التدريس الجامعي والمحاماة: دفاعا عن منطق التكامل في مواجهة وهم التنافي

Écrit par

dans

زكرياء العماري

تقديم:

يشكل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة محطة تشريعية بالغة الأهمية في مسار تحديث منظومة العدالة بالمغرب، غير أن بعض المقتضيات التي جاء بها المشروع، وخاصة تلك المتعلقة بالعلاقة بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في القانون، تثير نقاشا قانونيا ومهنيا عميقا حول مدى انسجامها مع التقاليد التشريعية المغربية، ومع فلسفة المهنة ذاتها، ومع ما استقر عليه العمل في عدد من الأنظمة المقارنة.

ومن بين أبرز هذه المقتضيات ما ورد في المادتين 13 و14 من المشروع، اللتين تكرسان استمرار حالة التنافي بين ممارسة المحاماة وممارسة التدريس الجامعي بصورة أصلية أو قارة، مع الاكتفاء بالسماح بالتدريس العرضي فقط. وهو توجه يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الإبقاء على هذا المنع، خاصة إذا استحضرنا أن التشريع المغربي، منذ الاستقلال، لم يكن يعتبر الجمع بين المهنتين أمرا منافيا لطبيعة المحاماة أو لاستقلاليتها، وذلك في انسجام مع الممارسات الدولية الجاري بها العمل في هذا الإطار.

لقد قام التنظيم التاريخي لمهنة المحاماة بالمغرب، سواء بمقتضى ظهير سنة 1959 أو القانون المنظم للمهنة لسنة 1979، على تصور قوامه التكامل بين الجامعة والمحاماة، باعتبارهما فضاءين متداخلين في خدمة العدالة وبناء الفكر القانوني. فقد كان الأستاذ الجامعي في القانون يتمتع بإمكانية الولوج إلى المهنة وفق شروط تفضيلية، كما أن التدريس الجامعي لم يكن يشكل حالة تناف مع ممارسة المحاماة. كما كان المحامي الممارس الحاصل على شهادة الدكتوراه يتمتع بحق الانخراط في وظيفة التدريس الجامعي دون اشتراط القطيعة مع المهنة أو إلزامه بالاستقالة منها.

وقد استمر التعايش بين مهنة المحاماة ومهنة تدريس القانون بالمغرب إلى غاية سنة 1993، حيث سيكرس المشرع المغربي ولأول مرة حالة التنافي بين المهنتين بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وقد جاء هذا التوجه في سياق تشريعي وتاريخي خاص ارتبط بمرحلة معينة وباعتبارات ظرفية لم تعد مبرراتها قائمة في ظل التحولات التي عرفتها مهنة المحاماة ومنظومة التعليم العالي وأدوار الجامعة في تكوين وتأهيل الفاعلين في منظومة العدالة.

ومن ثم، فإن إعادة طرح هذا الموضوع اليوم لا يتعلق بإقرار وضع استثنائي جديد لفائدة فئة معينة، بقدر ما يرتبط بإعادة النظر في خيار تشريعي طارئ، والعودة إلى فلسفة التشريع المغربي الأصلية التي قامت على اعتبار العلاقة بين الجامعة والمحاماة علاقة تكامل لا تناف. كما أن هذا النقاش ينسجم مع التوجهات المقارنة الحديثة، التي تعتبر الجمع بين التدريس الجامعي في القانون وممارسة المحاماة قيمة مضافة للجامعة وللمهنة وللعدالة معا.

ولا يقتصر أثر هذا التكامل على تمكين الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة فحسب، بل يمتد كذلك إلى إتاحة انخراط المحامي الممارس في سلك التدريس الجامعي متى توفرت فيه الشروط العلمية والبيداغوجية اللازمة، دون أن يفرض عليه التخلي عن مهنته الأصلية. وهو ما يفتح المجال أمام تداول الخبرات بين الجامعة والممارسة المهنية، ويعزز وحدة الحقل القانوني، بحيث تستفيد الجامعة من التجربة العملية للمحامي، كما تستفيد الممارسة المهنية من العمق العلمي والتحليل الأكاديمي الذي يوفره الانخراط في البحث والتدريس.

وفي هذا الإطار، يبرز السؤال حول مدى انسجام الإبقاء على حالة التنافي مع طبيعة وظيفة الأستاذ الباحث، ومع فلسفة مهنة المحاماة ذاتها، ومع الاتجاهات المقارنة التي لا تعتبر الجمع بين المهنتين إخلالا باستقلال المهنة أو بمقتضياتها الأخلاقية، بل تعتبره رافعة لتطوير البحث العلمي وتحسين جودة الممارسة المهنية والارتقاء بمنظومة العدالة برمتها.

أولا: الجذور التاريخية للعلاقة بين الأستاذية والمحاماة في التشريع المغربي

يرتبط النقاش حول الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي بتاريخ التشريع المغربي المنظم للمهنة، والذي قام، منذ الاستقلال، على الاعتراف بخصوصية الأستاذ الجامعي في الحقوق، سواء من حيث الولوج إلى المهنة أو من حيث عدم قيام حالة التنافي بين التدريس الجامعي والمحاماة.

فقد نص الظهير الشريف رقم 1.59.102 بشأن تنظيم هيئات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة الصادر سنة 1959، في الفقرة الثانية من الفصل 48، على أنه:

“تتنافى مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية أو القضائية وكذا مع أية مهمة يعهد بها من طرف القضاء ولاسيما مهمة خبير.

غير أنها لا تتنافى مع وظيفة أستاذ أو مکلف بدروس في الحقوق في الكليات أو المدارس ووظيفة نائب قاضي صلح بلا مرتب، على أن المحامي الذي يمارس وظيفة نائب قاضي الصلح لا يجوز له أن يقوم بأي إجراء من إجراءات مهنته لدى القسم الذي يترأسه بمحكمة الصلح.

