تواجه مدينة طنجة تحديات هيكلية لبلورة “مشروع ثقافي مندمج”، رغم توفرها على رصيد تاريخي، وتعدد الفاعلين، ووفرة في المنشآت العمومية.
وتستند المدينة، التي تحظى بمكانة بارزة في الخريطة الثقافية المغربية، إلى ذاكرة دولية وموقع جغرافي يربط بين ضفتي المتوسط، فضلا عن ارتباط اسمها تاريخيا بإنتاجات كتاب وفنانين ومسرحيين وسينمائيين.
غير أن معطيات القطاع تشير إلى أن هذه الصورة التراثية تصطدم بتشتت الفعاليات وغياب آليات القيادة، والتنسيق، والتمويل، وتقييم الأثر.
وتضم طنجة بنية تحتية مادية تشمل “قصر الثقافة والفنون”، و”بيت الصحافة”، و”المركز الثقافي أحمد بوكماخ”، و”رياض السلطان”، و”دار الآلة”، و”مسرح الحداد”، والمكتبات التابعة للجماعة، والمعهد الموسيقي، فضلا عن فضاءات العروض والندوات.
كما تحتضن مبادرات جمعوية ومهنية تغطي مجالات المسرح، والسينما، والكتاب، والفنون التشكيلية، والصحافة، والتراث، والصناعة التقليدية.
ويشير فاعلون في القطاع إلى أن توفر الفضاءات لا يكفي، بمفرده، لصناعة سياسة ثقافية، مؤكدين حاجة هذه المنشآت إلى برمجة منتظمة، واستهداف واضح للجمهور، وتكوين وتواصل، إلى جانب تكريس العدالة المجالية، وربط الأنشطة بالمؤسسات التعليمية، والأحياء السكنية، والسياحة، والاقتصاد الإبداعي.
وعلى امتداد السنة، تنظم المدينة مواعيد ثقافية في الأدب والموسيقى والمسرح والسينما، إضافة إلى لقاءات فكرية وقانونية وحقوقية ودينية، تستقطب مشاركات وطنية وأجنبية، ما يمنح طنجة حضورا في النقاش الثقافي الوطني والدولي.
غير أن هذه التظاهرات تنفذ غالبا وفق أجندات فردية تعتمد على إمكانات كل هيئة منظمة وشركائها ومصادر دعمها، ما يحول المشهد الميداني إلى “رزنامة أنشطة متوازية” بدل سياسة ثقافية مندمجة.
وعلى المستوى المؤسساتي، يتضمن برنامج عمل “جماعة طنجة” (2022-2027) محورا للتنمية الثقافية يحمل اسم “طنجة الثقافية”.
ويشمل البرنامج مشاريع مرتبطة بدعم القراءة، وتنشيط الفضاءات، وصيانة المرافق، ودعم المؤسسات والأنشطة، واستعمال الفضاءات العمومية، وتثمين الذاكرة المحلية.
ويصطدم التنزيل الترابي لهذه الوثيقة المرجعية بتعدد المتدخلين، الذين يشملون الجماعة الترابية، ووزارة الثقافة، والسلطات الترابية، والمؤسسات العمومية، والفاعلين الخواص، والمبادرات المستقلة، وهي أطراف لا تعمل دائما وفق المنطق ذاته أو داخل الأفق نفسه.
وفي ويرى الفاعل الجمعوي أحمد فرج الروماني، بأن طنجة تصنف، “دون مزايدات”، ضمن أكثر المدن المغربية نشاطا في مجالات الآداب والموسيقى والمسرح والسينما والصحافة، إلى جانب الفعاليات المرتبطة بالعلوم القانونية والمستجدات الحقوقية والدينية.
ويرى الروماني في تصريح لجريدة طنجة 24 الالكترونية، أن هذه الفعاليات حافظت على التوهج الثقافي للمدينة، مشيرا إلى أن طنجة تحتضن سنويا “ما يزيد عن سبعة مواسم ثقافية” تستقطب مثقفين وفنانين أجانب ومغاربة.
