تعيش الساحة الصحية الوطنية، وخصوصاً جهة الرباط-سلا-القنيطرة، مرحلة مصيرية مع اقتراب الدخول الفعلي إلى نظام “المجموعات الصحية الترابية”، ذلك المشروع الإصلاحي الذي تراهن عليه الدولة لإعادة هيكلة القطاع الصحي وتحسين حوكمته وفعاليته. غير أن هذا التحول التنظيمي الطموح يثير في المقابل قلقاً مشروعا في أوساط مهنيي الصحة، لا سيما العاملين بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا، الذين يجدون أنفسهم أمام مرحلة انتقالية تغلفها الضبابية وتطرح استفهامات مشروعة حول مستقبلهم المهني والاجتماعي.
بين ضرورة الإصلاح وشرعية المخاوف
لا ينكر أحد ضرورة إصلاح المنظومة الصحية ولا أهمية الانتقال إلى أنماط تدبير حديثة تقوم على اللامركزية والنجاعة. لكن الإشكال لا يكمن في جوهر الإصلاح بل في آليات تطبيقه. فالمهنيون اليوم يتساءلون: هل سيشكل هذا التحول فرصة لتعزيز الحقوق وتحسين ظروف العمل؟
أم أنه قد يتحول، في غياب ضمانات واضحة، إلى وسيلة لإعادة ترتيب الأوضاع على حساب مكتسبات راكمت عبر سنوات من العمل والتضحية؟
لقد راكمت الأطر الصحية بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا مكتسبات مادية وإدارية واجتماعية، لم تأت من فراغ بل كانت نتاج مسار طويل من النضال المهني والتنظيم المؤسسي. واليوم، يبرز السؤال الجوهري حول مصير هذه المكاسب: هل سيتم الحفاظ عليها أم ستُعاد صياغتها في نظام جديد قد لا يضمن الامتيازات نفسها؟
المطالب المشروعة للأطر الصحية
في هذا السياق، تطفو جملة من المطالب الواضحة والمشروعة، في مقدمتها:
• ضمان استمرار جميع الحقوق المالية دون نقصان
• الحفاظ على المكتسبات وعلى رأسها منحة المردودبة
• تعميم التعويضات وتحقيق العدالة بين الفئات المختلفة
• الحفاظ على الاستقرار المهني وعدم المساس بالوضعيات القانونية
• توضيح مسارات الترقية والتنقل المهني
• إقرار نظام أساسي واضح ومحفز يحدد الحقوق والواجبات
• الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية، وعلى رأسها الاستفادة من خدمات العلاج
إصلاح دون إشراك المهنيين مخاطرة حقيقية
من أبرز التحديات المطروحة بقوة مسألة إشراك الفاعلين الميدانيين في هذا الورش الإصلاحي. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي إصلاح يُفرض من الأعلى دون حوار حقيقي مع المهنيين يكون مصيره العرقلة أو الرفض. إن مهنيي الصحة ليسوا ضد الإصلاح، بل هم أول الداعين إليه لمعايشتهم اليومية لاختلالات المنظومة، لكنهم يطالبون بإصلاح تشاركي واضح المعالم يضع العنصر البشري في صلب العملية وليس على هامشها.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الحوار الاجتماعي كآلية محورية لتقريب وجهات النظر وتدبير مرحلة الانتقال، خاصة في ظل الحاجة إلى اعتماد تنزيل تدريجي ومنظم يضمن استمرارية المرفق الصحي دون اضطرابات.
رهان الحوكمة والشفافية
إن نجاح مشروع المجموعات الصحية الترابية لن يُقاس فقط بإعادة هيكلة المؤسسات أو تغيير الأطر، بل بمدى قدرته على ترسيخ حوكمة فعلية قائمة على الشفافية، واعتماد الكفاءة والاستحقاق في التعيينات، وخلق بيئة مهنية محفزة وعادلة، وضمان جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. فأي خلل في هذه العناصر قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويهدر مصداقية المشروع لدى المعنيين الأساسيين.
كما يكتسي موضوع التكوين المستمر وتأهيل الموارد البشرية أهمية خاصة، باعتباره مدخلاً أساسياً لمواكبة التحولات التنظيمية والتكنولوجية، وضمان جودة الخدمات الصحية.
مرحلة انتقالية تحتاج إلى ذكاء تدبيري
تتطلب المرحلة الراهنة مقاربة تدريجية وواقعية تراعي حساسية القطاع وأهمية استقراره، فالمرفق الصحي ليس مجالاً للتجريب غير المحسوب بل هو ركيزة أساسية للأمن الصحي والاجتماعي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى:
• إحداث آليات للمتابعة والتقييم المستمرين قادرة على رصد الاختلالات واقتراح الحلول في الوقت المناسب
• معالجة الإشكاليات الإدارية والمالية العالقة قبل الانتقال، في إطار مقاربة عادلة ومنصفة
• تقديم ضمانات رسمية وخطية للمهنيين
• إنشاء قنوات تواصل فعالة بين الإدارة والعاملين
خلاصة.. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون هذا الورش الإصلاحي خطوة نحو إنصاف مهنيي الصحة وتعزيز مكانتهم؟ أم سيعيد إنتاج الإشكاليات نفسها في قالب جديد؟
لن تحدد الإجابة النصوص القانونية وحدها، بل الإرادة الحقيقية في جعل الإصلاح إصلاحاً إنسانياً قبل أن يكون تنظيمياً. فنجاح هذا المشروع لا يقاس فقط بمدى تنزيله على أرض الواقع، بل بقدرته على كسب ثقة الفاعلين الأساسيين داخله، وفي مقدمتهم مهنيو الصحة، لأن أي منظومة صحية، مهما بلغت درجة تطورها، تظل رهينة برضا واستقرار العاملين فيها.
بقلم: د. حسن الشطيبي، فاعل جمعوي وحقوقي ونقابي