كما أن مهنة المحاماة لا تتنافي مع ممارسة أية وظيفة سياسية سواء كانت بمرتب أو بغير مرتب کوظيفة وزير أو عضو في الدواوين الوزارية أو مدير إدارة مركزية أو أية مهمة أخرى تكتسي نفس الصبغة، ويبقى المحامي الذي تناط به إحدى هذه الوظائف السياسية مقيدا في الجدول بحسب رتبة أقدميته، لكنه لا يجوز له أن ينتصب أو يمثل أو يدافع أمام القضاء“.

كما كرس القانون رقم 19.79 المنظم لنقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة هذا التوجه بشكل أكثر وضوحا، إذ نص الفصل 19 منه على إعفاء أساتذة كليات الحقوق الذين زاولوا التدريس لمدة معينة من التمرين ومن شهادة الأهلية لمزاولة المهنة، حيث ورد فيه ما يلي: حيث ورد فيهما ما يلي:

” يعفى من التمرين ومن شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة:

1- قدماء القضاة من الدرجة الثانية أو من درجة تفوقها غير الحاصلين على الإجازة في الحقوق والذين تم قبول طلبهم بالإحالة إلى التقاعد أو قدموا استقالتهم بشرط أن يكون الغرض من هذه الاستقالة الحصول على التقييد في إحدى نقابات المحامين وقبلت استقالتهم من طرف المجلس الأعلى للقضاء؛

-2قدماء القضاة الذين قضوا ست سنوات على الأقل في مزاولة المهام القضائية بعد حصولهم على الإجازة في الحقوق وقبلت استقالتهم من المجلس الأعلى للقضاء لأجل الحصول على التقييد في إحدى نقابات المحامين؛

3- قدماء المحامين الذين سبق تقييدهم مدة خمس سنوات على الأقل بدون انقطاع في جدول نقابة أو عدة نقابات للمحامين بالمغرب أو نقابة أو عدة نقابات للمحامين بإحدى الدول الأجنبية التي أبرمت مع المغرب اتفاقية دولية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بمزاولة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى؛

4- أساتذة كرسي الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس مدة خمس سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغرب.

كما نص الفصل 77 من نفس القانون على أن مهنة المحاماة لا تتنافى مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات، حيث ورد فيها ما نصه:

تتنافي مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكذا مع كل مهمة يكلف بها من طرف القضاء ولاسيما مهمة خبير.

غير أنها لا تتنافى مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات ومع العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا.

وقد استمر هذا التعايش بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي بالمغرب إلى غاية سنة 1993، حيث سيكرس المشرع المغربي ولأول مرة حالة التنافي بين المهنتين بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وذلك في مادتيه 7 و9 و18.

وهكذا، فقد كرست المادة 7 من الظهير المذكور حالة التنافي بين جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكل مهمة يكلف بها المحامي من قبل القضاء، دون أي استثناء يتعلق بالتدريس الجامعي حيث ورد فيها:

” تتنافى مهنة المحاماة مع كل نشاط من شأنه أن يمس باستقلال المحامي والطبيعة الحرة للمهنة، وخاصة:

(..)

5- جميع الوظائف الإدارية والقضائية، وكل مهمة يقع التكليف بها من طرف القضاء.”

وجاءت المادة 9 من نفس الظهير لتسقط التدريس بكليات الحقوق من قائمة المهام التي لا تتنافى مع مزاولة مهنة المحاماة، إذ نصت على ما يلي:

” لا تتنافى مهنة المحاماة مع:

1- العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا؛

2- العضوية في المجلس الإداري لشركة“.

أما المادة 18، فقد جاءت لتضع حدا صريحا لحق للأساتذة الجامعيين في الجمع بين المهنتين، إذ ألزمتهم بالاستقالة أو الإحالة على التقاعد قبل الانخراط في ممارسة المحاماة، مع إعفائهم من شهادة الأهلية أو فترة التمرين، شريطة استكمال ثماني سنوات في التدريس بعد الترسيم، حيث نصت على أنه:

“يعفى من الحصول على شهادة الأهلية لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين:

(..)

4- أساتذة التعليم العالي الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس مدة ثماني سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغربـ وذلك بعد قبول استقالتهم أو إحالتهم إلى التقاعد.”

أما القانون رقم 28.08 الجاري به العمل حاليا، فقد حافظ على المبادئ التي أرساها الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر سنة 1993، إذا كرس بدوره حالة التنافي بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة في المواد 7 و9 و18، بل إن هذا القانون جاء بشروط إضافية في المادة 18، إذ ألزم الأستاذ الجامعي الذي يرغب في الانخراط في المحاماة بعد إحالته إلى التقاعد أو استقالته، بقضاء تدريب مدته ستة أشهر بمكتب محامي يعينه النقيب، وذلك قبل فتح مكتبه الخاص.

ثانيا: الأساس القانوني الداعم للجمع بين المهنتين

لا يقوم الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي على اعتبارات تشريعية تاريخية فقط، بل يجد أساسه كذلك في قراءة منسجمة لمقتضيات قانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، بما يفيد عدم قيام أي مانع قانوني يحول دون الجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي في القانون.

فإذا كان الفصل 15 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ينص، من حيث المبدأ، على منع الموظف من مزاولة أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر دخلا، فإنه استهل هذا المنع بعبارة ذات دلالة حاسمة هي: “مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات“، بما يفيد أن المشرع لم يقرر حظرا مطلقا، وإنما وضع قاعدة عامة ترد عليها استثناءات مرتبطة بخصوصية بعض الهيئات والأنظمة الأساسية الخاصة.1

وهذا الاستثناء ليس هامشيا، بل يعكس اعتراف المشرع بإمكان خروج بعض الفئات، بحكم طبيعة وظائفها، عن المنع العام، متى وجد لذلك سند قانوني خاص. وهي حالة هيئة الأساتذة الباحثين، التي تخضع لنظام أساسي خاص يكرس خصوصيتها الوظيفية والعلمية.