واعتبر أن البنية التحتية المحدثة خلال السنوات الأخيرة تشكل “مكسبا كبيرا جدا”، مبرزا أنها ساهمت في استقرار البرمجة وتفادي التداخل الزمني للمواعيد، بعد أن أصبحت الهيئات المنظمة على دراية بأجندات الفعاليات الكبرى.
ورغم هذا التنظيم الزمني، يتساءل المنحدث ذاته عن الجهة الإدارية أو المنتخبة المنوط بها أخذ زمام المبادرة لجمع المتدخلين حول طاولة واحدة لبلورة مشروع مشترك، سواء تعلق الأمر بجماعة طنجة، أو والي الجهة، أو المديرية الجهوية للثقافة، أو هيئات المجتمع المدني.
وسجل الروماني وجود أزمة ثقة بين مختلف الفاعلين كعقدة كبرى في المشهد الثقافي الترابي، موضحا أن كل طرف يعتبر نفسه “الأجدر بالقيادة، والأصدق، والأنقى”، بينما ينظر إلى الباقين بعين الشك.
ووصف المشهد الثقافي في المدينة بأنه “أرخبيل جزر مترامية الأطراف، تقاوم فيه كل جزيرة لوحدها”، مشيرا إلى وجود حيوية وفعل ثقافي، يفتقر إلى “هندسة جامعة”.
وعزا الفاعل الثقافي تعثر المشروع المندمج إلى عوامل مؤسساتية، أبرزها عدم قدرة الفاعل السياسي على التنزيل الفعلي لورش “الجهوية المتقدمة”، وبطء مسار نقل سلطة القرار من المصالح المركزية بالرباط إلى المديريات الخارجية جهويا، فضلا عن تداخل الصلاحيات بين المجالس المنتخبة والسلطات المحلية والوزارة الوصية، وهو ما ينعكس سلبا على الجمعيات المنظمة للتظاهرات.
وتضع هذه الإشكاليات طنجة في مواجهة تجارب مدن مينائية متوسطية وأطلسية، كبلباو الإسبانية ومرسيليا الفرنسية ولشبونة البرتغالية، التي أسست صورتها الثقافية الجديدة عبر ربط الثقافة بالتجديد الحضري والصناعات الإبداعية وسياسات القرب والمتاحف، محولة الثقافة إلى “عنصر من مشروع المدينة” لا مجرد “ملحق تنشيطي”.
وتظل عناصر المشروع في طنجة موزعة بين مسارات التراث، وإكراهات المكتبات، وبرمجة الفضاءات الكبرى، وبحث الجمعيات عن الدعم المالي، ومحافظة المواسم الكبرى على حضورها، دون بروز آلية واحدة تدمج هذه المكونات في سياسة طويلة النفس، رغم تسجيل تحسن ملحوظ في البنية التحتية ودعم الجماعة لمبادرات عدة.
وخلص الروماني إلى أن المغرب تأخر في تحويل العمل الثقافي من طبيعته كنشاط ظرفي إلى “صناعة مواطنة منتجة ومندمجة”.
وتطرح هذه المقاربة تساؤلات حول قدرة القطاع الثقافي على خلق فرص الشغل، وصناعة جمهور دائم، واختراق الأحياء السكنية، والارتباط بالمدرسة، وخلق اقتصاد إبداعي يندمج في الحياة اليومية للسكان.
ويبقى الرهان الحالي لمدينة طنجة، التي تملك الفضاءات والذاكرة والفاعلين، متمثلا في الانتقال من “الثقافة كنشاط” إلى “الثقافة كمشروع”، وهو ما يتطلب، وفق التقييمات المحلية، حسم نموذج القيادة، وتحديد آليات التنسيق والتمويل، وطرق قياس الأثر، لإنهاء حالة التأجيل التي تطبع المشروع الثقافي المندمج للمدينة.
ظهرت المقالة وهج الفعاليات ووفرة الفضاءات لا يحجبان افتقار طنجة إلى مشروع ثقافي مندمج أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.