الحسين خاوتي
تحمل ظاهرة الانحدار الفكري داخل المجال العام أبعاداً تتجاوز السلوك الفردي أو محدودية التكوين الثقافي، لأنها ترتبط بتحولات عميقة أصابت طريقة تشكل الوعي الجماعي داخل المجتمعات الحديثة. فالمشكلة لا تتعلق بوجود أشخاص محدودي الإدراك، إذ عرف التاريخ الإنساني في كل مراحله نماذج مختلفة من السطحية والتسرع والانفعال، وإنما تتعلق بالقدرة المتزايدة لهذا النمط من التفكير على التحول إلى قوة اجتماعية تمتلك خطاباً مؤثراً، وتنتج رؤيتها الخاصة للعالم، وتفرض حضورها داخل النقاش العمومي.
تسمح التحولات الحديثة بتشكل بيئات فكرية مغلقة تعيد إنتاج الأفكار نفسها بصورة متكررة داخل الدائرة ذاتها، مع ضعف الاحتكاك الفعلي بالنقد أو المراجعة. ومع استمرار هذا النمط من التفاعل الداخلي تتكون قناعات جماعية صلبة تكتسب مع الوقت شعوراً متزايداً باليقين.
عندما يعيش الإنسان داخل جماعة تؤكد له أفكاره باستمرار، يبدأ في التعامل مع قناعاته باعتبارها حقائق نهائية. وتتراجع الحاجة إلى التفكير النقدي، ويحل محلها شعور بالتماهي الجماعي يجعل الفرد جزءاً من عقل جمعي واحد، يتحرك وفق الانفعال المشترك والرغبة في الانتصار الرمزي داخل المجال الاجتماعي.
وقد ساهمت التحولات الثقافية المعاصرة في منح هذا الوعي الجماعي مساحة واسعة من التأثير. فالمجتمعات الحديثة تعيش حالة متزايدة من القلق والتوتر وفقدان الدلالة ، الأمر الذي يجعل الخطابات المبسطة أكثر جاذبية من الرؤى المركبة. الإنسان المرهق من تعقيد الواقع يبحث غالباً عن تفسير سريع يمنحه شعوراً بالطمأنينة، حتى حين يقوم ذلك التفسير على اختزال شديد للعالم وللإنسان وللتاريخ.
من هنا اكتسبت الشخصيات القادرة على مخاطبة العاطفة حضوراً واسعاً داخل المجال العام. هذه الشخصيات تعتمد على لغة قادرة على إثارة الحماس وإنتاج شعور الانتماء. فالجمهور في كثير من الأحيان يتجه نحو خطاب يمنحه الإحساس بالقوة النفسية والتفوق الرمزي أكثر من اتجاهه نحو الحقيقة بوصفها بناءً معرفياً مركباً.
ولهذا السبب تنتشر الأفكار الحادة بسرعة كبيرة داخل البيئات الجماهيرية. الخطاب الذي يقسم العالم إلى معسكرات متقابلة يحقق انتشاراً أوسع من الخطاب الذي يعترف بتعقيد الواقع. فالتبسيط يمنح وضوحاً فورياً، بينما يفرض التفكير العميق قدراً من التردد والتأمل والأسئلة المفتوحة. ومن طبيعة النفس البشرية الميل إلى اليقين السريع.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تقوم على الثقة المطلقة في امتلاك الحقيقة. فالإنسان الذي يدرك حدود معرفته يحتفظ باستعداد داخلي للمراجعة، أما حين تتضخم القناعة الداخلية حتى تصبح يقيناً كاملاً فإن التفكير يتحول نحو الانغلاق، ويصبح الاختلاف مصدر تهديد مباشر للبنية الذهنية.
هذا التحول لم يقتصر على فئة اجتماعية محددة. فالنزعة الانفعالية تظهر في مختلف البيئات والمستويات التعليمية والمهنية. وقد يحمل الشخص شهادة علمية عالية مع عجز عن ممارسة التفكير النقدي حين يتعلق الأمر بالأفكار المرتبطة بالانتماء أو الهوية أو الشعور بالتفوق. فالمعرفة الأكاديمية تمنح تخصصاً، بينما الوعي النقدي يتشكل عبر التربية الفكرية ومراجعة الذات.
ولهذا يمكن أن يتحول أصحاب المكانة الاجتماعية أو الثقافية إلى مصادر مؤثرة في نشر الوهم الجماعي، خصوصاً حين تمتزج المكانة بقدرة خطابية عالية. فالجمهور يربط في كثير من الأحيان بين النجاح المهني والقدرة على فهم القضايا الكبرى، رغم أن التخصص لا يمنح بالضرورة رؤية شاملة للعالم. ومع ذلك تمنح المكانة الاجتماعية للكلام سلطة رمزية تعزز انتشاره.
وتزداد حدة الظاهرة حين يدخل المجال الديني أو السياسي في دائرة التعبئة الجماعية. فهذه المجالات تمتلك قدرة كبيرة على تحريك العاطفة وصناعة الاصطفاف النفسي. وعندما يتحول الخطاب إلى أداة لإنتاج الانفعال المستمر، تتسع مساحة القبول للرؤى المغلقة والأحكام القطعية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع يتمثل في تراكم اليقين غير القابل للمراجعة. فالوعي الذي يغلق أبواب النقد يتحول تدريجياً إلى بنية تكرر نفسها وتعيد إنتاج أخطائها داخل دائرة مغلقة من التصديق المتبادل. وفي هذه الحالة يتراجع النقاش العقلاني ويتقدم منطق الحشود، حيث تصبح القيمة مرتبطة بقدرة الخطاب على إثارة الحماس أكثر من قدرته على إنتاج الفهم.
ومن هنا تبدو المعركة الحقيقية معركة وعي وثقافة قبل أي شيء آخر. فالمجتمعات التي تنجح في بناء عقل نقدي تحافظ على توازنها الداخلي، بينما المجتمعات التي يهيمن عليها الانفعال الجماعي تتعرض لتآكل تدريجي في قدرتها على الفهم المشترك. وفي النهاية يتضح أن الحاجة الأساسية تتمثل في بناء وعي قادر على الجمع بين الانتماء والقدرة على المراجعة، وبين الإحساس بالهوية وحرية التفكير، حتى يبقى المجال العام فضاءً للفهم بدل أن يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج اليقين المغلق.