ويتعزز هذا التصور بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لوضعية الأستاذ الباحث، باعتبارها تختلف عن سائر الوظائف الإدارية التقليدية، من حيث تنظيم الزمن المهني، وطبيعة الالتزامات الوظيفية، وارتباط الوظيفة الجامعية في جوهرها بالإنتاج العلمي والانفتاح على محيطها المهني والمؤسساتي. لذلك ظل التدريس الجامعي، بخلاف الوظائف الإدارية المحضة، ذو قابلية للارتباط بأنشطة علمية أو مهنية متصلة بطبيعة التخصص، ومنها المهن القانونية.

كما أن المحاماة، بالنسبة لأستاذ القانون، لا تشكل نشاطا أجنبيا عن الوظيفة أو منافسا لها، وإنما تعد امتدادا طبيعيا لها، باعتبارها ممارسة مهنية متفرعة عن ذات الحقل المعرفي الذي يدرسه ويبحث فيه. ومن ثم، فإنها تدخل ضمن منطق التكامل الوظيفي لا منطق التنافي.

ويتعزز هذا الطرح بما ورد في المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، التي أسندت صراحة إلى الأساتذة الباحثين، ضمن مهامهم، القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل2.

ودلالة هذا المقتضى تتجاوز مجرد السماح بأنشطة عرضية موازية، إذ يكشف أن المشرع لا يتصور الأستاذ الباحث في وضع انغلاق مهني أو تفرغ يحول دون انخراطه في الممارسة التطبيقية المرتبطة بتخصصه، بل يعتبر الانفتاح على الخبرة والاستشارة جزءا من وظائفه الأصلية.

وإذا كانت الخبرة والاستشارة القانونية، بنص هذا المرسوم، تدخلان ضمن المهام الموكولة للأستاذ الباحث، فإن منطق الأشياء يقتضي أن الممارسة المهنية للمحاماة– باعتبارها أعلى صور الممارسة التطبيقية للمعرفة القانونية– لا يمكن النظر إليها، من حيث المبدأ، باعتبارها غريبة عن طبيعة هذه الوظيفة أو منافية لها، بل تدخل في الامتداد الطبيعي لها، ما دام ممارستها تتم مع احترام الضوابط الأخلاقية ومتطلبات استقلال المهنة وسير المرفق العام.

ويزداد هذا التأويل قوة إذا استحضرنا أن مقتضيات التنافي في الوظيفة العمومية تروم حماية غايات محددة، أهمها منع تضارب المصالح، وضمان حياد الموظف، وصيانة السير العادي للمرفق العام، وهي اعتبارات يمكن كفالتها بقواعد التأطير الأخلاقي والتنظيمي، دون أن تستوجب تقرير منع تشريعي مطلق للجمع بين المهنتين.

بل إن القراءة المنسجمة للفصل 15 مكرر مع المادة 4 المذكورة تقود إلى نتيجة مؤداها أن الوضع القانوني الحالي لا يتضمن حظرا صريحا على هذا الجمع، بل يتضمن، على العكس، مؤشرات تشريعية داعمة لإمكانه، بالنظر إلى خصوصية هيئة الأساتذة الباحثين.

ومن ثم، فإن الجمع بين المهنتين لا يشكل استثناء على قواعد الوظيفة العمومية، وإنما ينسجم مع بنيتها ذاتها، ويترجم ما تسمح به نصوصها العامة والخاصة، مع إعادة التوازن بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في القانون في إطار من التكامل لا التنافي.

ثالثا: التدريس الجامعي لا يشكل حالة تناف مع المحاماة

إن المتفحص في المقتضيات المنظمة لحالة التنافي في إطار القانون المنظم لمهنة المحاماة، سواء في القانون الحالي رقم 28.08 أو في إطار مشروع القانون رقم 66.23، سيقف على أن الأمر يتعلق إما بمهن ووظائف وأعمال تمس استقلالية المحامي بشكل مباشر، أو بمهن ووظائف تقتضي تفرغا كاملا لممارستها، بحيث يستحيل الجمع بينها وبين ممارسة المحاماة دون الإخلال بالالتزامات المفروضة بموجب إحدى المهنتين.

ومن هذا المنطلق، فإن ممارسة المحامي لمهنة التدريس الجامعي لا تشكل أي تهديد لاستقلاليته المهنية، إذ لا تفرض قيودا على قراراته ولا على ممارسة مهامه القانونية بشكل مستقل، كما أنها لا تخلق تضارب مصالح من شأنه أن يحد من حرية التصرف المهني، وهو المعيار الأساسي الذي يستند إليه عند تقرير حالة التنافي.

ويزداد الأمر وضوحا عند النظر إلى أن القانون المنظم لمهنة المحاماة يسمح صراحة بالتدريس العرضي في الجامعات، ما يشير إلى أن التدريس الجامعي بطبيعته لا ينطوي على أي تعارض أو مساس بالمبادئ المؤطرة لمهنة المحاماة، ما دام الالتزام بالضوابط الأخلاقية والمهنية محفوظا. وهذا الواقع يؤكد أن الجمع بين المهنتين لا يمس بالاستقلالية المهنية، ويؤكد المنطق القانوني القائم على أن التنافي ينطبق فقط على الوظائف التي تؤثر مباشرة على حرية المحامي في اتخاذ قراراته، أو تتطلب تفرغا كاملا يجعل الجمع مستحيلا، وهو ما لا ينطبق على التدريس الجامعي.

رابعا: إيجابيات متعددة للتكامل بين المهنتين

إن اعتبار ممارسة الأستاذ الجامعي لمهامه العلمية بصورة أصلية أو قارة حالة تناف مع المحاماة يفتقر إلى مبرر موضوعي، لكون التدريس الجامعي في القانون ليس نشاطا تجاريا ولا مهنة حرة منافسة، ولا وظيفة تمس باستقلال المحامي أو حياده، بل هو امتداد طبيعي للرسالة العلمية والفكرية التي تقوم عليها المحاماة ذاتها.

فالجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي في القانون من النماذج المهنية المتميزة التي تجمع بين النظرية والتطبيق، وتسهم في الارتقاء بجودة التكوين القانوني وتعزيز فعالية الممارسة المهنية. فكل من المهنة الأكاديمية والممارسة العملية تغني الأخرى، وتخلق تكاملا معرفيا ومهنيا يعود بالنفع على الأستاذ والطالب والمتقاضي، بل وعلى منظومة العدالة برمتها، وهو ما يبرز من خلال النقط التالية:

1- التكامل بين النظرية والتطبيق

تعنى الجامعة بتأصيل المفاهيم وبناء التصورات النظرية وتحليل النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، بينما تجسد المحاماة الجانب العملي للنصوص في ساحات المحاكم وأروقة العدالة. وعندما يجمع الشخص بين الصفتين، فإنه يضفي على دروسه بعدا تطبيقيا حيا، فيربط القواعد القانونية بواقع النزاعات، ويثري المحاضرات بأمثلة واقعية وتجارب عملية.

كما أن الاحتكاك اليومي بالمحاكم، لاسيما بمحكمة النقض، يمكن الأستاذ المحامي من مواكبة أحدث التوجهات والاجتهادات القضائية، ونقلها مباشرة إلى الطلبة، مما يعزز قدرتهم على فهم القانون في حركيته لا في جموده النصي فقط.

2- الارتقاء بجودة البحث العلمي وبالأداء المهني لمنتسبي العدالة

يساهم الانخراط في الممارسة المهنية في إغناء البحث العلمي إسهاما مباشرا وملموسا، إذ إن القضايا المعروضة على المحاكم تفرز باستمرار إشكالات واقعية معقدة لا تكشفها الدراسة النظرية المجردة للنصوص القانونية. هذه الإشكالات تشكل بدورها أرضية خصبة للتفكير الأكاديمي، لأنها تدفع الباحث إلى إعادة قراءة النصوص القانونية في ضوء الواقع العملي، وإعادة مساءلة بنياتها المفاهيمية، وتحليل مكامن القصور أو الغموض أو التعارض التي قد تعتريها، واقتراح حلول تفسيرية أو تشريعية بديلة أكثر ملاءمة لاحتياجات العدالة.

وفي هذا الإطار، فإن المحامي الذي يجمع بين الممارسة والتدريس يكون أكثر قدرة على التقاط هذه الإشكالات في لحظتها العملية، وأكثر دقة في استشعار مواطن الضعف أو النقص في المنظومة التشريعية، أو التباين في الاجتهاد القضائي بين مختلف الجهات القضائية. وهو ما ينعكس بشكل مباشر على إنتاجه العلمي، حيث تتسم أبحاثه ودراساته بقدر أكبر من العمق، وبنزعة تطبيقية واقعية تجعلها أكثر ارتباطا بمشاكل العدالة الفعلية، وأقرب إلى إيجاد حلول عملية قابلة للتنزيل.

وفي المقابل، فإن التكوين الأكاديمي الرصين يشكل رافعة أساسية لتجويد الأداء المهني للمحامي، إذ يمنحه أدوات التحليل القانوني المنهجي، ويكسبه قدرة أعلى على التأصيل الفقهي للنصوص، وعلى بناء الحجج القانونية بشكل متسلسل ومتماسك. كما ينعكس هذا التكوين على جودة المذكرات والمرافعات التي يقدمها، حيث تصبح أكثر دقة في الصياغة، وأقوى في التعليل، وأعمق في الاستناد إلى الفقه والاجتهاد القضائي.

ويترتب عن هذا التفاعل المتبادل بين المعرفة النظرية والممارسة العملية أثر إيجابي مزدوج، يتمثل من جهة في تطوير البحث العلمي القانوني ليصبح أكثر ارتباطا بالواقع، ومن جهة أخرى في الارتقاء بجودة العمل المهني والقضائي، سواء على مستوى مذكرات الدفاع أو على مستوى التعليل القضائي للأحكام، بما يسهم في تحسين جودة العدالة ككل.

3- تكوين جيل من القانونيين ذوي الكفاءة

يقدم الأستاذ/المحامي للطلبة نموذجا مهنيا يحتذى، إذ يجسد صورة القانوني الممارس الواعي بأبعاد القانون النظرية والعملية معا. فهو لا يكتفي بشرح النصوص القانونية في بعدها التجريدي، ولا يقف عند حدود التفسير النظري لمضامينها، بل يعمل على ربطها مباشرة بالواقع القضائي والمهني من خلال استحضار الملفات والنزاعات العملية التي تبرز كيفية تطبيق هذه النصوص أمام المحاكم.

ومن خلال هذا التفاعل الحي بين النص والواقع، يضع الطلبة أمام تطبيقات عملية ملموسة تكشف لهم كيفية اشتغال القاعدة القانونية في السياق العملي، وما قد يعتريها من صعوبات في التفسير أو التعارض أو القصور التشريعي. وهذا الأسلوب في التكوين لا يرسخ فقط الفهم السليم للقانون، بل يسهم أيضا في تنمية الحس النقدي لدى الطلبة، حيث يدفعهم إلى مساءلة النصوص القانونية، وتحليل مدى نجاعتها وفعاليتها، واقتراح تأويلات أو بدائل أكثر ملاءمة للواقع العملي ومتطلباته.

وبذلك يتحول الدرس الجامعي من مجرد نقل للمعرفة النظرية إلى فضاء للتفكير القانوني النقدي والإبداعي، يعد الطالب لممارسة مهنية واعية، قادرة على الجمع بين الدقة العلمية والفعالية العملية في آن واحد.

كما أن إشراف الأستاذ/المحامي على بحوث الإجازة والماستر والدكتوراه يكون أكثر ارتباطا بالإشكالات الواقعية التي تفرزها الممارسة القضائية وأروقة المحاكم، مما يضفي على البحث الجامعي طابعا تطبيقيا، ويسهم في تجديد الفكر القانوني وإغناء النقاش الفقهي والقضائي.

