتماعية وسياسية: “إن الشريعة وضعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد”. وبهذا تصبح المصلحة معياراً داخلياً للاجتهاد لا اعتباراً خارجياً يُستأنَس به فحسب. يترتب عن ذلك أن المصلحة المرسلة — في قراءتها السياسية — ليست ثغرةً في المذهب بل هي أداته المنهجية لمواكبة تحولات الواقع وإعادة إنتاج شرعية المؤسسات؛ وهو ما فعله الفقهاء المالكيون تاريخياً حين أضفوا الشرعية على أنظمة الري المشتركة والمرافق القبلية مما لم يرد فيه نص صريح.

2. فقه المآلات: الحكم بعد تقدير الأثر الاجتماعي

يُقرِّر الشاطبي أن “النظر في المآلات معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفة”؛ ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه. وهذا ما يمكن وصفه بـ”الفقه التداعياتي”: الحكم يمر عبر تقدير الأثر الاجتماعي للأفعال لا عبر استنباطه مباشرة من النص.

وعلى هذا الأساس، يُلزم النظرُ في المآلات الفقيهَ — ضمنياً — بفهم البنية الاجتماعية التي يشتغل فيها قبل إصدار حكمه. ومما يفضي إليه ذلك إمكانية تطوير موقف فقهي من مسائل الحوكمة المعاصرة (الانتخابات، التمثيل، فصل السلطات) بالنظر إلى مآلاتها الاجتماعية لا إلى ظاهر صورتها الشكلية — وهو ما جعل فقه المآلات أكثر أدوات الأصول الفقهية ملاءمةً للاجتهاد السياسي في السياق المغربي.

3. تبدُّل العوائد وتبدُّل الأحكام: الثابت والمتحوِّل

يُشكِّل مبدأ “تبدُّل الأحكام بتبدُّل العوائد” عند الشاطبي الركيزةَ النظرية الأكثر مباشرةً لما تطرحه هذه الورقة. يُفرِّق الشاطبي بين العوائد الشرعية المُقرَّرة وبين العوائد الجارية التي لم يُحدَّد فيها حد، ليُقرِّر أن تبدُّل العادات يقتضي تبدُّل الحكم ليوافق المقصد الذي وضعت له الشريعة ابتداءً.

ضمن هذا الإطار يتضح أن هذا المبدأ يُمكِّن من التمييز بين ما هو ثابت — الأصول الضرورية المشتركة: العدل، والشورى، والمصلحة العامة، وحفظ الكيان السياسي — وما هو متحوِّل: الأشكال المؤسسية لتجسيد هذه الأصول. وبالتالي لا يكون التطور المؤسسي تهديداً للمرجعية المالكية، بل شكلاً من أشكال التطبيق المشروع لمقاصدها في سياقات جديدة.

* * *

رابعاً: القرافي وفرضية الملكية البرلمانية — في تمييز السلطات من داخل الفقه المالكي

1. تمييز القرافي: الفتوى والقضاء والإمامة

يُتيح الإمام القرافي في أنفع الوسائل — وهو من أعمق المتون الأصولية المالكية — تأسيساً نظرياً لمسألة الفصل بين السلطات من داخل الموروث الفقهي الإسلامي، وذلك عبر تمييزه الثلاثي الشهير لتصرفات النبي ﷺ:

إن تصرفات رسول الله ﷺ بتفويض الله تعالى له جميع هذه المناصب الدينية تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها تصرفه ﷺ بالتبليغ والفتيا إجماعاً، وثانيها تصرفه ﷺ بالقضاء إجماعاً، وثالثها تصرفه ﷺ بالإمامة إجماعاً.

يُصرِّح القرافي بأن تصرف النبي ﷺ بالرسالة والفتيا هو “تبليغ محض واتباع صرف” يسري على جميع المسلمين بمجرد السماع، لا يحتاج إلى إذن إمام ولا حكم حاكم. أما تصرفه ﷺ بالقضاء فـ”هو مغاير للرسالة والفتيا” إذ هو “إنشاء وإلزام من قِبَلِه ﷺ بحسب ما نتج من الأسباب والحجاج”، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بحكم حاكم. وأما تصرفه ﷺ بالإمامة فـ”هو تصرفه بالرئاسة العظمى في السياسات العامة وتدبير الجيوش وصرف الأموال في مصالحها”، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن الإمام.

