حسن الهيثمي
عدل باستئنافية الرباط باحث في القانون
تشكل إحالة مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية للتصريح بمخالفة بعض مقتضياته للدستور تمرينا سياسيا ومحطة مفصلية في المسار التشريعي لهذا النص، الذي أثار جدلا واسعا بسبب رفض وزير العدل عبد اللطيف وهبي تمكين العدول من مسك حساب الودائع، وهو المقتضى الذي تضمنته مسودة المشروع المتداولة سنة 2023، كما تشهد على ذلك المحاضر الموقعة بين وزارة العدل والهيئة الوطنية للعدول، قبل حذف هذه الآلية تحت تأثير ما راج بأنها “ضغوط” مارسها الموثقون لتظل حكرا عليهم.
وبدأت موجة الاحتجاج ضد مشروع القانون منذ إعلان وزير العدل عبد اللطيف وهبي في جلسة برلمانية تأييده لمطلب تمكين العدول من مسك حساب الودائع، لكنه يجد نفسه مكرها برفضه بدعوى أن جهات معينة رفضت ذلك، وتواصلت الاحتجاجات ضد المصادقة على مشروع القانون في مجلس الحكومة بتاريخ 20 نونبر 2025، وضد التصويت عليه بمجلسي البرلمان في قراءة أولى، وصولا إلى خوض إضرابات متتالية تم رفعها عقب المصادقة عليه بمجلس النواب في قراءة ثانية يوم 28 أبريل 2026.
ويثير حرمان العدول من آلية حساب الودائع بينما هم مكلفين بتوثيق عقود الشراء سؤالا حول مدى إمكانية بسط المحكمة الدستورية رقابتها على النص من زاوية عيب الاختصاص السلبي، باعتبار هذا الصنف من العيب (إلى جانب عيب الاختصاص الإيجابي) أحد أوجه الرقابة على الدستورية الخارجية، بالنظر إلى أن مسك حساب الودائع ليس مجرد اجراء تنظيمي ثانوي، بل يشكل ضمانة قانونية أساسية لحماية المشتري، من خلال إيداع الثمن لدى جهة رسمية مؤهلة، كصندوق الإيداع والتدبير أو بريد بنك أو صندوق المحكمة، بما يعزز الثقة في العقود العدلية ويدعم الأمن التعاقدي.
ويترتب عدم التنصيص على هذا الحساب إضعاف جاذبية التوثيق العدلي، إذ كيف يلزم مشروع القانون العدول بتقييد العقد في السجلات العقارية دون تمكينهم من الوسائل القانونية لحفظ الثمن لدى طرف محايد مخول له قانون مسك الودائع في ظروف تكفل الاطمئنان للمتعاقدين خاصة المشتري الذي قد يقتني عقارا من بائع قد تسول له نفسه الأمارة بالسوء إعادة تفويت العقار لشخص آخر.
وفيما يحتكر الموثقون هذا الحساب سيتجه المشتري إليهم ويتفادى التعامل مع العدول، بما يطرح إشكالية احترام مبدأ المساواة والأمن القانوني كما استقر عليهما الاجتهاد الدستوري.
ويمكن من هذه الزاوية أن تنظر المحكمة الدستورية إلى حذف حساب الودائع باعتباره صورة من صور عيب الاختصاص السلبي، الذي يتحقق، بحسب الأستاذ يحيى الحلوي، في مؤلفه الضخم الذي أفرده للتعليق على قرارات المجلس الدستوري يقول: “عندما يترك المشرع جانبا من التنظيم التشريعي قاصرا أو ناقصا في تحديد مقوماته الأساسية”. وساق لذلك مثالا، استدل به على هذا العيب ويتعلق بتجريم المشرع لفعل أو تصرف معين دون تحديد العقوبة المقررة له، بما يعني أن المشرع لم يستنفذ اختصاصه التشريعي كاملا، لأن الجزاء يظل جزءا لا يتجزأ من البناء القانوني للنص.
وبسط المجلس الدستوري رقابته على هذا النوع من “التقصير التشريعي” أثناء نظره في قانون تحصيل الديون العمومية، عندما اعتبر أن المشرع لم يمارس اختصاصه كاملا بإقراره حالات للتنافي دون تحديد ضوابط الخروج منها أو إحاطتها بالضمانات القانونية اللازمة، ليقضي بعدم دستورية المادة 142 من قانون تحصيل الديون العمومية، فهل تتجه المحكمة الدستورية نفس الاتجاه وتصرح بمخالفة الفقرة 1 من المادة 63 من مشروع قانون العدول للدستور لقصورها التشريعي في توفير الضمانات المالية لحق الملكية المكرسة بموجب الفصل 35 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011. هذا ما يرجوه السادة العدول والمعارضة البرلمانية ويترقبه الباحثون في المجال.