4- الإسهام في تطوير المنظومة القانونية

إن التفاعل المستمر بين الجامعة والمحكمة يخلق دينامية إيجابية عميقة الأثر في تطوير التشريع والاجتهاد القضائي، ذلك أن هذا التفاعل لا يقتصر على تبادل معرفي نظري، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر حقيقي بين إنتاج المعرفة القانونية في الفضاء الأكاديمي وبين تطبيقها العملي داخل المنظومة القضائية. وفي هذا السياق، يبرز دور الأستاذ/المحامي باعتباره فاعلا مزدوج الانتماء، يجمع بين الحس العلمي القائم على التحليل والتجريد، والخبرة المهنية المستمدة من الممارسة اليومية أمام المحاكم.

فهذا التموقع المزدوج يؤهله لأن يكون حلقة وصل فعالة بين البحث العلمي وصناع القرار التشريعي والقضائي، إذ يكون قادرا على نقل الإشكالات الحقيقية التي تفرزها القضايا المعروضة على المحاكم إلى الفضاء الأكاديمي، حيث يتم تحليلها وتأصيلها واقتراح حلول لها في إطار من البحث العلمي الرصين. وفي المقابل، يتيح له انخراطه في الوسط الجامعي تحويل هذه الخلاصات العلمية إلى مقترحات عملية قابلة للتنزيل داخل المنظومة التشريعية والقضائية.

كما أن هذا التفاعل المستمر يمكن الأستاذ/المحامي من تقديم اقتراحات عملية دقيقة، لا تنبع من مجرد تصورات نظرية، بل تستند إلى معطيات ميدانية واقعية مستخلصة من الممارسة اليومية، مما يجعلها أكثر قابلية للتطبيق وأكثر قدرة على معالجة الإشكالات التشريعية والعملية التي قد تعتري النصوص القانونية.

وبهذا المعنى، يصبح الأستاذ/المحامي فاعلا محوريا في تطوير المنظومة القانونية، ليس فقط من خلال تفسير النصوص أو تطبيقها، بل أيضا من خلال المساهمة في إعادة صياغتها وتجويدها، بما يحقق الانسجام بين النص القانوني والواقع العملي، ويعزز جودة العدالة وفعالية التشريع.

خامسا: المرجعية الدولية والتجارب المقارنة: داعم أساسي للجمع بين المحاماة والتدريس الجامعي

يجد الجمع بين مهنة التدريس الجامعي ومهنة المحاماة سنده كذلك في المرجعيات الدولية ذات الصلة بالتعليم العالي، إذ أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، في إطار توصيتها بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي المعتمدة من طرف المؤتمر العام المنعقد في دورته التاسعة والعشرين ما بين 21 أكتوبر/12 نوفمبر 1997 بباريس، على حق أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم الجامعية، خاصة الأنشطة التي من شأنها تعزيز مهاراتهم المهنية أو تمكينهم من تطبيق معارفهم الأكاديمية على مشكلات المجتمع. كما شددت التوصية على أن ممارسة هذه الأنشطة تظل مشروعة ما دامت لا تتعارض مع الالتزامات الأصلية للأساتذة تجاه مؤسساتهم الجامعية، ووفقا للقوانين والأنظمة الوطنية المعمول بها.

وهكذا، نصت الفقرة 30 من هذه التوصية على ما يلي:

“ينبغي أن يتمتع أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي بالحق في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم، لاسيما الأنشطة التي تعزز مهاراتهم المهنية أو تمكنهم من تطبيق المعارف على مشكلات المجتمع المحلي، شريطة عدم تعارض هذه الأنشطة مع التزاماتهم الأصلية إزاء المؤسسات التي يعملون معها بصورة رئيسية، وذلك وفقا للسياسات والأنظمة المؤسسية أو للقوانين والممارسات الوطنية إذا وجدت“.

ويبرز من خلال هذه التوصية أن المرجعية الدولية لا تنظر إلى الانخراط المهني للأساتذة الجامعيين باعتباره وضعية تناف أو إخلالا بواجباتهم الوظيفية، بل تعتبره وسيلة لتقوية الصلة بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي والمهني، وآلية لتطوير جودة التكوين والبحث العلمي والخبرة التطبيقية.

وانسجاما مع هذا التوجه، يكشف استقراء عدد من التشريعات المقارنة أن العديد من الأنظمة القانونية لا تعتبر الجمع بين مهنة الأستاذ الجامعي في القانون وممارسة المحاماة حالة تناف، بل تنظر إليه باعتباره مظهرا من مظاهر التكامل بين البحث العلمي والممارسة المهنية، ومصدرا لإثراء المهنتين وتجويد أداء الجامعة والعدالة معا. فالأستاذ الممارس للمحاماة يكتسب، من خلال احتكاكه اليومي بالواقع العملي للقانون، خبرة تطبيقية تغني تدريسه وبحثه العلمي، كما تستفيد الممارسة المهنية بدورها من العمق النظري والمنهجي الذي يوفره التكوين الأكاديمي. ونورد فيما يلي بعض النماذج من التشريعات الغربية والتشريعات العربية على سبيل المثال لا الحصر:

1: التشريعات الغربية

ففي القانون الفرنسي، نص المرسوم رقم 2023-552 بتاريخ 30 يونيو 2023 بشأن مدونة أخلاقيات المحامين، في المادة 21، على ما يلي:

La profession d’avocat est incompatible avec l’exercice de toute autre profession, sous réserve de dispositions législatives ou réglementaires particulières.

La profession d’avocat est compatible avec les fonctions d’enseignement, les fonctions de collaborateur de député ou d’assistant de sénateur, de membre assesseur des tribunaux pour enfants ou des tribunaux paritaires de baux ruraux, de conseiller prud’homme, de membre du pôle social du tribunal judiciaire, avec les fonctions juridictionnelles limitativement prévues par le code de l’organisation judiciaire, ainsi qu’avec celles d’arbitre, de médiateur ou de séquestre.

ويكشف هذا النص أن المشرع الفرنسي، رغم إقراره المبدئي بحالة التنافي بين المحاماة وبعض الأنشطة الأخرى، عاد ليستثني صراحة وظائف التدريس من هذا المنع، بما يعكس إدراكا تشريعيا لخصوصية الوظيفة التعليمية وعلاقتها العضوية بالممارسة القانونية.