2. الدلالة السياسية لتمييز القرافي

إن الأهمية الكبرى لهذا التمييز القرافي تكمن في أنه — من داخل الموروث المالكي — يُؤسِّس لما يمكن تسميته “فصل السلطات الشرعي”: المجال الديني-التبليغي مستقل عن المجال القضائي، وهذا مستقل بدوره عن المجال السياسي-التنفيذي. وهذا الفصل الثلاثي يُتيح نقاشاً فقهياً داخلياً حول طبيعة السلطة التنفيذية وحدودها ومشروطيتها.

فإذا كان تصرف الإمام بـ”الإمامة” (السياسات العامة والجيوش والأموال) لا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذنه، فإن السؤال الأصولي المشروع الذي يُثيره هذا التمييز هو: ما آليات هذا الإذن؟ ومن يُعطيه؟ وما الشروط الشرعية لصحته؟ وهل الشورى واجبة فيه أم مندوبة؟ وهذا بالضبط هو فضاء الاجتهاد السياسي الذي يُتيحه المنهج المالكي ولم يُستثمر بعدُ استثماراً كافياً في النقاش الدستوري المغربي المعاصر.

3. الملكية البرلمانية في ضوء التمييز القرافي

تُتيح أطروحة القرافي، في استثمارها السياسي المعاصر، الحجاجَ لصالح نموذج الملكية البرلمانية أو الملكية التنفيذية المُقيَّدة من داخل المرجعية المالكية. فإذا كان تصرف الإمام بالإمامة في “السياسات العامة وتدبير الجيوش وصرف الأموال” مشروطاً بالمصلحة العامة (وفق الشاطبي) وبالنظر في المآلات الاجتماعية (وفق أصول المذهب)، فإن المساءلة المؤسسية لهذه التصرفات تغدو مطلباً أصولياً لا مجرد ترفٍ دستوري مستورد.

بعبارة أدق: إذا كانت إمامة النبي ﷺ في السياسة العامة منفصلة عن وظيفته التبليغية وعن وظيفته القضائية، فإن هذا التمييز يمنح الفقيه المالكي أدواتٍ للتفريق بين “الإمامة بالمعنى الشرعي” (المشروطة بالمصلحة والشورى والمساءلة) و”الإمامة المُطلقة” (التي لا تقبل رقابةً ولا تساؤلاً). والنظام الملكي البرلماني — بآلياته التمثيلية والرقابية — يُمكن تأسيسه فقهياً على هذا التمييز بوصفه الصيغة المؤسسية المعاصرة لضمان أن تكون الإمامة في السياسات العامة مضبوطةً بمعايير المصلحة ومقاصد الشريعة.

* * *

خامساً: الجهوية المتقدمة — نموذج تطبيقي للتأصيل المالكي

1. بنية النموذج المالكي للحوكمة التعددية

تكشف القراءة المُثلَّثة للمصادر المالكية الكبرى (المدوَّنة والموافقات والمعيار المعرب) عن نموذج للحوكمة التعددية يُمكن وصف بنيته على النحو التالي:

● المستوى الأول — الأصول الثابتة: ثمة حد أدنى من المبادئ المشتركة (الضروريات الخمس كما يُحدِّدها الشاطبي) لا يقبل التفاوض. وهي تُشكِّل الإطار الجامع الذي يمنع التعددية من التحوُّل إلى تشظٍّ.

● المستوى الثاني — العوائد المتحوِّلة: فيما يتجاوز هذا الحد الأدنى تتنوع الأعراف والممارسات المحلية دون أن يُعتبر هذا التنوع انحرافاً. ويُوفِّر مبدأ “تبدُّل الأحكام بتبدُّل العوائد” الغطاءَ المنهجي لهذا التنوع.

● المستوى الثالث — آلية التحكيم: حين ينشأ النزاع بين الأعراف المتباينة أو بين الخاص والعام، يتدخل الفقه بآليات معيارية (قواعد الأولوية، مبدأ السبق، فقه الضرورة، المصلحة المرسلة) لتسوية النزاع دون استئصال أحد الطرفين.

