في ذاكرة الشاوية

Écrit par

dans


أحمد لعيوني
حين انتصرت الكرامة ولو انهزم السلاح

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. ليست عبارة محمود درويش هنا مجرد استهلال أدبي، بل مفتاحٌ لفهم تلك العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بأرضٍ ارتوت بدماء المقاومين، حتى صار ترابها، كما يقول الروائي والباحث شعيب حليفي، قادراً على شفاء النفوس واستعادة المعنى.

في مرتفعات “بير الورد – بريغيت”، بأقصى شرق الشاوية، حيث الغابة الكثيفة والمسالك الوعرة والمنعرجات التي تشق التلال، انعقدت الدورة الثالثة والعشرون لملتقى المنتدى الثقافي للشاوية، بمبادرة من جمعية أحلاف للتنمية والثقافة والبيئة، وبتأطير من مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، تخليداً لمعركة من أكثر معارك المقاومة الشعبية المغربية قسوة ورمزية: معركة 16 ماي 1908.

لم يكن اللقاء مجرد ندوة أكاديمية تستعيد حدثاً من الماضي، بل بدا وكأنه محاولة جماعية لإنقاذ الذاكرة الوطنية من النسيان، وإعادة الاعتبار لأولئك الذين قاتلوا بصمت، وماتوا دون أن يتركوا وراءهم مذكرات أو أرشيفاً أو صوراً. وحدها الأرض احتفظت بأثرهم.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

هناك، حيث تنتصب مقبرة “سيدي امحمد السبع” شاهدة على زمن الدم والبارود، استعاد الحاضرون صورة ستة آلاف مقاوم من أبناء القبائل، جاؤوا بأسلحة بدائية وإيمان لا يتزعزع، لمواجهة جيش استعماري فرنسي قوامه نحو خمسة عشر ألف جندي وضابط، مدججين بأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية في ذلك الزمن، يقودهم الجنرال داماد، ويؤازرهم جنود من السنغال والجزائر وتونس ومرتزقة من أوروبا.

كانت موازين الحرب مختلة إلى حدٍّ يجعل الهزيمة العسكرية أمراً شبه محسوم، لكن رجال الشاوية لم يدخلوا المعركة بحثاً عن نصرٍ سهل، بل دفاعاً عن معنى الوجود ذاته: الأرض، والعقيدة، والكرامة. كانوا يدركون، كما أشار الباحث صالح شكاك، أن الموت قد يكون مصيرهم، لكنهم آمنوا بأن الإنسان إذا لم يستطع أن ينتصر، فعليه على الأقل ألا يموت جباناً.

هذا الوعي التراجيدي بالمواجهة هو ما منح المقاومة الشعبية المغربية بعدها الأخلاقي العميق. فالفرنسيون كانوا يملكون المدافع التي تصيب أهدافها من مسافات تتجاوز خمسة كيلومترات، بينما كان المقاوم المغربي يعتمد على تضاريس الأرض، وعلى المباغتة، وعلى معرفته الدقيقة بالأودية والغابات والممرات الجبلية. لذلك اختار المقاومون فضاءات وعرة تجعل التفوق العسكري الفرنسي أقل حسماً، فيما كانت المعارك في السهول المفتوحة تتحول سريعاً إلى مجازر.

لكن المفارقة المؤلمة التي توقف عندها المتدخلون في الندوة، هي أن تاريخ تلك المقاومة كُتب في معظمه بأقلام فرنسية. فالمقاومون المغاربة، المنشغلون بالحرب والبقاء، لم يتركوا لنا شهاداتهم الخاصة. ولهذا نعتمد اليوم على تقارير الضباط الفرنسيين، ومراسلاتهم العسكرية، وما كتبه الصحفيون الأوروبيون الذين رافقوا الحملات الاستعمارية.

إنها مفارقة تكشف هشاشة الذاكرة الوطنية حين لا تُوثَّق من الداخل. فنحن نعرف، بدقة نسبية، عدد قتلى الجيش الفرنسي وجرحاه، لكننا لا نعرف على وجه اليقين عدد شهداء الشاوية، ولا تفاصيل حياتهم اليومية، ولا كيف كانوا يتحركون ويقاتلون ويتزودون بالمؤن. لا نعرف أسماء كثيرين منهم، لكننا نعرف أنهم قاوموا.

وقد عبّر الباحث نور الدين فردي عن هذه المعضلة بوضوح حين دعا إلى تجاوز القراءة العاطفية للتاريخ، وعدم الاكتفاء بتمجيد الماضي. فالهزائم، كما النجاحات، تحمل دروساً ينبغي فهمها بعقل علمي لا بعين أسطورية. والتاريخ، في جوهره، ليس حنيناً إلى الأمس، بل إجابة عن أسئلة الحاضر.

من هنا جاءت أهمية هذا الملتقى، الذي لم يقتصر على استحضار البطولات، بل ناقش أيضاً خطورة التشويه الذي يتعرض له التاريخ عبر وسائط التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر روايات زائفة وتفسيرات سطحية تصنع وعياً هشّاً لدى الأجيال الجديدة. وحين يتحول التاريخ إلى أسطورة فاقدة للدقة، يفقد المجتمع قدرته على التعلم من أخطائه، وعلى بناء وعي وطني متوازن.

لقد بدا واضحاً، خلال مختلف المداخلات، أن معركة الحفاظ على الذاكرة اليوم لا تقل أهمية عن معارك المقاومة بالأمس. فالأوطان لا تُبنى فقط بالسلاح، بل تُبنى أيضاً بالرواية الصحيحة، وبالمعرفة الدقيقة، وبالقدرة على حماية الهوية من التزييف.

ولعل أكثر اللحظات تأثيراً في هذا اللقاء كانت حين تحدثت الطفلة نعمة برني باسم أحفاد المقاومين. كان صوتها الصغير يختصر المعنى الكبير لهذا الملتقى: أن الذين حملوا السلاح، أو نقلوا الماء والزاد والخبز للمجاهدين بين السهول والغابات، لم يكونوا شخصيات أسطورية، بل فلاحين بسطاء وأبناء دواوير متواضعة، دفعهم حب الوطن إلى التضحية.

أما فرقة “عبيدات الرمى”، التي افتتحت الملتقى بإيقاعاتها التراثية، فقد أعادت إلى المكان شيئاً من روح القبيلة القديمة، حين كان الغناء الشعبي وسيلة لشحذ الهمم وبث الحماسة في صفوف المقاومين. بدا التراث هنا امتداداً للمقاومة، لا مجرد فرجة فلكلورية.

لقد أدرك المثقفون والباحثون الذين شاركوا في هذه الدورة أن معركة الذاكرة قد تكون الأخيرة قبل أن يطوي النسيان أسماء كثيرة وأحداثاً كبرى. فبعد سنوات قليلة، قد يغيب الجيل الذي ما تزال في ذاكرته روايات الآباء والأجداد، وتضيع معه تفاصيل ثمينة من تاريخ المقاومة الشعبية المغربية.

لهذا يصبح توثيق هذه البطولات مسؤولية وطنية وأخلاقية، لا عملاً احتفالياً عابراً. لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد تدريجياً قدرتها على الدفاع عن قيمها وهويتها ومستقبلها.

واختصارا يمكن القول، إن لم ينتصر رجال الشاوية عسكرياً في معركة “بير الورد”، فإنهم انتصروا في ما هو أبقى: انتصروا لفكرة الوطن، وتركوا للأجيال درساً خالداً مفاده أن الكرامة، حتى في لحظة الهزيمة، يمكن أن تكون شكلاً من أشكال النصر.

إقرأ الخبر من مصدره