بل إن التشريع الفرنسي يذهب أبعد من ذلك ويذهب التشريع الفرنسي أبعد من ذلك، ويضع بمقتضى قانون الوظيفة العامة الفرنسي، مبدأ عاما بموجبه لا تتنافى أعمال التدريس مع المهن الحرة المنبثقة عن طبيعة مهام التدريس، حيث تنص المادة L123-3 من القانون العام للوظيفة العمومية الفرنسي على ما يلي:

L’agent public membre du personnel enseignant, technique ou scientifique des établissements d’enseignement ou pratiquant des activités à caractère artistique peut exercer les professions libérales qui découlent de la nature de ses fonctions.

ودلالة هذا النص أن المشرع الفرنسي لا يعتبر المهن الحرة المرتبطة بطبيعة الوظيفة التعليمية خروجا عن مقتضيات الوظيفة العمومية، وإنما امتدادا طبيعيا لها، وهو ما يشكل أساسا قانونيا داعما للجمع بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية للمحاماة.

أما في القانون البلجيكي، فإن مدونة أخلاقيات المحاماة تعتمد بدورها مقاربة مرنة تقوم على حماية استقلال المحامي دون منع الجمع بصورة مطلقة. فقد نصت المادة 2.4 على ما يلي:

L’avocat qui exerce une autre activité dans les liens d’un contrat de travail ou d’un statut, ne peut intervenir pour son employeur ou contre celui-ci. Cette interdiction s’étend aux avocats avec lesquels il exerce en commun la profession et à ses stagiaires.

غير أن المادة 2.5 من نفس المدونة جاءت لتقرر استثناء واضحا لفائدة التدريس، حيث نصت على ما يلي:

Par dérogation à l’article précédent, l’avocat qui exerce une activité d’enseignement est autorisé à intervenir pour l’établissement dans lequel il enseigne, sauf si son indépendance risque d’être mise en péril.

ويبرز من خلال هذا التنظيم أن المشرع البلجيكي لم يعتبر التدريس في ذاته نشاطا منافيا للمحاماة، بل تعامل معه باعتباره نشاطا مشروعا ما دام لا يؤدي إلى الإخلال باستقلال المحامي أو خلق حالة فعلية من تضارب المصالح.

وفي إيطاليا، كرس القانون رقم 247 الصادر بتاريخ 31 ديسمبر 2012 والمتعلق بالتنظيم الجديد لمهنة المحاماة، مبدأ التوافق بين المحاماة والتدريس أو البحث العلمي. فقد نصت المادة 19 المتعلقة بـ “استثناءات قواعد عدم التوافق” على ما يلي:

1– In deroga a quanto stabilito nell’articolo 18, l’esercizio della professione di avvocato è compatibile con l’insegnamento o la ricerca in materie giuridiche nell’università, nelle scuole secondarie pubbliche o private parificate e nelle istituzioni ed enti di ricerca e sperimentazione pubblici.

2- I docenti e i ricercatori universitari a tempo pieno possono esercitare l’attività professionale nei limiti consentiti dall’ordinamento universitario. Per questo limitato esercizio professionale essi devono essere iscritti nell’elenco speciale, annesso all’albo ordinario.

3- È fatta salva l’iscrizione nell’elenco speciale per gli avvocati che esercitano attività legale per conto degli enti pubblici con le limitate facoltà disciplinate dall’articolo 23.

استثناء مما هو منصوص عليه في المادة 18، فإن ممارسة مهنة المحاماة تكون متوافقة مع التدريس أو البحث العلمي في المواد القانونية داخل الجامعة، أو في المدارس الثانوية العمومية أو الخاصة المعادلة، وكذلك في مؤسسات وهيئات البحث والتجربة العامة.

ويجوز للأساتذة والباحثين الجامعيين المتفرغين (بدوام كامل) ممارسة النشاط المهني في الحدود التي يسمح بها النظام الجامعي. وبالنسبة لهذا الممارسة المهنية المحدودة، يجب تسجيلهم في قائمة خاصة ملحقة بالجدول العام للمحامين.

كما يحفظ حق التسجيل في القائمة الخاصة للمحامين الذين يمارسون النشاط القانوني لصالح الهيئات العامة، مع الصلاحيات المحدودة المنصوص عليها في المادة 23.“

ويكشف هذا النص بوضوح، أن المشرع الإيطالي لا يكتفي بالإقرار النظري بإمكان الجمع بين المهنتين، بل ينظم هذا الجمع بصورة صريحة، بما يسمح للأساتذة والباحثين الجامعيين بممارسة النشاط المهني في الحدود التي يحددها النظام الجامعي، وهو ما يعكس فلسفة تشريعية قائمة على التأطير والتنظيم بدل المنع المطلق.

أما التجربة الإنجليزية، فتقوم على مقاربة مختلفة، حيث لا ينظم الجمع بين مهنة المحاماة والأنشطة الأخرى مثل التدريس أو البحث العلمي من خلال قائمة تشريعية لحالات التنافي، كما هو الحال في الأنظمة اللاتينية، بل يعتمد النظام على مبدأ التنظيم القائم على المبادئ(principles-based regulation) .

ويستند هذا الإطار أساسا إلى Legal Services Act 2007 وإلى قواعد السلوك المهني الصادرة عن الهيئات المنظمة للمهنة Bar Standards Board وSolicitors Regulation Authority ووفقا لهذه المنظومة، يسمح للمحامي (سواء كان Barrister أوSolicitor ) بممارسة أنشطة مهنية خارج نطاق عمله القانوني، بشرط احترام الواجبات الأساسية مثل الحفاظ على الاستقلال المهني، وتجنب تضارب المصالح، وعدم الإخلال بالثقة العامة في المهنة، وضمان الكفاءة في أداء العمل القانوني.

وعلى هذا الأساس، يعد التدريس الجامعي والبحث الأكاديمي والاستشارات غير القضائية أنشطة جائزة للمحامي في بريطانيا، ليس بنص إباحة صريح، وإنما باعتبارها تدخل ضمن مفهوم “العمل الخارجي” المسموح به ما دام لا يتعارض مع هذه المبادئ الجوهرية.