2. التناظر البنيوي مع الجهوية المتقدمة

يمكن قراءة تقاطع بنيوي محتمل — لا تطابق وظيفي — بين هذا النموذج الثلاثي والبنية المؤسسية التي تُرسيها الجهوية المتقدمة المغربية. فالدولة تحتفظ بالاختصاصات السيادية (المستوى الأول)، والجهات تتمتع باختصاصات ذاتية تعكس خصوصياتها المجالية والاقتصادية والثقافية (المستوى الثاني)، والمحاكم الإدارية وهيئات التحكيم تتولى الفصل في النزاعات بين المستويين (المستوى الثالث). مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا التناظر لا يُورث تطابقاً أصولياً.

بيد أن ذلك يظل مشروطاً بالتمييز بين مشروعية الجهوية الذاتية — التي تنبثق من سياق الدولة الحديثة وإشكالياتها — وبين العمق التاريخي الذي يُوفِّره الموروث المالكي. هذا العمق لا يُشرِّع الجهويةَ، بل يُشير إلى أن التوازن بين الوحدة والتعدد مشكلة لم تنشأ في الحداثة، وأن المجال المغربي طوَّر — في سياق معرفي مختلف — آليات ناجعة لإدارتها.

3. الإمكانات المستثمَرة وأُفق التطوير

يُمكن القول إن الجهوية المتقدمة — بصيغتها الراهنة — استثمرت المستوى الأول من النموذج المالكي (وحدة المرجعية) دون أن تستثمر بعدُ المستويين الثاني والثالث استثماراً كافياً. فالاختصاصات الذاتية للجهات لا تزال محدودة مقارنةً بما يُتيحه التأصيل الفقهي لمبدأ “تبدُّل الأحكام بتبدُّل العوائد”، والآليات التحكيمية لا تزال مركزيةً أكثر مما يقتضيه منطق الوساطة الذي وصفه مونطاني بوصفه المبدأ التنظيمي الجوهري للمجتمع المغربي.

وهنا يبدو أن استثمار المنهج المالكي في الجدل الدستوري حول الجهوية يُمكن أن يُقدِّم حججاً داخلية للمطالبة بتوسيع الاختصاصات الجهوية ودعم الرقابة المحلية وتعزيز آليات الاستشارة الجمعية — لا من موقع الحداثة الوافدة بل من داخل المرجعية المالكية ذاتها.

* * *

سادساً: نقد الاختزال والدعوة إلى التجديد من الداخل

1. في نقد اختزال المالكية في وظيفة المحافظة

يعاني النقاش السياسي المغربي من ثنائية متوهَّمة: فالتيارات الإسلامية تُوظِّف المالكية حارسةً للثوابت ومُبرِّرةً للوضع القائم، فيما تتجنب التيارات الحداثية الاشتغال من داخل المرجعية المالكية خشية ما يُبدو من تناقض مع مشروعها التحديثي. ومما يفضي إليه ذلك أن المذهب المالكي — بكل طاقته الاجتهادية الكامنة — يُسجَن في وظيفة المحافظة وحدها، ويُعزل عن النقاش المفتوح حول الدستور والحريات والحوكمة.

غير أن هذا الاختزال ليس ضرورةً تاريخية بل هو خيار تأويلي يمكن مراجعته. فالتاريخ الفقهي المالكي يشهد على تيارات اجتهادية كبرى (ابن رشد الجد والشاطبي والقرافي والونشريسي) طوَّرت — في سياقات اجتماعية وسياسية متنوعة — قراءاتٍ للموروث تُتيح الاستجابة للمستجدات من داخل المنطق المالكي. وإعادة إحياء هذا الاجتهاد الداخلي هي التي يمكن أن تُوسِّع الفضاء السياسي المغربي توسيعاً مستداماً.

2. في نقد ترك الخطاب الحداثي المجالَ المالكي

لا يقل عن الاختزال السابق إشكاليةً أن يُخلي التيار الحداثي في النقاش السياسي المغربي الساحةَ المالكية لخصومه، مكتفياً بالاحتجاج بحجج الحداثة الغربية أو بمرجعيات دولية لا جذور لها في الوجدان الجمعي المغربي. فهذه الاستراتيجية — مهما بلغت من نجاح نخبوي — تبقى هشّة اجتماعياً لأنها تفتقر إلى الشرعية الثقافية التي يمنحها التأصيل من داخل التراث.