2: التشريعات العربية

وعلى المستوى العربي، تبرز عدة تشريعات اتجهت بدورها إلى استثناء أساتذة القانون من حالات المنع أو التنافي. ففي مصر، نصت المادة 14 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 على أنه:

“لا يجوز الجمع بين المحاماة والأعمال الآتية:

(…) 3 – الوظائف العامة في الحكومة والهيئات العامة والإدارة المحلية. والوظائف في شركات القطاع العام أو الوظائف الخاصة، فيما عدا العمل بالإدارة القانونية المصرح لها بذلك طبقا لأحكام هذا القانون، وفيما عدا أساتذة القانون في الجامعات المصرية في الحالات التي يجيزها هذا القانون.

ولا تعد العضوية في اللجان الحكومية العلمية أو المؤقتة أو القيام بمهام ذات صفة عرضية لا تستغرق أكثر من ستة شهور أو الندب لتدريس القانون في الجامعات والمعاهد العليا وظيفة يحظر معها الجمع بينها وبين المحاماة.

وباستثناء ما ورد بالبند (3)، يشترط التفرغ للمحاماة.”

ويعزز هذا التوجه ما نصت عليه المادة 39 من نفس القانون، حيث جاء فيها:

“يشترط لقبول طلب القيد بجدول المحامين أمام محكمة النقض أن يكون طالب القيد من الفئات الآتية:

(..) 2- الشاغلون لوظيفة أستاذ في مادة القانون بالجامعات المصرية.“

ويكشف هذا المقتضى عن المكانة الخاصة التي يمنحها المشرع المصري لأساتذة القانون، واعتباره الكفاءة الأكاديمية القانونية مؤهلا مهنيا رفيعا يبرر الاستفادة من وضع خاص داخل المهنة.

أما القانون الأردني، فقد نص في المادة 11 من قانون نقابة المحامين النظاميين على ما يلي:

“1- لا یجوز الجمع بین المحاماة وما یلي:

(..).

ج– الوظائف العامة أو الخاصة الدائمة والمؤقتة براتب أو مكافأة عدا من یتولى من المحامین الأساتذة أعمال المحاماة في مؤسسة رسمیة أو شبه رسمیة أو شركة.

(…)

و– جمیع الأعمال التي تتنافى مع استقلال المحامي، أو التي لا تتفق مع كرامة المحاماة

-2لا تسري أحكام هذه المادة على الاشتغال بالصحافة الحقوقیة والثقافیة وعضویة المجالس التمثیلیة وعضویة هيئات التدریس في كلیات الحقوق الأردنية أو العمل في نقابة المحامین بتفرغ كامل أو جزئي.“

وهو ما يشكل استثناء تشريعيا صريحا لفائدة أساتذة القانون.

كما تبنى المشرع الإماراتي بدوره توجها مماثلا، إذ نصت المادة 21 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2022 في شأن تنظيم مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية بدولة الإمارات العربية المتحدة على ما يلي:

“لا يجوز الجمع بين القيد في جداول المحامين المشتغلين، وبين ممارسة أي عمل من الأعمال الآتية:-

(..) 3– الوظيفة العامة، ويجوز للجنة وفقا لما تحدده اللائحة التنفيذية لهذا المرسوم بقانون استثناء أعضاء هيئة تدريس القانون أو الشريعة والقانون بإحدى الجامعات أو الكليات من مواطني الدولة من حملة درجة الدكتوراة.

وفي الجزائر، جاء الموقف أكثر وضوحا، حيث نصت المادة 27 من القانون رقم 13-07 المؤرخ في 24 ذي الحجة 1434 الموافق ل 29 أكتوبر 2013 المتضمن لتنظيم مهنة المحاماة على ما يلي:

 تتنافى ممارسة مهنة المحاماة مع ممارسة الوظائف الإدارية أو القضائية ومع كل عمل إداري أو إدارة أو تسيير شركة أو مؤسسة سواء كانت تابعة للقطاع العام أو للقطاع الخاص و مع كل نشاط تجاري أو صناعي و كل عمل ينطوي على علاقة التبعية.

لا يمكن المحامي العضو بالبرلمان أو المنتخب المنتدب أن يمارس خلال عهدته الانتخابية مهنة المحاماة.

لا تتنافى مهنة المحاماة مع وظائف التدريس في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

كما تبنت التشريعات السورية والسودانية والقطرية الاتجاه نفسه. فقد نصت المادة 11 من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 بتاريخ 11 يوليوز 2010 على استثناء “أساتذة الجامعات” من حالات المنع، حيث ورد فيها أنه:

“أ– لا يجوز الجمع بين عضوية النقابة وما يلي:

1- الوظائف العامة أو الخاصة دائمة كانت أو مؤقتة براتب أو تعويض مهما كان نوعها ويستثنى من ذلك أساتذة الجامعات والمحامون العاملون في الصحافة الحقوقية والمحامون المكلفون من نقابة المحامين العمل في إدارة هذه النقابة ومنظماتها“.

كما نصت المادة 25 من قانون المحاماة السوداني على استثناء “أعضاء هيئة تدريس القانون في أية جامعة في جمهورية السودان”، حيث تمنت ما يلي:

1– لا يجوز الجمع بين المحاماة وبين ما يأتي:

(..) ج) التوظيف لدى الأفراد أو في أية جهة حكومية كانت أو غير حكومية بما في ذلك التوظيف في الجمعيات أو الشركات أو الهيئات أو المؤسسات بوجه عام ، ويستثنى من ذلك رئيس أو عضو مجلس الإدارة في الجهات المذكورة وكذلك محاميها أو مستشارها القانوني أن لم يكن له عمل آخر فيها يتقاضى عنه أجرا ويستثنى كذلك أعضاء هيئة تدريس القانون في أية جامعة في جمهورية السودان .