انطلاقاً من ذلك، تُشير التجارب المقارنة إلى أن التحولات السياسية الأكثر ديمومةً في السياقات المسلمة هي تلك التي نجحت في بناء لغة حجاجية تُوفِّق بين مرجعيات الجمهور الثقافية ومتطلبات الحوكمة الحديثة. وهذا بالضبط ما أنجزه الفقه المالكي تاريخياً حين أنتج اتساقاً بين المرجعية الإسلامية وتعدد البنى الاجتماعية — وهو قابل للتجديد في السياق المعاصر بأدوات الفكر السياسي الحديث، مع الاحتراز من استعادة الأجوبة التاريخية كما هي.

3. شروط التجديد من داخل المرجعية

لا يكتمل هذا المقال دون الإشارة إلى جملة من الشروط المنهجية التي تستلزمها أي قراءة جادة للأرضية المالكية في النقاش السياسي:

●​الضابط الأول (المنهج): المالكية منهج في النظر، وليست قيداً في الفروع. الانطلاق يبدأ من حفظ الأصول مع تحرير الفروع من ربقة الجمود.

​الضابط الثاني (التاريخ): تجاوز القراءة الرومانسية للمذهب؛ فالوعي بكيفية توظيف المالكية في “صناعة المركزية” هو شرط أساسي لتحويلها اليوم إلى “رافعة للتعددية”.

​الضابط الثالث (المجال): التمييز بين “التأصيل القيمي” و”التنفيذ التقني”. الفقه يوفر “الشرعية”، والدستور يوفر “الإجراء”؛ وأي ادعاء بامتلاك إجابات جاهزة هو قفز على تعقيدات الدولة الحديثة..

* * *

خاتمة: المالكية ميراثَ السؤال لا إجابةً جاهزة

لا تقف هذه الورقة عند حدود التوصيف التاريخي، إنما تدفعنا لنطرح تحدياً مباشراً أمام الفاعل السياسي المغربي هل يملك الشجاعة لاستعادة المذهب من قبضة المحافظة الجامدة؟ فاللثلاثية التي سعى المقال لاثار الانتباه اليها (ثبات الأصول، مرونة الفروع، فاعلية التحكيم) هي ‘عبقرية سياسية’ مهدرة في تراثنا. الأهم اليوم ليس ما قاله الأسلاف، بل ما يمكن أن نفعله نحن بأدواتهم؛ فالسؤال الحقيقي الذي يواجه مغرب اليوم ليس كيف نطبق الفقه، بل كيف نصوغ حكامة رشيدة لا يتحول فيها التعدد إلى تشظٍّ، ولا تنقلب فيها السلطة إلى تغوّل بمشروعية دينية

ختاما يستوجب هذا الطرح زحزحة التركيز من ‘المضامين المعيارية’ للفقه المالكي إلى ‘مكن اشتغاله’ في بيئات التعدد المجالي وفضّ النزاعات. ومن هذا المنظور، لا تتبدّى المالكية كـ شرنقة تقييدية تحاصر الحراك السياسي، بل كـ مصفوفة استدلالية لابتكار حوكمة شرعية تنبثق من صميم المرجعية الإسلامية ذاتها.

* * *

المراجع والمصادر

أولاً: المصادر الفقهية الأصيلة

● ابن القاسم عن مالك (رواية سحنون): المدوَّنة الكبرى. دار الكتب العلمية، بيروت.

● الإمام مالك بن أنس: الموطأ (رواية ابن القاسم، تلخيص القابسي). تحقيق محمد مصطفى الأعظمي.

● الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم: الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية.

● الونشريسي، أحمد بن يحيى: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقيا والأندلس والمغرب. دار الغرب الإسلامي، بيروت.

● القرافي، شهاب الدين أحمد: أنفع الوسائل وتحقيق المسائل. مخطوط، مع قراءة في الفروق.

ثانياً: المراجع السوسيولوجية والتاريخية

● مونطاني، روبير: البربر والمخزن في جنوب المغرب. باريس: ليبرير فيليكس ألكان، 1930.

● بيرك، جاك: تحليل المجتمعات المغاربية. ترجمة عن الفرنسية.

● العروي، عبد الله: مفهوم الدولة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت.

● الجابري، محمد عابد: العقل السياسي العربي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

● مروة، حسين: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية. دار الفارابي، بيروت.

إقرأ الخبر من مصدره