بينما نصت المادة 19 من قانون المحاماة القطري رقم (23) لسنة 2006 المحاماة على ما يلي:

“لا يجوز الجمع بين مزاولة المهنة والأعمال الآتية :

(…) 4- الاشتغال بأي عمل يتنافى مع كرامة المحامي، أو لا يتفق مع مقتضيات المهنة. ويستثنى من حكم عدم الجمع، أعضاء هيئة التدريس القطريين الحاصلين على درجة الدكتوراه، الذين يقومون بتدريس القانون في إحدى الجامعات المعترف بها.“

ويستفاد من مجمل هذه النماذج المقارنة أن الاتجاه التشريعي الغالب لم يعد يقوم على الفصل الجامد بين الجامعة والمحاماة، وإنما على اعتبار الجمع بينهما قيمة مضافة للمهنة وللعدالة وعلى بناء علاقة تكامل بين المجالين، قوامها الاستفادة المتبادلة بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية. كما تكشف هذه التشريعات أن معيار التنافي الحقيقي لا يرتبط بمجرد ممارسة نشاط مواز، وإنما بمدى تأثير ذلك النشاط على استقلال المحامي أو نزاهته أو تفرغه بصورة تجعل الجمع مستحيلا. ومن ثم، فإن التدريس الجامعي في القانون لا يقدم في التجارب المقارنة باعتباره نشاطا منافيا للمحاماة، بل باعتباره قيمة مضافة تسهم في تطوير البحث العلمي، وتحسين جودة التكوين، والرفع من مستوى الممارسة المهنية والقضائية.

وبناء عليه، فإن إتاحة الجمع بين المهنتين لا ينسجم فقط مع المرجعية الوطنية التاريخية، بل يقرب التشريع المغربي من اتجاه تشريعي مقارن واسع، يقوم على اعتبار الأستاذ المحامي رافعة لتطوير المهنة، لا حالة تناف ينبغي تقييدها.

سادسا: أعلام الفقه القانوني المغربي والمقارن شواهد حية على تكامل الأستاذية والمحاماة

إن عدم اعتبار الجمع بين مهنة الأستاذ الجامعي في القانون ومهنة المحاماة حالة تناف، لا تؤكده النصوص المقارنة فحسب، بل يعززه كذلك تاريخ الفقه القانوني في عدد من الأنظمة القانونية، حيث ارتبط تطور الفكر القانوني الحديث بنماذج لفقهاء جمعوا بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة، بما جعل هذا التداخل مصدر إثراء للفقه والقضاء والممارسة المهنية على حد سواء.

وفي التجربة المغربية، يبرز عدد من أساتذة القانون الذين جمعوا، في وقت سابق، في مسارهم المهني بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة بدرجات متفاوتة، في سياق قانوني كان يسمح تاريخيا بالجمع أو التداخل بين الوظيفة الأكاديمية والممارسة المهنية، ومن بين هؤلاء نجد: محمد جلال السعيد، أحمد الخمليشي، أحمد شكري السباعي، عمر عزيمان، تاج الدين الحسيني، إدريس العلوي العبدلاوي، ادريس السماحي، عمر أبو الطيب، عز الدين الكتاني…، الذين أسهموا في تطوير الفقه القانوني المغربي.

وعلى المستوى العربي، يبرز عدد من أعلام الفقه القانوني الذين جمعوا بين التدريس ومهنة المحاماة بدرجات مختلفة، مثل: أحمد أبو الوفا، سليمان الطماوي، أحمد فتحي سرور، فتحي والي، أمينة النمر، وجدي راغب، حسن كيرة، سميحة القليوبي… حيث أسهموا في ترسيخ المدرسة القانونية العربية من خلال الجمع بين التدريس الجامعي والمشاركة في العمل القانوني التطبيقي عن طريق مهنة المحاماة، بما يعزز فكرة التكامل بين النظرية والممارسة في بناء المعرفة القانونية.

أما في التجربة الفرنسية، فيتجلى هذا النموذج بشكل أوضح من خلال شخصيات مثل: Jacques Ghestin؛Georges Ripert ؛ Emmanuel Gaillard؛ Philippe Fouchard؛ Louis Vogel؛ Pierre Mayer ؛ Jean-Denis Bredin؛ Thomas Clay؛ الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي العالي والممارسة المهنية للمحاماة، بما يعكس تقليدا راسخا في ربط الفقه القانوني بالممارسة العملية.

ودلالة هذه النماذج، التي هي على سبيل المثال، هي أن الجمع بين الأستاذية والمحاماة لم يكن في أي وقت إخلالا باستقلال المهنة أو أخلاقياتها، بل كان على العكس رافعة لتطوير الاجتهاد القانوني، وتجويد الدفاع، وإغناء الفكر القضائي، والرفع من جودة التعليم الجامعي.

ختاما:

إن النقاش المرتبط بحالة التنافي بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي في القانون يتجاوز مجرد الجانب الفئوي أو المهني الضيق، ليرتبط بطبيعة التصور الذي يراد اعتماده للعلاقة بين الجامعة ومنظومة العدالة.

فإما أن ينظر إلى الجامعة باعتبارها فضاء معزولا عن الممارسة القانونية، وإما أن يتم التعامل معها باعتبارها شريكا أساسيا في إنتاج المعرفة القانونية وتطوير الاجتهاد والممارسة المهنية.

وفي هذا السياق، يبدو أن إعادة النظر في حالة التنافي بين المهنتين لا تعني إحداث وضع استثنائي جديد، بقدر ما تمثل عودة إلى الاختيار التاريخي الذي تبناه التشريع المغربي لعقود، وانسجاما مع اتجاه تشريعي مقارن واسع يعتبر الأستاذ المحامي قيمة مضافة للجامعة وللمهنة وللعدالة معا.

1– ينص الفصل 15 مكرر من الظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبرير 1958 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على ما يلي:

مع مراعاة الاحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات، يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر عليه دخلا كيفما كانت طبيعته، تحت طائلة المتابعة التأديبية….”.

2– تنص المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 صادر في 15 من محرم 1445 (2 أغسطس 2023) بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، على ما يلي:

” يعهد إلى الأساتذة الباحثين بالمهام التالية:

– (…)

القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل.

* ذ. زكرياء العماري، أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

إقرأ الخبر من مصدره